ياسمينة صالح - الجزائر

نقتل الحب بشظية انتظار

هو:

كم يحتاج من العمر ليفهم أن الأشياء تتغير بما فيها من عناوين تصلح لنشرة جوية على مدار القلب! كلّ أمس هو اليوم بشكله المنتهي، وكل يوم هو ذلك الغد الذي توقعه أقل ضراوة، كحادث مرور يصيبه بالخوف أكثر من شيء آخر.

عندما ارتشف قهوته، فكر فيها، ثم تناول جواله كما يتناول المرء شيئا ضروريا يتباهى به أمام دقيقة يقتلها باللاشيء. كان جواله خاليا من رسائلها، لليوم الثالث على التوالي. تنتظر منه أن يبادر بالصلح، لكن الكبرياء يتحول في هذه الحالات إلى غرور، منتظرا منها الخطوة الأولى.

هي:

تصحو من فكرة لتنام في أخرى. كل النهار يبدو شاسعا قبالة قلب يضيق به الأفق، لا شيء يعلو فوق لحظة مكتظة بالصمت، تذكرها أنها وحيدة كما لم تكن من قبل. كان بإمكانها أن تمارس سخريتها من الأشياء كما السابق، كأن تهمس في سرها "يضرب الحب شو بيزل" (*)، وتفتح نهارها كمن لا ذنب له. لكنها لم تستطع تجاوز هذا الشعور بالفراغ، منذ توقف جوالها عن الرنين بصوت فيروز، كلما جاءها اتصالا منه أو رسالة نصيبة تبدأ بـ"اشتقتك"، وتنتهي بـ"تصبحين أنتِ كما أنتِ". هكذا، ببساطة الكلمات التي تقال على وقع اللحظات المتسارعة في دمها، لترد عليه في آخر النص: "أراك في قلبي غدا". وكانت تراه في قلبها غدا.

هو:

لا يجد الوقت ليفعل ما اعتاد على فعله كل يوم. فقط يراقب ظله في صمت الأغنيات المنحدرة من أماكن يعرفها بقلبه. كلما مشى جاءه صوت فيروز يذكره بأن النهار ناقص من قطعة شمس، كانت تدفئ سترته الزرقاء، وتورق قلبه بشيء استثنائي يذكره بعطرها "شانيل"، فيتدفق الضوء على وجهها كلما مشت إلى جانبه، متأبطة ذراعه بغرور مدهش.

كان يبدو له الوقت قابلا للفرح، لحوار يمشي على قدمي راقصة الباليه وهي تدور حول نفسها قابضة على شيء هلامي تعرف اسمه في سرها.

هكذا هو الحب، لا يحتاج إلى أكثر من حوادث صغيرة ليبدو مهما أو ليكتشف المرء أنه لم يعد هو إن أضاعه.
وحده الحب يخرج متشفيا من عاشقين فاشلين.

هي:

تراود نفسها لتضعف كل لحظة أكثر. لم تفعل ما يستحق هذا الغضب، هو الذي كلما فكر أنه يحبها ازداد رغبة في السيطرة عليها حد الاختناق. هل الحب انغماس في الأنا بتضييق كهذا؟ ولماذا عليها أن تكون ما لا تريده، امرأة عادية، أو سهلة؟

كان الحب وما يزال يعني لها كل شيء، عصير برتقال ترتشفه بكامل بهجتها، وحوارا تعرف أنه سيفتح الطريق إلى روحها، ووردة تكفيها لتدسها في كتاب قلبها كل العمر.

لم تكن الذاكرة حاضرة إلا لتسجل تلك اللحظات البسيطة والحارة، إذ كانت تشعر أنها قادرة على الحديث بعينيها أكثر من ثرثرة قد يخرجها صوتها دون داع.

كان للصمت مذاقه الأبدي، تماما كما لصوت فيروز رونقه، منذ بداية تشكل خارطة قلبها على هذا الشعور الاستثنائي الذي جعله في عينيها أقرب الناس وكل الناس، فكيف يغضب منها بهذه السهولة، ويعاقبها بغيابه بهذه القسوة؟ وكيف ظلت تحمل جوالها طوال ثلاثة أيام في النهار والمساء والليل منتظرة رنة منه، ولو بالخطأ، لتردها له باليقين، فكل شيء له ردة فعل، حتى الغضب الافتراضي؟ قالها قلبها وهو ينظر إلى اللاشيء.

هذه المرة سوف تنتظر أن يبادر أولا، لتغفر له تلك الأيام التي ضاعت وهي تبحث عبثا عنه في رنة جوال.

= = = = =

(*): عبارة كررها "غوار"، الشخصية التي جسدها الفنان دريد لحام في مسلسل كوميدي سوري، وتعادل تبا للحب لأنه يذل.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3257402

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC