وهيبة قوية - تونس

في ظلال العتمة والنّور

في ظلال العتمة والنّور

الجزء 1: "نور" في غياهب العتمة

كانت تزرع الفرح على جنبات طريقها بألوان قوس قزح وتُوسِعُ أمامها الفضاءَ بالأحلام وتشغل يديها بكلّ الأمل. أمامها لا تتلبّد السّحبُ وعيناها تريان أمواجَ النّور المتدفّقة وأشعّة الشّمس والقمر والنّجوم وخيوط الفجر وكلّ قبس من الإشعاع. وكانت ترسم دوائر النّور حولها إذا تراءت لها بوادر عتمة في سماء روحها فتبدّدها.

ولم يخِبْ من سمّاها "نور"، فعيناها ممتلئتان بالألوان النّورانيّة الشفّافة تتبعها كما الفراش حيث جالت. تستنشق العبير صرفا وتفتح يديها مشرعتين نحو الأمل. السّماء والأرض جعلتهما فضاءً ساحرا تستمدّ منه قوّة عجيبة. فتراها طفلة سابحة في النّور وتراها شابّة يافعة حالمة ترد موارد الحبّ والحريّة والحياة. وكانت خيوط النّور مطواعا بين يديها تغزلها أحلاما وآمالا لحياة عذبة صافية لا يتسرّب إليها الظّلام ولا تبلغها الأحزان. أو هكذا ظنّت.

غزلت مرّة خيوطا كثيرة رفيعة من شعاع نور الأمل وجمعتها حتّى صارت حبلا متينا وأمسكت بطرفه. ولكنّه فجأة صار يشدّها إلى عالم غريب بقوّة تكبر وتكبر. ثمّ انسلّ طرف الحبل من يدها. وسمعت دويّا أدخل الرّعب إلى قلبها ما عرفت رعبا مثله قطّ:

"ذاك باب ادخليه. قد سلبتك خيوط الأمل ولن تجديها. يوجد غيرها من الخيوط خلف هذا الباب. اغزلي ما شئت منها. وانخرط في ضحكة مجنونة صاخبة مرعبة."

ودفعتها يد خشنة قاسية نحو باب فُتحت مغاليقُه لتجد نفسها عند معبر خَفَتَ الضّوء فيه واقتادتها أصوات مختلطة لا تفهمها نحو وِهاد عميقة.
شعرت في غمرة سقوطها بالوهن يسري في جسمها المتهاوي ويعذّب روحها. ثمّ استسلمت إلى نكهة التّيهان عند نقطة لا تعرف مداها وهاوية لا تدرك قرارها حتّى صارت وهي تتهاوى تستعذب الوهن الّذي لفّ جسمها. ولكنّها كانت تأمل أن ينتهي الضّياع الّذي تشعر به.

وظلّت معلّقة عند تلك النّقطة من الأمل متمسّكة بها، إذْ كلّما تمسّكت بها ضمنت عدم السّقوط في قرار الهاوية السّحيقة المظلمة. وطال الوقت بها. حتّى استأنست الوحشة والوحدة والظّلام المتسرّب إلى كلّ ما حولها.

تعبت فأغمضت عينيها تحاول أن تستدلّ بما في قلبها لتعرف ما العمل. فوجدت نفسها تستسلم للذّة غريبة تتسرّب في أوصالها ثمّ أخذتها الكوابيس وابتلعتها كوحش ضارٍ ثمّ لفظتها بعيدا عن النّور والآمال. سرقت منها كلّ منهل عذب من مناهل روحها وطفقت تُجفّف كلّ نبع للنّور قريب منها أو حولها. وبدأ الظّلام يتسلّل إلى كيانها وسادت العتمة تحتلّها احتلالا. قاومت في البداية مقاومة سرعان ما كلّلها الاستسلام حينما وجدت قدميها عند بداية طريق لا معالم لها. مع ذلك ساورها الأمل. وحاولت أن تثبّت خطواتها على مسارها. لا بدّ أن تجد في نهاية هذه الطريق فجرا، أو بارقة من أمل تقودها إلى ألوان الفرح. أو هكذا ظنّت.

كانت الطريق طويلة، ضيّقة، حالكة السّواد، غاب عن سمائها القمر والنّجم وابتعدت الأضواء عنها كأنّها تخشاها وتخشى وحشتها. فسارت مثقلة الخطى تحمل همّا موجعا سكن زوايا قلبها وما برح يتفاقم وينتشر سريعا كوباء قاتل في كلّ خلاياها.

مرّ وقت ثقيل وهي تسير. لا تشعر بقدميها ولا بلفحات المساء الأسود الباردة على وجنتيها ولا تعرف وجهة لها في الظّلام الّذي يلفّها ولا تعلم كيف تشقّ عبابه.

سمعت صوتا خافتا خلفها يقترب حثيثا، صوت أقدام بعيدة كلّما اقتربت منها صار لها صدى يتردّد في مسامعها فلا تكاد تتبيّن أكان حقيقة أم من تصوير خيالها. من تراه يمشي خلفها؟ وكيف تستبين ملامحه وهي لا تكاد تبصر إلاّ كتلَ اللّيل وسوادا يبتلعها في جوفه؟

تابعت سيرها وهي تمدّ راحتها إلى سواد اللّيل والعتمة من حولها تقبض منه قبضة وتقتطع من الظّلام قِطَعًا تغزل منها حبالا دقيقة تشدّها نحو الطّريق وترسم بها مسارها حتّى لا تذوب في هذا الفضاء الأسود الممتدّ.

لم ينقطع صوت الخطوات. توقّفت ممسكة بطرف خيطها الّذي يشدّها إلى الطّريق بحرص شديد تخاف أن ينقطع فلا تصل إلى نهايتها ولا تبصر خيط الفجر الّذي تحلم أن تجده. لم تستدر، فكلّ حركة يمكن أن يضيع بها اتّجاه خطاها. ولكنّها أصغت إلى الصّوت وصداه، وكتمت أنفاسها فوصل إلى سمعها صوت أنفاس تقترب شيئا فشيئا، وشقّ الظّلامَ صوتٌ خشنٌ، هو نفس الصّوت الّذي سمعته قبل أن يُفتح لها الباب :

"سأصاحبك على الطّريق."

"من أنت؟ أنا لا أراك."

"لا تتكلّمي. قد تزعجين هذا الهدوء وتبدّدين الظّلمة. خذي من يدي هذا الخيط سنسير معا."

لم تتكلّم. ولم تعلم كيف وصل الخيط إلى يديها ليلتفّ حول أصابعها، وتجمّدت حركة يديها. ولكنّها ظلّت تسير. وصارت أقدامها أكثر ثقلا وصار السّواد أكثر سوادا.

حاولت أن تمدّ يدها إلى الظّلام لتوسع أمامها الدّرب ولكن تعطّلت حركتها بقيد يسوّرها، هو خيط قويّ، أو حبل أُتقِنَ فتلُه، يلتفّ حول معصميها. لم تنبس بكلمة. ولكنّ فكرها انشغل بالقيد وكيف وصل إلى معصميها ولمَ كلّ هذه الخيوط حول أصابعها تشلّها عن مواصلة غزل خيطها الّذي يصلها بالعالم خلف الباب وراءها وقد يمكّنها من الرّجوع.

أرهفت سمعها أكثر إلى هذا السّواد الّذي جثم على صدرها وصار أشدّ وطأة، وانقطع آخر خيط غزلته ولم يبق غير الخيط الّذي قيّد حركتها ومنعها من مسك طرف الخيط الّذي كانت تمسكه على أمل العودة وسط هذا الظّلام إلى حيث كانت في مجلس النّور.

