وهيبة قوية - تونس

بداية تقتل الأمل

خرجت من البيت مثل طفلة صغيرة تستقبل المدرسة أوّل مرة، كعهدها بنفسها منذ سنوات خَلَتْ. كانت ترى عملها أجمل ما أنجزته في حياتها إيمانا منها بنبل رسالة التّعليم وحبّا لعملها في ذاته، ولأنّ العمل وحده يوفّر لها مساحة من الوقت تشعر فيها بأنّها هي، هي ذاتها وليست أخرى، وبأنّها امتلكت شيئا لنفسها تنفع به غيرها بكلّ الحبّ الّذي في قلبها لطلاّب العلم.

في الطّريق كانت تبتسم لنفسها وتُحدّثها بأنّها ما زالت تستطيع أن تستشعر حبّ التّلاميذ لها وحبّ أصدقائها وزملائها وأن تبذل مزيد الجهد لا للعمل فحسب بل للإبداع. فعملها أقرب عمل إلى الإبداع لأنّها يمكن أن تُشكّل تفكير هؤلاء الطلاّب ونفوسهم وأن تغرس القيم النّبيلة فيهم رغم أنّ أكثر التّلاميذ قد صاروا يأتون المدرسة غالبا لأجل أنّهم فقط تلاميذ لا طلبة للعلم. فَتراهم يُساقون إلى الدّرس بكلّ المُغريات ولكنّهم لا يُغريهم غير اللّعب وترك الدّرس لمن أراده.

مرّت في الطّريق بكثير من النّاس. هم أكثر من العادة اليوم. ألقت السّلام على الجميع تقريبا. لم تكن تعرفهم ولكنّها تُحبّ أن تُلقي السّلام على كلّ من يمرّ بها أو تمرّ بهم. هو التّفاؤل، وهو الإيمان بأنّ الحياة وسط النّاس من جميع الأصناف تعطي الرّغبة أكثر في الحياة والاستمتاع بجمالها.

قادتها الأحلام بعيدا، وتصوّرت أنّها لا بدّ ستجد متعة جديدة هذه السّنة لتُنجز مشاريع عطّلها المرض في السّنوات الماضية. وتناست آلامها ومرضها، ونسيت غصّة تقبع مثل الحجارة في حنجرتها.
كانت كلّما تقدّمت خطوة فرحت أكثر، مع أنّ الطّريق على حالها، تغطّيها الأتربة الّتي يتلاعب بها الرّيح أو تمرّ فوقها السّيّارات فتذروها على وجوه العابرين. فيسخط من يسخط، وتبتسم هي. وتقول في نفسها: "كلّ شيء سيتغيّر، لا شيء يبقى على حاله ما دمنا نروم الحياة الأفضل."

كان عندها أمل أنّ كلّ شيء سيكون بخير، وأنّها ستكون بخير، وأنّها ستتجاوز كلّ مرارة.

وجدت جمعا من زملائها قد سبقوها، وامتلأت القاعة بضحكهم وحكاياتهم. واستقبلوها بفرح. ها هي تعود بينهم هذه السّنة. ولا بدّ أن تكون البداية جيّدة. ستجد كلّ ما يشجّعها على العمل والعطاء، فقد زالت كثير العراقيل من أمامها وارتاحت من كثير من المتاعب.

لم يبقَ أمامها إلاّ امتحان واحد وترى أنّها سائرة للنّجاح فيه. ستنجح وستفتّت الحجارة الّتي تستوطن صدرها وتتنفّس عميقا، وترى نفسها في مرآة ذاتها هي؛ هي لا امرأة أخرى يحطّمها الوقت والحزن.

ولكن، سريعا ما انقشع الغمام من أمام شمس الحلم لتحترق بالحلم ولا يمطرها الغمام مطرا يغسل حزنها ويجرف الحجارة عن حلقها وعن صدرها. بل يزيد من اختناقها.

فما أن وجدت نفسها وسط جمع الأصدقاء والزّملاء حتّى أغرقها الدّمع، ولا يزال يغرقها، كما كان يُغرقها دائما. وكم كرهت أسئلتهم وتطفّلهم على حياتها، وكم كرهت نفسها واحتقرتها. وكم بدت لا حظّ لها من حبّ النّاس ولا من حبّ نفسها، لا يوجد أكثر من هذه المرارة. تسرّبت إلى دمها وفجّرت دمعها وغشِيَت قلبها بمشاعر غريبة، لم تعد تقرأ على صفحة قلبها ونفسها غير الحزن والمرارة والوجع. فقد أعادتها الأسئلة المتطفّلة إلى ما كانت عليه.
بل صار قلبها يتشظّى ويغتسل بدمعه علّه يجلو شيئا من نور "ركنه النيّر" ولكنّها وجدته يفّر من العيش من جديد وسط النّاس.

خرجت وكلّها أمل بأنّها ستعود لتعرف نفسها بالآخر، وعادت إلى البيت تحمل مرارة مضاعفة وكرها أكبر لنفسها واحتقارا لها، وخلاصةً مُختَصَرةً: إنّها لا تستطيع العيش وسط النّاس، ولا تملك القدرة على احتمال وجودها مع الآخرين، وجودها بينهم يخنقها ويقطع أنفاسها.

خرجت طفلة وعادت عجوزا لا تملك من أمل الحياة غير فُـتاتِ كِسرة خبز يابسة في أدراج نفسها الحزينة تقتات بها في زمن القحط.

بقيت تحدّث نفسها: "لكلّ مشكلة حلّ أكيد، وفي كلّ حكاية جانبها المشرق." ولكنّها ماذا ستفعل بأكداس الخراب الّذي تكدّست أمامها وكيف تفتح من خلالها ثقبا لنور؟ كيف؟ أمامها وقت قد يطول لتستعيد حلمها وتستعيد حبّها لنفسها.

امتزج باليأس الأملُ ثانية وهي تقول لنفسها: "سأجمع شظاياك قلبي ففيك بقيّة من حلم جميل وفيك تتفجّر ينابيع حياة أحتاجها."


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3429092

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC