محمد محمود التميمي - الأردن

وشاخت الذكريات


محمد التميميما أصعب العودة لمرابع الصبا بعد طول غياب، وما أصعب أن ترى الطفولة وقد كبرت، والمراهقة وقد أتم الله عليها بنعمة العقل فهدأت، وابنة الجيران ذات الحب الافتراضي وقد أصبحت أماً لنصف دستة من الاطفال الذين لم يأخذوا منها سوى شقاوة الطفولة.

تتجمد الصور في عقولنا عند آخر مرة خرجنا فيها من بلادنا، وتبقى مدننا صوراً معلقة على الحائط، لا حياة فيها سوى من بعض الحكايات التي ننسجها من ذكرياتنا تارة ومن خيالنا عن المستقبل تارة أخرى. تمضي الايام في الغربة متشابهة حد الرتابة، يتخللها اكتشاف بعض شعيرات بيض تزداد يوماً بعد يوم تذكر بأن الأيام هنا تمضي وتمر.

يعود المرء لبلده التي تبدو كما هي، إلا من بعض بناياتٍ جديدة هنا أو هناك، ولكن من تبدل هم الناس، فأطفال الأمس هم شباب اليوم، و"عمو أحمد" صاحب الدكان أصبح "الحج أبو العبد" وذهبت عنده عادة التدقيق في مقدار المال المدفوع له والتأكد من المقدار المطلوب، ويكتفي اليوم بأخذ المال دون اكتراث، وحين سألته قال لي: "عند الله ما بضيع شي" وكأنما الله أخذ منه بعض بصره ليضيفه لبصيرته، أو أنه استشعر قرب أجله فأراد أن يزيد من حسابه الأخروي بعض الحسنات تفيده بعد التقاعد من الدنيا.

والحج عدو اللعب الأول، الذي أزهق أرواح عشرات كرات القدم وعجلات الدراجات الهوائية، أصبح يحمل لقب "المرحوم" وأصبح الشارع أمام منزله موحش لرحيله بعدما كان مثيراً بوجوده. والجدة الطيبة كذلك، ما عادت تملأ جيوبنا بأنواع الحلويات والمكسرات، رغم أنني عدت لمنزلها اليوم بجيوبٍ أوسع طمعاً في مكسراتٍ أكثر وعطف أكبر، فهي الأخرى توفيت وتركت من خلفها ذكريات حلوة كتلك التي كانت تملأ منها قلوبنا الصغيرة قبل جيوبنا الأصغر.

كبرت عمّان وكبر أهلها وزاد عددهم، كبرت عمّان وكبر حبي لها، كبرت ذكرياتي فيها وكذلك الأحلام. بعد وصولي لها بمدة بسيطة نظرت لها من مكان مشرف فتجلت لي بكامل زينتها وإنارتها وعماراتها التي اصبحت تعلو يوما بعد يوم، وما أن تجلت حتى وددت لو ألملمها من أطرافها وأضمها لصدري وأشتمها، أشتم كل ما فيها، شجرها وحجرها وناسها وعبق التاريخ فيها.

عمّان: شاخت فيك الذكريات ولكن حبك لا يزال فتياً.


مدينة عمان
D 25 آب (أغسطس) 2012     A محمد التميمي     C 18 تعليقات

9 مشاركة منتدى

  • محمد التميمي

    يقتلكَ الحنين أو تقتله؛ لا فرق..؟ في الحالين أنتَ القتيل..! هي يا صديقي رائحةُ الأرضِ على ثيابِ المسافرين، وألطفُ ما قيل على لسانِ الصمة القشيري:

    وليســــتْ عشياتُ الحمى برواجعٍ اليــــــكَ ولكن خلِّ عينيكَ تدمعا
    كأنّا خُلقنـــــا للنـــــوى وكأنَّــــما حـــرامٌ على الأيــــامِ أن نتجــــمعا

    هزمتني الغربة زمناً طويلاً يا صديقي.. أرجو لك الشجاعة والصبر، وأن تعود غانماً سالماً إلى أهلك وذويك وديارك؛ ولو ببعض الشعيرات البيضاء، ولكن بلا عكاز.. أحبك وأحترمك ويعجبني ما تكتب ولو اختلفت مشاربنا.


  • كعادته قلمك... يلمسنا بأفكارنا ونظراتنا وأشواقنا، ببلاغة الكلمات فيحيي فينا ذكريات اعتقدنا أن الدهر أكل عليها وشرب...

    ذكريات الماضي الملوّنة بالأبيض والأسود، لوّنها قلمك بألوان (الجومة) والسكاكر وبوظة الأسكيمو بألوانها الزاهية المختلفة... فللماضي طعم آخر، لا مثيل له، عشناه ببراءة الطفولة، بحلوها ومرّها...

    عمآن: حَنِيَتْ عليكِ ضلوعي من هواكِ.

    أكثر ما أعجبني: "رغم أنني عدت لمنزلها اليوم بجيوبٍ أوسع طمعاً في مكسراتٍ أكثر وعطف أكبر" مؤثرة جداً...

    سلمت يداكَ... وننتظر المزيد


  • حنين الذكريات وأيام الطفولة والمراهقة وصدى مرور الزمن تماما كاستعراض فني لصور فوتوغرافية متتالية وصياغة خلابة لنص يتدفق بالحنين والحزن الصامت والمشاهد الوصفية الحافلة بالمجاز والابداع ...


  • لا يبقى على حاله إلا هو سبحانه...
    أرى أننا نحن الذين نشيخ وليست الذكريات... فالذكرى تبقى حية نابضة في قلوبنا.. ولكننا نحن الذين نتغير ونشيخ وتذهب أيامنا أدراج الرياح.
    نص جميل لطيف مؤثر... يحيل الأشياء البسيطة إلى أعمال مهمة ذات قيمة عالية لا ندرك قيمتها إلا إذا زالت أو تقدم بنا العمر.
    شكراً أخي محمد على هذه المتعة المزجاة.


  • كلمات بسيطة تحاكي الحنين فينا إلى أيّام العذوبة والجمال. وأنا أقرأ هذه الكلمات المشبّعة بالمشاعر الجميلة تبادر إلى ذهني نصوص الأخوين الرّحباني وصوت فيروز الملائكيّ في وصفهم لبنان الحنين.

    أبدعت استاذي
    محبّتي واحترامي


    • الاستاذة مادونا

      اخجلتني عندما ناديتني بأستاذي محمد، فما أنا سوى طالب في بداية مشواره الكتابي.

      لفيروز طعم خاص هنا في عمان ووقع خاص في قلبي. بالمناسبة هناك نص لي تحت عنوان "شكرا" بدأته بمقطع لفيروز. وسأقول لك انتِ ايضا شكرا على التعليق الرقيق.

  • عندما يذكر الناس العودة إلى بلادهم ، يتبادر إلى الأذهان حرارة اللقاء بعد الغياب وحلاوة الإجتماع بالأهل والأحباب ، ولكن هذا يخفي مرارة قد لا يحس بها إلا من غاب لفترة طويلة . أشكرك على إبراز الجانب الآخر للرجوع ، فكم من "مرحوم" لم نكتفي بمجالسته وسماع حكاياته ، وكم من طفل لم نستطع رؤيته يخطو خطواته الأولى أو سماعه ينطق كلماته الأولى ، وكم من عزيز علينا فاتنا عرسه ، وغير ذلك الكثير .
    الذكريات القديمة التي بقيت قد شاخت ، ولكن الذكريات الجديدة لم تولد طوال تلك الفترة ، وتركت في القلب والعقل فجوات لن تزول .


  • لله درك يا ابا علي تتكلم بلساننا نحن المغتربين والذين ما زلنا نعاني المها وقسوتها شكرا لك فقد تكلمت بلسان حالنا فلامست شغاف قلوبنا فشكرا شكرا


  • الوطن أم و حب وحضن، وقد أبدعت حين كتبت:" وددت لو الملمها من اطرافها و اضمها لصدري و أشتَمها، اشتم كل ما فيها، شجرها و حجرها و ناسها و عبق التاريخ فيها"

    اذا كان حب الوطن و الحنين الى الذكريات في مراتع الطفولة فطرة، فان التعبير عنه مهارة وفصاحة. معاني عميقة و جميلة، ونص مكتض بالابداع.
    تقديري


  • نص جميل، وأنامل تعزف على أوتار الحنين والذكريات برشاقة وخفة.
    لا خوف من الشعرات البيضاء، مادام القلب شاباً، معطاء، محباً للحياة، فهناك من مات في الثلاثين، ودفن في التسعين!!
    شكرا لمشاركتنا مشاعرك دكتور محمد
    موفق بإذن الله


في العدد نفسه

عن مبدعة الغلاف

كلمة العدد 75: عن معايير حقوق الإنسان

العمارة وهوية المكان الجندرية في فلسطين

الوافـي: كتابُ تأريخ أدبيّ وتراجِـم ونقـد

آثار اللغة البونية في اللهجة الجزائرية