عدلي الهواري

كلمة العدد 74: عن الحداثة

كل عام وأنتم بخير بمناسبة شهر رمضان المبارك. أرجو للصائمين صياما مقبولا إن شاء الله.

عدلي الهواري
عدلي الهواري

ما الحداثة؟ وهل الانتقال من مجتمعات تقليدية إلى مجتمعات حديثة يعني فقدان الهوية الأصلية واكتساب هوية غربية؟

المجتمع التقليدي هو المجتمع السائد قبل ظهور ما يعرف الآن بالدولة-الأمة، وكان يعتمد على القبيلة التي تقدم الرعاية لأفرادها. كثير من المجتمعات انتقلت من حالة المجتمع التقليدي إلى حالة الدولة-الأمة، القائمة على بقعة جغرافية محددة، وشعب أكبر من قبيلة واحدة، وتربط أفراده قواسم مشتركة كاللغة. ويتوقف في الدولة اعتماد الفرد على قبيلته، وتصبح الدولة من يحدد له حقوقه وواجباته.

يعرف بيتر بيرغر الحداثة بأنها التحول الذي شهده العالم قبل قرون (ابتداء من السابع عشر) نتيجة الابتكارات التقنية التي بدأت في أوروبا، ثم انتقلت إلى بقية العالم، وكان لها تأثير كبير في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

ويرى دانكوارت رستو أن للحداثة ثلاثة أوجه: تقني، واجتماعي، وفكري. وتأثيرها يطول المجتمع والفرد. وقد اعتبر رستو وغيره السير على طريق الحداثة سيرا على طريق التحول إلى مجتمعات شبيهة بالغربية، ولكن في رأيي أن أصحاب وجهة النظر هذه مخطئون إذا نظرنا على مختلف التجارب في دول العالم النامي، وبينها الدول العربية والمسلمة، ففي هذه الدول لا يجد أفراد مجتمعاتها مشكلة في تقبل الجانب التقني من الحداثة، فعلى سبيل المثال، استبدلت الجمال والخيول بالسيارات كوسائل للتنقل.

وحتى في حال رفض بعض الابتكارات التقنية كالتلفزيون نجد أن الموقف منها يتغير بعد فترة، بدليل انتشار القنوات المتخصصة بالشؤون الدينية هذه الأيام.

وتأثير الحداثة يُلمس أيضا في تغير الموقف من بعض الأمور الاجتماعية، ففي الماضي كان تعليم المرأة نادرا، ولكنه شائع الآن، وبعد أن كان عملها يتم نتيجة حاجة ملحة (أرملة مثلا)، صار عمل الزوجين معا ضروريا للتمكن من تلبية متطلبات العيش، وأصبح عمل المرأة متزوجة أو غير متزوجة أمرا عاديا.

أما أصعب وأبطأ تغيير فهو التغير الفكري، مع أن الإنسان قد يظن أن تغيير الأفكار أمر سهل، ولكن الواقع يؤكد عكس ذلك، فالتغيير الفكري المقصود هو تصرف الإنسان وفق الأفكار التي يقول إنه مقتنع بها.

المجتمعات العربية والمسلمة اختارت من الحداثة بشكل انتقائي، فقبلت بعض الأمور، ولا تزال لا تتقبل أمورا أخرى. وهذا يقود إلى استنتاج أن رفض الحداثة بمجملها غير ممكن.

أما التحول إلى مجتمع حديث في جوانبه الثلاثة، التقنية والاجتماعية والفكرية، فحالة ليست لها نقطة نهاية، كما يرى راستو، الذي يقول أيضا إنه ليس بوسع أي مجتمع أن يقول إنه حديث كليا، وهذا الرأي صحيح، فحتى في المجتمعات التي تعتبر حديثة —كما في أوروبا والولايات المتحدة— توجد تيارات غير مواكبة للحداثة بشكل كامل.

ليس هناك ما يدعو إلى القلق عندما تسير المجتمعات الشرقية على درب الحداثة، مهما كان السير بطيئا، فبعض سمات المجتمعات التقليدية من تكافل وتضامن اجتماعي وإنساني سمات جديرة بأن تبقى. ولكن هناك ما يدعو إلى الكثير من القلق عندما يتم التركيز على الأخذ بالجانب التقني من الحداثة، والاحتفاظ بسمات المجتمع التقليدي الذي نعرف أن ليس كل سماته جديرة بالديمومة، من قبيل الخلافات بين القبائل أو الثأر.

المجتمعات العربية تمر الآن في مرحلة أوضاعها مجهولة النهاية، وأمامها فرصة لا تتكرر كثيرا لجعل التغيير المنشود تغييرا أشمل وأعمق. ويتحقق ذلك في رأيي بتبني المزيد من الجانب الفكري من الحداثة.

مع أطيب التحيات

عدلي الهواري


اسما المؤلفين المذكورين في الكلمة:

Peter Berger + Dankwart Rustow

Berger, P. L. 1977. Facing Up To Modernity: Excursions in Society, Politics, and Religion. New York: Basic Books.

Rustow, D. A. 1967. A World of Nations: Problems of Political Modernization. Washington, DC: Brookings Institution.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 2904189

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC