هيام فؤاد ضمرة - الأردن

غفلةُ النسيان

هيام ضمرةكانتْ مُفعمةً بالاهتمام، فيما تنهمكُ بحوارٍ مُشوِّق مع زميلاتِها حول مسألة التشبث بالمبدأ، على مائدةِ الغداء في مطعم الفندق ذي الخمسة نجوم، عقبَ انتهاءِ جلسات المرحلة الصباحية مِنْ أعمالِ المؤتمر، فيما الحوارات على المناضدِ الأخرى، تشكِّلُ بأصواتِ شاغليها رجالاً ونساء، هسيساً عالياً نوعاً، يشبهُ إلى حدٍ كبير جاروشة الحبوب، هو في العادةِ هذا حالُ المكان الذي يَجْمعُ جُموعاً مِنَّ البشر المناوحين للآراء المختلفة، ويشتدُ بهم وطيس النقاش. لكنها لاحظتْ عينين تتعمدا تركيزَ نظرهما نحوها، وما عادتْ قادرةً أنْ تغفلهما.

كان يَجلسُ بأناقة على المنضدةِ المقابلةَ لها، فيما يتناولُ وجبةَ الغداء مع أسرته. أثارتْ نظراتهُ حفيظتها، حاولتْ تجاهلها، إلا أنها لاحظتْ تبادُلهُ حديثاً قصيراً مع زوجهِ فيما يشير مِنْ طرفٍ خفي نحوها، فتدير المرأةُ وجهها متأملةً وتعاودُ اهتمامَها بطبقِها.

ثَمَة مواقف تجدُ نفسكَ أمامَها غير قادرٍ على اتخاذِ حُكم، فالمظاهر أمامَكَ لا تُبدي تفسيراً مُعيناً تتكئ عليه ذاكرتك، لأنَّ ذهنكَ يكونُ فيها في حالةِ تعطُّل، فيما الذاكرة تعلنُ لكَ فراغها، وفشلها في ربطِ الحدثِ بما يُفسرهُ ويُوضحُ صورتهُ.

حينَ تحركتْ نحو بوفيه الحَلويَّات، استحثَ هو الآخر نفسَهُ التحركَ في الوقتِ ذاتهِ نحوَ البوفيه، لاحظتْ محاولتهُ الحثيثة الاقترابَ منها، إلا أنَّ ثلاثا منَّ السيدات اقتحمن المسافة بينهما. التقتْ حينها بالدهشة نظراتهما؛ فابتسم باتساع، ووجدتْ نفسَها تُبَادِلهُ ابتسامةً مصطنعة، وتعودُ بطبقِها نحو منضدتِها مُجللةً بانتشاء الأنثى، ماراً هو الآخر بطبقهِ في محاذاتِها.

همَّ بتوجيهِ سؤالٍ إليها، لكنهُ توقفَ حينَ استدارتْ قبلَ أنْ تتبينَ مُحاولتهُ، فانسلَّ نحو منضدتهِ جَاراً في أعقابهِ حَرجَ المُحاولة، والدماءُ تتجمعُ في وجههِ تاركةً صبغةُ تُفشي حُمْرتها.

عادَ والتقى جَمعَهُما في المِصْعدِ الكهربائي، دونَ أنْ تتيقنَ أهي محاولة متقصدة أم مصادفة تستكمل غرابة المشهد، لكنَّ المصعد رغم انخراطهِ بالضيق وتقابلُ وجهيهما مُباشرة عن قرب، لم يزعجها الموقف بأيِّ حال، فوجودهُ مع زوجهِ وابنه المُراهق كفيلٌ بإعدامِ الهواجس ورحيلها للبعيد.

سألها قبل أنْ ينقرَ على مفاتيحِ الطوابق: "أيُّ طابق مِنْ فضلكِ؟"

قالتْ وعيناها على المفاتيحِ، فيما أناملها تتشبثُ بيدِ حقيبتها الأنيقة: "التسوية رقم واحد لو تسمح".

بفضولٍ غيرُ مُتوقع عاودَ السؤال ولغة جسمَهُ تندُّ عنْ الاستغراب: "لماذا هناك؟"

باستغرابٍ مُقابل أجابتْ: "حيثُ سنستكمل فعاليات المُؤتمر".

مُصِّراً على فضولهِ في التقصي، قال: "مؤتمرُ ماذا لو سمحتِ؟"

وعيناها تُطلقان شُعَاعَ الاستهجان، قالت: "مؤتمر الحوار الوطني حول بعض القوانين".

لم يكن بوسعِ الرجلُ التوسُّع في الحوار، فقد انفتحَ بابُ المَصعد عندَ الطابق الأرضي، فخرجَ في أعقاب خروج كامل أسرته بظهره ووجهَهُ باتجاهِها مُحيياً ومُعبراً عنْ شُكر الله للمقابلةِ الثانية. لم تُعِرْ العبارةَ اهتمامَها، واستمر بها المصعد بالهبوط نحو قاعة التسوية الأولى، مكملة جلسات المؤتمر.

لبتْ دعوةُ وزارة الخارجية لعشاء النُخب الوطنية في مناسبة وطنية بعد أيام ثلاثة، اشتمل الحفل على برنامج خطابي، ثم فقرة غنائية تُمثلُ تُراثاً وطنياً. تواجدَ العديد مِنْ رجالِ السياسة الرسميين والدبلوماسيين في صحبة زوجاتهم. اقتربَ منها السفير محمد وزوجُهُ مُحيين، هما أصدقاء لها ولأسرتِها. انضمَّ على الفور إليهما رجل وحيد تبينتْ فيهِ ذلكَ الرجل ذا العينين الفضوليتين، وأمام نظرة الذهول المتحفز التي حطت كالصقر المتربص على عينيها، ومتفشية على تعابير وجهها، تدخل السفير محمد قائلاً:

"لا أظنكِ نسيتِ سعادةَ السفير مؤمن الذي قابلتهِ في حفلِ سفارتِنا، وأثنى على منجزكِ الثقافي الذي استعارَهُ منْ مكتبتي. كانَ مبهورا بأسلوبكِ، وبالرؤى الناضجة التي اشتملتْ عليهِ مضامينُ الكِتاب، طلبَ مني عنوانكِ. كان راغباً في تقديم دعوةٌ إليكِ لزيارة بلده، وإلقاء محاضرات في جامعاتها هناك. لكن تعرفينَ داء النسيان وما يفعله بي".

فغرتْ فاها وغشاوةً مِنَّ الحياءِ تُمسِّدُ ملامحَ وجهها، رفعتْ كفها البضَّة على جبينها وقد انقشعتْ عنْ الذاكرةِ غيمةُ غفلتها، فتحتْ حقيبةُ يدِها وهي تُخرجُ بطاقةً شخصية فاخرة، تُقلِّبُ حَرجَ النظرِ بينها وبينَ وجهِ السفير. همستْ وحركة شفاها تفضحها: "تباً لها الذاكرة".

ظلَّ الحوارُ يَشدُّ مؤمن نحو تقصي المَعلومات عنها، فيما هي تتهرب من الخاص منها بذكاء، وما أنْ تحرك السفير محمد وزوجه للسلام على معارف دبلوماسيين لهما، حتى استفرد مؤمن بها وقال مرتدياً ثوب الجرأة والتحفز، كأنما لا يريد فقدان الفرصة:

"سيدتي، منذ لقائي الأول بكِ في حفلِ السفارة، وأنا واقعٌ تحتَ تأثير مَشاعرِ الجذب نحوكَ، إنَّ شخصيتكِ ليستْ مِنَّ النوع الذي يُغيِّبه السهو، ومعها جمالكِ، استأثرا على اهتمامي وأوقعاني بحبكِ. نعم اسمحي لي أنْ أقول بحبكِ، فلا تستغربي. وحين رأيتكِ في مطعم الفندق لم أصدقَ نفسي أنْ أراكِ ثانية، واستغربت أنكِ لم تعرفيني، وقد أبديتُ يومَها اهتماماً خاصاً بكِ".

أجابتْ بلطفٍ مشوبٍ بالحرج: "ذاكرتي كثيراً ما تسبب لي الحرج. كثرة المسؤوليات تُربكها، فعذراً سيدي".

قال على الفور: "هل تسمحين لي بشرفِ اقتحام مسؤولياتك؟"

صمتتْ أمامَ مُفاجأة العبارة، وهي تُعلِّقُ نظراتها في وجههِ.

أردفَ دونَ توقف مُلتقطاً يد الموقف، بعد أن تناول كوبيّ عصير مِن النادل وقدمَ إليها أحدهما: "إني أسألُكِ اللحظة، هل تقبلينَ الزواج بي؟"

ارتبكتْ للمفاجأة، وبصوتٍ مُرْتج، والدهشة تتصلبُ في مُقلتيها قالتْ: "إنما تلك المرأة، زوجَكَ وابنك منها".

قال بثقة: "عادا إلى الوطن في نفسِ اليوم الذي كنا نتغدى فيهِ في مطعم الفندق. رحلتْ ومعها ورقةَ طلاقها. افترقنا أصدقاء، الطلاق كان رغبتها، اتخذناهُ في أعقابِ حِوارٍ عاقل، وتفهَم ابننا النهاية، حيثُ كانت الحياةُ بيننا قد وصلتْ سداً منيعاً".

جمَّدَها صَقيعُ الخبر، فظلتْ على جُمودِها وصمتِها مصلوبةً على لوحِ المُفاجأة. شعرتْ بوخزِ التنميل في كفيها، راحتْ تفركهما ببعضِهما بإرباك، هي حالة تُقابلها حين تتعرضُ لأمرٍ مصيريّ تتردَدُ في إجابتِهِ. الحقيقة الدامغة أنَّ السفير لم يلفت نظرها أبدا في المرتين السابقتين، لكن الوضع الآن تغيَّر، عليها أنْ تُفكرَ بالفرصةِ المُتاحة، بلألأةِ بريقها، وقد باتتْ كلمة واحدة تُحدِدُ مصيرها.

لله كم تتغيرُ مواقفَ الإنسان، حين تُصبحُ الفُرَصُ قابَ قوسين أو أدنى، تتحولُ الرؤى لأعمقِ منَّ المألوف، لاتجاهات أخرى، قد تُؤدي لعكسِ ما هو سائد في الذهنية الذاتية. في أعقاب وفاة زوجها، اتخذتْ قرارَ التضحية لتربيةِ أبناءها، في حين الآن تأتيها فرصة ببريقٍ مُهيمن، فماذا تجيب؟

أوْصَالَها تكادُ ترتجف؛ تسري داخلَها نوابضَ الرَّفضْ، فليس لبريق المَنصِبْ حق في جعلِها تتخلى عنْ مبادئ لطالما نادتْ بها. مبدأ التضحية يشكل هدفاً في حياتها، وهو بيت القصيد. الحياة تتطلب أحياناً تقديم تضحيات ليأتي جني المحصول سليماً مبشراً بالخير.

فجأة طواها صمت، وعقلها يرحل للبعيد، لمستقبل الأبناء. التمع في عينيها وهجٌ كالنور.

وضعتْ بهدوء كوبَ العصير على منضدةٍ عالية قريبة، واستأذنتْ للمُغادرةِ دونَ أنْ تنظرَ بوجهِ مُحدِثها.

غادرتْ إلى حيث أطفالها ينتظرون عناقها بشوق.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3256044

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC