مادونا عسكر - لبنان

المرأة والرّجل بين الصّداقة والحبّ

الصّداقة كلمة تحمل الكثير من المعاني، وقد يستخدمها البعض وهم لا يعون قيمتها العظيمة. وإن أردت تحديدها فهي تلك العلاقة الّتي تنشأ بين شخصين وتتدرّج مع الوقت إلى أن تستحقّ لقب الصّداقة. فالصّداقة استحقاق على المرء أن يسعى إليه بكلّ محبّة وصدق وإخلاص.

الصّداقة تفاعل روحيّ بامتياز وحوار عقلانيّ متّزن تُدخل الإنسان في علاقة متينة ووثيقة مع من يصبح مرآتك الحقيقيّة. فالصّديق هو من يدلّك على ذاتك، يبحث فيك عن جمالك الحقيقيّ ويصوّب لك هفواتك وأخطاءك، لأنّه يريد ما هو خير لك.

ليس الصّديق من يطلعك على أسراره أو من تسلّم له كلّ ما تحمله في قلبك بل هو أكثر من ذلك. هو ذاك القريب البعيد الّذي وبحضوره يشعرك بالأمان والثّقة. وإن واجهتك مشكلة أو صعوبة تثق، ودون أن تلجأ إليه، أنّه حاضر لتفهّمك والإصغاء إليك. وهو كالملاك الحارس لا يتوانَى عن رعايتك بصمت ومحبّة دون أن يفرض نفسه.

يتساءل البعض إذا ما كانت الصّداقة متاحة بين الرّجل والمرأة، وإذا ما كان بالإمكان أن تبقى على مستوى هذه العلاقة المتّزنة، أم انّها قد تتحوّل إلى حبّ مع مرور الوقت. وهنا يمكن الكلام عن حالتين من الصّداقة بين الرّجل والمرأة، الحالة الأولى الّتي تبقى على مستوى الصّداقة الحميمة والمتينة، والحالة الثّانية وهي الّتي تؤدي بهذه العلاقة إلى الحبّ.

رمز تداخل الليل والنهارذكرت أنّ الصداقة هي تفاعل روحيّ بامتياز وحوار عقلانيّ متّزن، وبالتّالي يترفّع الشّخصان عن الانزلاق في فخّ الغرائز والرّغبات، لأنّه -وضمن هذه العلاقة- لا يخاطب الرّحل المرأة كأنثى وإنّما كإنسانة، محترماً كلّ قدراتها العقليّة والعاطفيّة، والعكس صحيح. ويتطلّب هذا الأمر نضجاً عقليّاً وروحيّاً، كما يتطلّب محبّة صافية بين إنسان وآخر. وهذه هي الحالة الأولى الّتي لا تدخل في إطار الحبّ، وتبقى عند حدود العلاقة الرّوحيّة والعقلانيّة، وتخلو من كلّ ما ينتج عن الحبّ من غيرة وتملّك ورغبة في الآخر. ولكنّ المحبّة العميقة تنمو بين هذين الشّخصين وتدفع كلّاً منهما إلى بذل مجهود خاص في سبيل الحفاظ على الصّداقة. ولا يأتي هذا المجهود عمدا،ً وإنّما تبعثه المحبّة الصّافية بينهما، فيتقرّب كل واحد من صاحبه، ويختبران بعضهما إنسانيّاً.

أمّا الحالة الثّانية، فهي امتداد للأولى ولكن قد يولد بين هذين الشّخصين ودون أن يعلما، لأنّ الحبّ لا يُخطّطُ له، ولا ضرر في ذلك. ولكن ما يؤشّر إلى السّلبيّة في هذه الحالة هو فقدان شيء من الحرّيّة الفرديّة لكليهما، بمعنى أنّ الأولّ يريد أن يكون الثّاني له وحده والعكس صحيح. وقد يغضّ أحدهما أو كليهما النّظر عن هفوات الآخر خوفاً من خسارته كمحبوب. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الصّداقة قد تؤدّي إلى الحبّ، لكنّ الحبّ قلّما يتحوّل إلى صداقة وذلك لأنّ متطلّبات الحبّ مختلفة عن متطلّبات الصّداقة.

هناك خيط رفيع يفصل بين الصّداقة والحبّ، ويبقى على الصّديقين أن يحافظا عليه كي لا يخسرا صداقة في سبيل الحبّ. لعلّ هذا الاستنتاج للحالة الثّانية يحمل القليل من القسوة، وإن دلّ على شيء فيدلّ على التّمسك بالآخر كصديق مقرّب وحميم لا يقصيه الزّمان والمكان ولا تعذّبه الأشواق والحيرة.

وعلى الرّغم من أنّ الحبّ فعل عظيم إلّا أنّه قد يتبدّل مع الوقت ومع التّحوّلات الّتي يتعرّض لها الإنسان في حياته. ونلاحظ أنّ في علاقة الحبّ، وفي حال استمرّت أو لا، فقد تتبدّل المشاعر، كما أنّ الحبّ يمرّ بحالات عديدة وتختلف أوجهه من شخص إلى آخر. قد نحبّ شخصاً لأنّنا نشعر بفراغ عاطفيّ أو لأنّنا نبحث عن ذاتنا في الآخر. وقد يجتاحنا الحبّ كعاصفة هوجاء ما تلبث أن تهدأ بعد مرور الوقت، كما أنّنا قد نكتشف لاحقاً أنّ ما مررنا به من مشاعر وعواطف ورغبات ليست سوى مرحلة مؤقّتة عشنا فيها وهم الحبّ.

أمّا الصّداقة فهي ثابتة وإن تباعد الصّديقان بحكم جغرافيّة الزّمان والمكان، وذلك لأنّ حضور الصّديق ليس مرتبطاً بهما وإنّما بالتّفاعل الرّوحيّ والذّاكرة الوفيّة الّتي تتحرك ما أن نشعر بالحاجة إلى يدٍ تربّت على كتفنا لنطمئن.

ولا أنكر من خلال ما ورد أهمّيّة الحبّ في حياة الرّجل والمرأة، إلّا أنّنا إذا ما وضعناه في ميزان الإنسانيّة مع الصّداقة فسترجح كفّة الصّداقة لأنّها الأمتن مهما واجه الصّديقان من تبدّلات وتحوّلات.

وكي لا يفهم القارئ أنّني أستبعد الحبّ من الحياة الإنسانيّة بين الرّجل والمرأة، إلّا أنّني أرى أنّ مفهومنا للحبّ بعيد بعض الشّيء عن مفهوم الحبّ الحقيقيّ الّذي عرفه قلّة من النّاس، وذلك لأنّ مشاعرنا متقلّبة وغير ثابتة، ولأنّ الإنسان يمرّ بحالات عديدة يتوهّم من خلالها الحبّ. وقد يلتبس المعنى بين الحبّ والتّعلّق العاطفي والإعجاب الشّديد. فالحبّ الحقيقيّ هو الّذي يتخطّى الزّمان والمكان ويخلو من أيّ تملّك أو أنانيّة، وهو الحبّ من أجل الحبّ وليس لإشباع رغبة معيّنة على الصّعيد الرّوحيّ أو الجسديّ.


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 1385542

موقع صمم بنظام SPIP 3.0.16 + AHUNTSIC

Visits since 18 Sept. 2014::page counter