هذا الّذي يسير إلى جانبها صامتا من يكون؟ لا يصلها به غير الخيط الّذي يشدّ يديها. ماذا يريد منها؟ ولماذا يدفعها إلى كلّ هذه العتمة؟ كثرت حيرتها ثمّ صار صوتُ أنفاسها يغيب على وقع خطواتٍ جنائزيّة تتبع فيها خطاها خطى صاحب الصّوت المرعب. وطالت الطريق بها حتّى أحسّت أنّها لم تعد تعرف ملامح خطواتها على هذه الطّريق ولم تعد تحلم بذلك الفجر البعيد، وأنّ ما جثم على صدرها من الحزن بسبب ذلك صار قطعا متلبّدة لا تنزاح.

وأرادت أن تتكلّم، وتسأله من يكون، فسبقها صوته:

"غنّي."

"أغنّي؟" قالتها بصوت مختنق لا نبرات تميّزه غير الخوف.

"نعم. غنّي. سمعتك قبل الآن تغنّين وأنت تغزلين خيوطك. كانت أنغامك فرحة. ولكن ليكن هذه المرّة لحنا حزينا."

لم تستطع الغناء. بل كيف يمكنها الغناء وأنفاسها مكتومة؟ لمْ يلحّ عليها، وأطلق هو من حنجرته كلّ أصوات الحزن في نشاز أرعبها أكثر. وكلّما انطلق صوته وعلا ثقلت خطاها أكثر وكأنّها تتسمّر على الطّريق. صَمَتَ فجأة فتوقّفت.

استطاعت بصعوبة أن تسأله:

"من أنت؟"

وصلتها ضحكة مدوّية زادت من وحشتها وجوابا قتل كلّ الأمل في نفسها:

"أنا؟ أنا دربك وقدرك. ستكونين معي في هذا السّواد. سنرشف معا كتل الظّلام ونرفع هامة الأحزان ونشرب نخب السّواد. سنعيش معا هنا."

ولم تكن تدري هل أشار إلى اتّجاه ما. فكلّ الاتّجاهات سواء في هذا الظّلام المتجانس السّواد.

لم تقل شيئا. لا تدري كيف حلّ الصّمت المرعب فوق شفتيها وكيف تسرّب في دمها ووصل قلبها فأتعبه وحيّرها.

"لستُ صديقكِ ولن أكون. ولكن سأرافقك. قدرك أن تكوني معي كما أريدُ لك أنا. أنت لا تملكين حرّيّة يديك ولا انطلاق صوتك ولا نور عينيك. وقلبك قد جمّده الحزن الّذي سوّرته به. أنت معي وهذا يكفيك. افتخري بأنّك ملكة السّواد والآلام وانحني لي فأنا سيّدك وأنا وحدي من يعرف الوجهة ويحفظ معالم الطّريق."

كانت تسمع ساهمة، وما إن أكمل كلامه حتّى أمسك يدها وأخذ يراقصها بجنون وفي غير تناسق حركات، ثمّ جذبها إلى صدره فوجدته باردا. كان قطعا من الثّلج. وانبعث صوته ثقيلا، متقطّعا، كحشرجة محتضر:

"قرّرتُ أن نقف هنا."

"ولكن، هناك قد أجد نورا أو فجرا. قد أجد نجمة. لا بدّ أن أجد قبسا من نور ينتظرني."

"لا شيء ينتظرك، أنت تتوهّمين."

"أتوهّم؟"

"أليس اسمك "نور"؟ هذا وحده كفيل بأن ينير هذا المكان الّذي سأسكِنُكِ فيه. هذا قصرك وعالمك الّذي ستعيشين فيه معي."

قالها بصوته المرعب وفي سخرية بادية. بعدها صَمَتَ. ورسم لها دائرةً في قلب الظّلام وطلب منها عدم اجتيازها.

"هذا هو القصر. لك الفرح في حدوده لا تتجاوزيها. وبيننا ما سوّرتُ به معصميك وشبكته في أصابعك. وأنا سيّدك وصاحبك هنا."

خضعت لأمره، فقد سرق من الطريق كلّ العلامات الّتي كان يمكن أن تستدلّ بها. أو هكذا ظنّت.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3225189

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC