أمل النعيمي - الأردن

كراكيب

أمل النعيميأعرف أنّ تكرار حكايات الأنا مملّة، فنجيب محفوظ حصل على نوبل الأدب لأنّه سطّر تاريخ مصر عبر الحواري الضيّقة البالغة الفقر وبائعات الهوى. وفي الجانب الآخر طه حسين و"الأيام" وعتمة داخله الّتي حاصرتني يوم طلب منّي فرض مدرسيّ مقدّس تلخيص سيرته الذاتيّة.

سهل جدّا كتابة قصّة طويلة وقصيرة بشخصيّات وهميّة أو حقيقية ووصف واسم وأحداث، فقد جرّبتها مرّة وربّما مرّات، وأصعب شيء حين أحس كلماتي تروم تعريتي على الورق ثمّ يغتصبني يراعي وحبره الجاف.

حسنا، عندما ترتّبنا الأحداث نصبح قدرييّن، وهذا ما حدث معي عندما تنبّأت دائرة الأرصاد الجوّية بمنخفض ثلجي قد يستغرق أيّاما.

ذكرياتي مع المطر تراوح بين كرّ وفر، لكّنها مع الثلج ساخنة حدّ إذابة خلايا الدماغ. بعضها يغيب بلا غياب والبعض موجود بلا وجود. لا أشتاق لها كثيرا. غير انّه في اللحظة القادمة قد أموت لغيابها أكثر، فنحن أحيانا نخيط رداء الوقت ويرتديه غيرنا.

البارحة أطلّ الثلج باستحياء، واليوم أزاح نقابه وأشياء أخرى. أقف أمام نافذتي بمسكني الجديد أراقبه. إنّه يستفزّني حدّ الرغبة بالانصهار فيه. عباراتي ركيكة؟ قلت لكم إنّي لن أقف كثيرا لتزويق كلماتي، فأنا وإياها الآن كراكيب.

مع الحضور اللّجيني توقّف الحراك أو هكذا ظننت. هناك ضروريات مأكل وسواه تنقصني، وشيء ما أقوى من الاحتياج يدفعني للخروج.

لم أقف طويلا أمام المرآة كعادتي، فكلّ ما يهم أن ألتفع بما يليق بالضيف الّذي قد يتكرّر وأنا في محطة الغياب.

في الشارع الناصع البياض لم آبه كثيرا لاحتمالات انزلاقي وانكساري. تلك اللآلئ الهشّة التي تضرب وجهي حبيبة إلي. تعارفنا الأوّل كان استثنائيّا. كنت أعيش حقبة ما زلت أسمّيها (عصري الذهبي). كان هناك أهل وأصدقاء وحبيب؛ أو هكذا ظننته.

الوقت هو أفضل تحرّ خاص نستعين به ليزيح الستار عمّا كان جليّا يومها، لكنّه الإصرار ألا نراه.

آه تخرج بصمت ينسيني وجعها رؤية سيّدة تقاربني ربّما سنّا وفحوى وأولادها وقد صنعوا رجلا ثلجيّا ولا أروع.

أوّل مرّة أعرف أنّ الجزر مقوّي النظر يستعان به لأنف الرجل الثلجي، في حين احتلّ الليمون محاجر العيون. تعذّبني تلك السعادة الّتي أحسّها. ولم لا؟ فلسعادة آلام نكتشفها فجأة، ودائما هناك (أوّل مرّة ).

تبارك تلك السيّدة حضوري بابتسامة عريضة وأبادلها عرضها السخي.

"رائع سيّدتي رجل الثلج هذا. كذلك أولادك."

"شكرا، أنا (أمّ فلان) ويمكنك مناداتي فلانة."

"وأنا فلانة" (بلا أمّ فلان وفلانة). كم مرّة وقعت في مطبّ الألقاب هذا ووخز أمومتي الجدباء!

قالت لي إنّها صاحبة المكتبة المجاورة لمسكني وهي دائما في الخدمة؛ دبلوماسيّة القطاع الخاص.

أفكّر في كشف أوراق مهنتي لكنّ كراكيبي تعترض.

غريب أنني لم أكن قلقة على المحمول الذكي بأن يتلفه الثلج وأنا منهمكة في التقاط الصور والفيديوهات قدر قلقي ألا يؤرّخ اللحظة، فالذكاء يخذلنا في كثير من الأحيان.

أحاول نسيان كم مرّة خانني. يسعفني نداؤها بأخذ صورة جماعيّة مع رجل الثلج.

يتكرّر هذا المشهد الهزلي في حياتي. سهلة الاندماج مع الأخريات والآخرين حتّى وأنا أدرك أنّ صدفة اللقاء قد تكون الأولى والأخيرة.

واو! منذ متى لم أتنفّس بعمق هكذا؟ أكوّر حبّات اللؤلؤ بيدي لأتقاذفها مع تلك العائلة الودودة.

العائلة نعمة بديهيّة لا ندركها إلاّ حين تصبح في خبر كان.

لا يهم. قدر. نصيب. تختلف المسميّات والنهاية واحدة.

تستمر رحلتي الجليديّة الّتي أذوب في دفئها ولا أدري لماذا. ربّما أدري، ولكن...

أصل إلى أقرب مجمّع تجاري. أبوابه مشرّعة لكل شيء: خضار. قهوة. خبز. كلّ ما ينقصني. لكنّ اليوم جمعة وموعد صلاتها. أغلب أصحاب المتاجر في المساجد.

أكتشف أنّ المودّة بين الناس لا يجب الحكم عليها جغرافيّا فالسكن الجديد في حيّ راق، والمفروض أنّ من فيه مغرورون يعيشون في شرنقة خاصّة بهم. لكنّ ما حدث ويحدث اليوم لا يبرر للتعميم.

وأنا أنتظر عودة "الخضرجي" عند بائع الخبز أشمّ رائحة بديهيّات الصباح. آه، لديهم ماكنة تحضير القهوة.

أحد الشباب العاملين هناك يقدّم لي كأس قهوة كثيف الرغوة. يا للعار! من المؤكّد أننّي ضبطت متلبّسة بالنظر إلى الماكنة. لا يمنعني ذلك من احتسائها. أسأل عن الثمن فيجيب الشاب الوسيم: " لا، عيب. هذه ضيافة."

واو! جميل الإحساس بعودة الإنسانية خصوصا عند جيل متّهم بغيابها.

تأخّر "الخضرجي" في الصلاة. ينصحني الشاب بسؤال أصحاب كافتيريا الحمّص والفلافل فهم و"الخضرجي" من إخواننا "المصاروة".

يراودني الثلج عن نفسي فأستجيب. أخرج لأجلس على كرسيّ رخامي في الخارج. تصرّف عفوي طالما حلمت به. يأتي رجل ملتح فاضل يسألني إن كان بالإمكان تقديم أيّ مساعدة كإيصالي للمنزل إن لم يكن قريبا لظرف الطقس الطارئ. عادة لا أحسن الظن بعرض كهذا، لكنّي اليوم أحسّ بأنّي سفيرة النوايا الحسنة.

"شكرا سيّدي. أستمتع بالطقس. لا أجده رديئا أبدا."

قشعريرة تجبرني على العودة حيث محلات الحمص والعاملين. أحدهم يتجاذب أطراف الحديث مع رجل تناهى إلى سمعي أنّه ليبي. ما هذا السخف؟ مصري وليبي و... ألن تجمعنا الإنسانية؟

"عفوا، حضرتك من ليبيا؟"

"نعم سيّدتي."

"مقيم أو هنا للعلاج أو...؟

دائما أندّد بالفضول وأهله. اليوم أنا لست أنا. ذاك البهاء الأبيض أذاب ما بي من معتقدات، رغم انّه لم يذب بعد، قد أعود إليها حين يذوب. الآن لا يهم.

شقيقنا الّليبي مبهور بالمنظر الخلاّب. يلتقط بعض الصور والفيديوهات. أنظر إليه بحشريّتي الطارئة.

"أتودّين التقاط صورة تذكاريّة؟"

"لا، شكرا. فقط... عفوا... كنت... حسنا شدّت كاميرتك انتباهي. إنّها أصليّة. أقصد يابانيّة. تعرف، السلع الصينيّة... و...

"أحضرتها لأصّور ابنتي المريضة. نحن هنا من أجلها. أنا وهي ووالدتها فقط."

"سلامتها إن شاء الله."

كي لا أخدش البراءة البيضاء وقناعاتي اليوم لم أتطرّق لسياسة وفضائيّات. فقط أبديت استغرابي من سلاسة لهجته. قال إنّه أستاذ في اللغة العربيّة وقد طاف العالم من شرقه لغربه. رجل مثقّف متحضر. أليس هذا ما يجب البحث فيه بمبادرة عودتنا إلينا؟

"أنا ذاهب الآن لابنتي في المستشفى. والدتها هناك أيضا. تفضّلي لو شئت معي للتعرّف إليهما."

"بأقرب وقت إن شاء الله. إلى اللقاء."

ربّما كنت أهرب من أنا الجديدة، ولو كانت آنيّة، وضمن كراكيب.

لا شيء غير اعتيادي عند "الخضرجي" إلاّ حين أعاد لي بضعة ليرات تعبانة، ههه. أقصد مهترئة. عادة لا أرضى بمثلها، فهي عصيّة على الصرف. لكنّي اليوم قبلت العذر: لا يوجد لديه سواها.

بعودتي يتكاثر الثلج وتتكاثر معه كراكيبي. شاب وسيم يحمل أسطوانة غاز على كتفه يمشي بمحاذاتي. ابتسمنا لبعضنا. قد تكون ابتسامة غير مبرمجة هي جواز السفر الدبلوماسي الّذي يعوزنا لاختصار مسافات همزات الوصل والتواصل.

أفكّر بالثلج ولقائنا الأوّل، أنا وهو، ومن كان حبيبي، بقصيدتي الثلجيّة. حينها وصفته بالصديق. ماض لو عاد يكون مسخا، وأنا أكره الفتق والترقيع.

هي القصيدة الثلجيّة لا تنوي التخلّي عنّي بنهاية حزينة قاشعة لغبار الأمل.


فبعد حين يطلع النهار

يموت حلمي ببزوغ الشمس

يصير ذاك الثلج كالأنهار

تشربها الأرض فيختفي كالأمس

وحينها تتفتّح الأزهار

تمسح حزنا يعتري نفسي

ايه صديقي اذا عاد المناخ

ودار في الدنيا فصولا أربعة

وولولت ذكرى ونادت في صراخ

وأنا هنا بوحدتي ملتفعة

وعدت من مجهول ذات الفترة

أردت أن نمضي معا

نجري معا

نعيد ماضينا، نعيد الكرّة

وجاءنا الأثير، قال في حسرة

لن نرجع العمر.

وضاع عنواني، صرت في حيرة

أنا يا صديقي في ثنايا الثلج دفنت السرّ.

كان ذاك أوّل فصل ثلجيّ في مسرحيّة حياتي. وجاء ثان وثالث. من يدري لو جاء رابع متى وأين سأكون.

بديهيّ ضياعنا في جدل الكلمات ودجل الكلمات وصعب جدا العيش في خضّمها.

عدد الشباب والصبايا والأطفال يتزايد. كذلك رجال الثلج بملامح ثابتة القواعد. قد أبدو تافهة لو قلت إنني تعلّمت اليوم كثيرا. لكّن أهمّ ما تعلّمت كيف أصنع رجلا واضح المعالم، ولو كان ثلجيّا يوما من الأيّام.

عند اقترابي من عمارة سكني كان مالكها يطل من شبّاكه. أشار لي بأن آتي. تذكّرت أنّ اليوم بداية شهر جديد: دفع الإيجار وفواتير الماء والكهرباء وخلافه.

أف، واقع بليد يعيد كفّي لحسابات وأرقام ماديّة بحتة. كان يجب التحضير لذلك ما دمت لا أملك سوى كراكيب.

في شقّتي قرب المدفأة شعرت بمبادرة إنفلونزا. قدري؟ ممكن. (ولا ترموا بأنفسكم إلى التهلكة). كما هو قراري بعدم الإبحار عميقا في لجج السياسة كذلك الدين. ببساطة خرجت لنفاذ خزين الدار. غدا قد يستمر الإعصار. قد ينتهي، وعدد لا ينتهي من الاحتمالات.

خرجت لاكتشف صدفة تناثر بقاياي هنا وهناك، وقص ولزق وإعادة ترميم، وأعود. ربّما كما كنت... وربّما...

لا أدري، الآن أنا منهمكة في تدوين يومي. لست مدوّنة. لنقل وصف اليوم، لا يهم. هي فقط دعوة منزّهة عن أيّ غرض ليعيش كلّ منّا يوما مكركبا. صدّقوني، لا أحد سواكم سيعلم محتوى تلك الكراكيب.


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3429092

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC