غانية الوناس - الجزائر

عائدة من صدمة

غانية الوناسلا شيء يشبه الحياة في مسيرها، ولا شيء يضاهيها، حين نقرر هكذا صدفةً أنْ نختصر كلّ العمر في لحظاتٍ تمرّ أمام ناظرنا، كشريطٍ لا نملك أن نوقفه، فيسحبنا نحو عالمه شيئاً فشيئاً، ولا يترك لنا الاختيار، لا بدّ أنّي كنت أشاهد حلماً، أو كابوساً، هكذا فجأة تلوّن كل شيء بالمرارة في نفسي، وذلك البياضُ الّذي كان يلوّنُ حوائط المستشفى صار سواداً قاتماً، صار ظلاماً مُوغِلاً في كل ما كان حولي، هكذا ردّْدتُ على نفسي مراراً، وأنا أحاولُ عبثاً الوقوف على قدمي، كأنّ بي شيئاً جاثماً عليهما، أحسستُ بثقل العالم كلّه عليهما، وبأنّ كلّ تلك العروق الّتي تنساق عبر الشّرايينِ تصلّبتْ فجأةً، فلم يعد بالإمكانِ حتّى تحريكهما.

حاولتُ، وحاولتُ لكنّ كلّ محاولاتي انتهت بالفشل، في لحظةٍ واحدةٍ، أحسستُ أنّي لأول مرّةٍ في حياتِي أواجه الفشل بهذه الصورة القاسية، لأوّل مرّةٍ في حياتِي أجدُ الفشل واقفاً أمامِي بصورة العجزِ، بينما أعجزُ أنا عن الوقوفِ، كنتُ أسأل نفْسي وأنا أنظر إلى قدميّ الثقيلتين، كيف كنتُ وكيف هكذا في لحظاتٍ أصبحتْ؟ لحظتها فقط انتبهت إلى ذلك الكرسيّ الّذي وضعوه بغرفتِي، كأنّه زائرٌ تائهٌ يُخفِي اضطرابهُ وخجلهُ، ويتوارى خلفَ أيّ شيءٍ كيْ لا ألحظهُ وألحظَ توتّره.

إنّه الكرسي الأتعس حظاً على وجهِ الأرض، فلم يكن على مرّ الزمنِ منذ صنّعُوهُ، منْ أحبّ هذا الكرسي أو حتّى تعاطف معه، الكلّ كان يلومه ويعْتبُ عليهِ، ويحمّله عجزه وفشله، وضعفه، وعصبيّته، ونوبات الجّنون الّتي قد تُصيبُ كلّ مستعمليه ولا شكّ. هم إذن كانوا يعلمون بذلك مسبقاً، همْ كانوا يُدركون الأمر منذُ البدايةِ، لقد جهّزوا كل شيء، كانوا يعلمون لكنّ أحداً لم يخبرني.

تركوني هنا مع وهمي، مع الوجع الّذي استقر في نفسي، تركونِي وحيدةً إلى جانب كرسيّ سيصبحُ هو بدل قدمي، سيصبح منذ تلك اللحظة رفيق وحدتِي، وصديق الأيام القادمة، لاَ أدري لما أحسستُ في تلك اللحظة بالشّفقة عليه وعلى نفسِي وعلى كل الراقدين هنا في هذهِ المستشفى الحزينة، أحسستُ بالانتماء إليه، كأنّي لم أعرف أهلاً أو أصدقاء، أو أحبّةً غيرهُ، صار بالنسبة إليّ كلّ شيء، وصرتُ أنا رقماً جديداً من بينِ كلّ الّذين مرّوا عليه.

تعال إليّ أيّها الكرسي الصديق، اقترب منّي، فلم نعد أنا وأنت غريبين منذ اليومْ، تعالْ إليّ، اقترب منّي ودعني أضمّ فيك وحْدتِي وعجزِي وانكسارِي، تعال فلمْ يضمّنِي أحدٌ منذ زمنٍ بعيد، حتّى ظننتُ نفْسِي أصبحتُ فارغةً من كلّ شعورْ، تعالْ إليّ، لعلّي سأحظى أخيراً بصديقٍ لن يملّ ثرثرتِي، وغبائي، وعصبيّتِي، ومزاجِي المتقلّب . أدري أنّك وحيدٌ مثلي، وأكادُ أجزمُ أنّك تشاركنِي شعوري هذا. هذا ما أحسّه فأجبْنِي، أم أنّك قد تعبتَ من خدمةِ العاجزينْ مثْلِي وتريدُ الآن أن تسْتريح ولو قليلاً.

العاجزونْ، نطقتها، ولا أدري كيف نطقتها، كيف تسّربت تلك الكلمة المؤلمةُ من بين شفاهي، كيف وجدتْ طريقها إلى لسانِي، كيف لم تختنقْ هناكَ في القلبِ قبل أن تصيبَ هذا الجسم الضّعيف برعشةِ الموتِ القاسية تلكْ؟ كيف أصبحتُ أنا الّتي كنتُ أمتلئُ بالحياة واحدةً منْ أولئك العاجزينْ؟ أنا الّتي كنتُ أهدي الحياة أكاليل الأمل والتفاؤل والإشراقْ، تسْحقُنِي تلك الحياةُ نفسها بهذه الطريقة المميتة.

اسكُتِي، توقفّي أرجوكِ، توقّفِي عن تذكيري بألمِي، توقّفي عن سردِ ذلك الوجع وتمحّيصه حتّى ينغرس في النّفس أكثرْ فيخزها أكثر فأكثرْ، توّقفِي فأنتِ تقتلينني أكثرْ، أعرف أننّي أصبحتُ منهم، لكنّي أحاول أن أعتاد على الأمر بعض الشيء، أحاولُ أن أواصل حياتِي ولو فوق كرسيّ متحرّك، أعرفُ أن الأمر مؤلمٌ وقاسٍ ومحبطٌ وكارثّي، ولكنّي لا أملك حلاًّ أبداً، ليس أمامي من طريقٍ أسلكه، ليس أمامي إلا المضيّ في هذه الدّربْ، توقّفِي يا علياءْ، توّقفِي أرجُوكِ فكلامكِ يقتُلنِي، يكسرنِي، يحطمّنِي أكثرْ.

أهٍ يا نفسِي المعذّبة! آهٍ يا علياء!، ماذا نفعل أنا وأنتِ الآنْ، وقد أصبحناَ بلا قدمينْ؟

استمّر نواحِي السرّي تلك اللّيلة بطولها، لم يتغير شيءٌ حتّى مع دخول تلك الممّرضة الّتي ما توّقفت عن تفّقدي كل لحظة، ولا حتّى حديث الطبيب إليّ، حتّى ذلك الأخصائي النفسي الّذي جلس إلي يحدّثني عن حالاتٍ استطاعت أن تتفوق على العجزْ، لم أكن بالواقع أسمع أحداً منهم، لم يكنُ صوتهم يصل إليّ، كنتُ في عالمٍ، وهم كانوا في عالمٍ آخر، ولم يكن لهذين العالمين أن يلتقيا و لو صّدفة.

حاولتُ جاهدةً أنْ أنامْ لأنسى قليلاً، لكنّ الكوابيس طاردتْنِي، كانت جميعها تذّكرنِي بعجزي. نظرتُ إلى سقف الغرفة التعيسة مثْلِي وإذا بها تُشاركنِي البكاء خلسةً، رُحتُ أفكر في حياتِي التي مضتْ، كيف كانتْ وكيفَ مرّت دون أن أنتبهَ إليها يوماً؟

استعدتُ أحلامِي البسيطة التي كانت تعْطي لحياتِي كلّ المعنى الجميلْ، مزرعةُ والدِي الّتي عملت على إحيائها بعد أن كانتْ شبيهةً بجثّةٍ على وشكِ الدّفن، تذكرتُ لوحاتِي الّتي كنت ألوّنها بالترابْ، وأزين بها كل ركن في البيتْ.

تذكرتُ أحلامْ الّتي غادرت دون أن تودّع أحداً، فتركتْ مكانها في قلوبنا فارغاً، لم يستطع أحدٌ بعدها أن يملأه أو يسدَّ تلك المسامات الّتي أحدثها غيابها الدائم، تذكرتُ جهاد الّذي ابتلعته أمواج بحرٍ كان يعدهُ بالكثيرِ، وحين ركب قدره وسار مجيباً نداء أحلامِ السّرابِ، خذلته الأحلامُ وخذله البحر، وصار طعاماً للحيتان، ذنبه الوحيدُ أنّه كان يحلمُ بوطنٍ لا يقصيهْ، فأقصّته الحياة نهائياً.

تذكرت خالد الّذي قتلوه لأنه كان دركيّاً، وذلك الزّي الأخضر الجميلُ في عقيدتهم الجديدة يعنِي أنه كافرْ، كفّروه، وقتلوه، وليتهم قتلوه برصاصةِ الرّحمةِ لكان الموتُ أرحم، اختاروا له موتاً قاسياً على مقاسِ قلوبهم المتحجّرةِ، فذبحوه كشاةٍ وألقوا بجثتّه على قارعة الطريقِ، ذبحوه وحوّلوا حياة خطيبته المسكينة إلى جدرانٍ أربع في مستشفى للّذين لم يعد بإمكانهم تقبّل صدمات الحياة، هو قُتل بوحشيّة البشرْ، وهي فجعتْ في فقدانه، فاختارت الهروب من واقع خالٍ من عطر خالد، إلى عالمٍ لا زال يخبرها فيه عبر رسائله العذبة، بأنه سيأخذ إجازته السّنوية، ليتزوجا أخيراً بعد انتظار دام سبعَ سنوات.

تذكرتُ جدّة إيمان الّتي ماتتْ وهي تهذِي باسم ابنها الوحيدِ، الّذي كان سجيناً ولم يسمحوا لها بزيارته، حتّى وهي مريضةٌ، كان حلمها أن تقبله قبل وفاتها، لكنّ الموت لم يمهلها وقتاً لتحقق أمنيتها الأخيرة، فماتت وهي تلثمُ صوره القديمة يائسةً.

تذّكرتُ عمّي الّذي سرقهُ منّا المرضُ، ونحنُ لم نكن بعد جاهزين لتوديعه، تذّكرتُ نظراته وهو يذبل كلّ يومٍ أكثر، تذّكرتُ أناقته في كلّ شيء، ابتسامته المميزة تلك، وصوته الجهوري وهو يتحدث بالفرنسية الأنيقة، تذكرتُ بيتهُ الّذي كان يعجُّ بالفرحْ، وحينَ ماتَ صار ملاذاً لغربانِ الحزنْ.

تذّكرتُ أولئك الأطفالِ الّذين يقتلون بذريعة الحروبْ، أولئك الّذين يموتون جوعاً كل يوم، تّذكرتُ كلّ المضطهدين والمظلومين، كلّ المكسورين، والمقهورينْ، تذّكرتُ الأوطان المسروقة والسّليبة، تذكرت الكراماتِ المهدورة في كل مكان، تذّكرتُ خيباتِ الإنسانية في زمنٍ لم يعدْ يمنحنا السّلام.

ماذا يساوِي إذنْ عجزِي أنا أمام آلامِ كلّ هؤلاءْ؟ ماذا يساوِي الآن ألمِي أمام أوجاعِ هؤلاءْ؟ لا شيء، لا شيءَ يا علياءْ، لا شيءْ أبداً، كنتُ أردّد هذا الكلامْ على نفسِي ودمعةٌ تسّربت على خدّي، لا أدري كيف ولا متّى تهادتْ بصمتٍ، بينما علا صوتُ المؤذّن مكبّراً باسم الله.

إنها صلاة الفجرْ، رفعتُ رأسي قليلاً إلى السقفِ مجددّا، نزعتُ الغطاء، "لا يمكنُ أن تفوتنِي الصّلاة"، هكذا خاطبتُ نفسِي، نزعتُ الغطاء، نزلتُ بهدوءٍ من السّرير، وقفتُ بحذرٍ شديدٍ على قدمي، تقدمتُ خطوة، خطوتينْ، ثلاثُ خطوّاتْ.

كان أمامي ذلك الكرسيّ مباشرةً، دفعته بيدي بعيداً باتجاه الباب، وباليد الأخرى عدتُ و قبضتُ على طرف السّريرْ قبل أن أفقد توازنِي، يا إله السّموات أنا واقفةٌ على قدمي من جديدْ، أنا لستُ عاجزةً، يا إلهي أنا لم أعدْ عاجزة.

نظرتُ مباشرةً باتجاه النافذة، كان الفجرُ على وشكِ البزوغ، وصوتُ المطر الّذي نزل فجأةً، كخيطٍ تهادى من السّماءْ، كأنّه كان يهطلُ هنا بداخلِي.

لا أدري إلى الآن إن كنتُ قد شاهدت حلماً أم أنّي فقطْ كنتُ أهذي. لم أشعر أبداً إلاّ وأنا جاثمةٌ على الأرض، ساجدةٌ لله، وبيدّي الّتي كانت تتشهّد كانتْ هناكَ سّبحةُ خالد وقد ابتلتْ بمطرِ الدّموع.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3256044

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC