أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 7: 72-83 » العدد 76: 2012/10 » كلمة العدد 76: الإعلام: عندما تكون الحقيقة بين الضحايا

عدلي الهواري

كلمة العدد 76: الإعلام: عندما تكون الحقيقة بين الضحايا


عدلي الهواري ناشر مجلة عود الند الثقافيةحدثت في بريطانيا عام 1989 (15 نيسان/أبريل) كارثة إنسانية في ستاد هلزبرا لكرة القدم قبل بدء مباراة نصف النهائي بين فريقي لفربول ونوتنغهام فوريست. نتجت الكارثة عن اكتظاظ في مناطق مخصصة لمشاهدة المباراة محمية بسياج حديدي. أدى الاكتظاظ إلى انهيار السياج، ووقوع مشجعي نادي لفربول على بعضهم بعضا، ومقتل ستة وتسعين من المشجعين وإصابة بضع مئات منهم.

وبعد أربعة أيام فقط (19 نيسان/أبريل 1989) صدرت صحيفة الصن (The Sun) بعنوان على صفحتها الأولى يزعم أن الصحيفة تنشر "الحقيقة" المتعلقة بما حدث في ستاد هلزبرا. وما نشر في ذاك اليوم حمّل المسؤولية عما جرى للمشجعين، واتهم بعض المشجعين بنشل جيوب الضحايا والاعتداء على الشرطة والتبول على شرطي يقوم بعملية تنفس صناعي لأحد الضحايا. وقد شعر أهالي الضحايا والمشجعين بالغضب، وقاطعوا الصحيفة، وقاموا بحملة لمعرفة الحقيقة ورفع الظلم والتشوية الذي وقع على الضحايا والمشجعين.

وبعد أكثر من تحقيق، تم الشهر الماضي (أيلول/سبتمبر 2012) إعلان نتائج تحقيق آخر أكد أن مزاعم صحيفة الصن كانت أكاذيب، ولم يكن المشجعون مسؤولين عما جرى، بل تقع المسؤولية على أكثر من جهة، بما في ذلك الشرطة وخدمات الإسعاف. وصدرت اعتذارات من رئيس وزراء لم تقع الكارثة في عهده، ومن الشرطة المعنية، ورئيس تحرير الصن في ذلك الحين.

وهكذا مرت ثلاث وعشرون سنة للحصول على الحقيقة التي تنصف الضحايا والمشجعين، وتعيد للحقيقة اعتبارها، بدل أن تكون الأكاذيب متداولة على أنها حقيقة لأن هذه الصحيفة أو تلك الإذاعة، أو تلك القناة الإخبارية هي من نشرها أو أذاعها.

وهناك أيضا امر آخر جدير بالإشارة إليه، فأهالي ضحايا هلزبرا سيكون لديهم وسائل قانونية تجعل من الممكن تحديد المسؤول عن الكارثة، أفرادا وأجهزة، وما يترتب على ذلك من استقالات أو تعويضات، أو استخلاص الدروس حتى لا تتكرر المأساة وأسلوب التعامل المشين معها. وهذا ضروري لأنه ظلم مضاعف أن يتم التعامل مع الكارثة على أساس "عفا الله عما مضى".

كثير من الضحايا في عالمنا العربي يموتون فرادى وجماعات ولا يجد أهاليهم الوسيلة للدفاع عن سمعتهم عندما يجري تشويهها. وكثير من الضحايا تُعرف الحقيقة في شأن المسؤولية عن قتلهم، ولكن لا أحد يحاسب على ما فعل. واشهر الحالات في هذه الصدد مذبحة صبرا وشاتيلا عام 1982، التي مرت ذكراها السنوية الثلاثون الشهر الماضي، ولا يزال لم يحاسب أحد عليها، ولا يتم اعتبارها جريمة ضد الإنسانية كما تستحق.

إذا كان ضحايا هلزبرا والمشجعون عوملوا بطريقة ظالمة في دولة ديموقراطية، وإذا كانت صحيفة تتصرف بالطريقة المشينة هذه في بلد ديموقراطي لا يعاني من نقص في الحريات الشخصية والعامة، بما في ذلك حرية الصحافة، فلكم أن تتخيلوا ماذا يمكن لوسائل الإعلام بكل أنواعها، أن تفعل في دول غير ديموقراطية، وتفتقر إلى الحريات الأساسية. ولكم أن تتخيلوا ما يمكن أن تفعله في حالات حرب أو نزاعات داخلية.

من المؤسف أن نشر الأكاذيب صار ممكنا أكثر بعد تعدد القنوات التلفزيونية، ووجود وسائل أخرى مثل يوتيوب وفيسبوك، حيث تنشر في الأول فيديوهات مفبركة، وفي الثاني الأكاذيب بالكلمة أو الصورة، ولم يعد الإنسان قادرا على معرفة من قال هذا القول حقا، وهل صورة الضحية الفلانية صورة حقيقة، أم انتزعت من سياق مختلف، زمانا ومكانا، لكسب التأييد لهذه القضية أو تلك.

ولكن يظل الأمل في أن للحقيقة سمة العودة لتطفو على السطح رغم محاولات إغراقها وطمسها بالأكاذيب، حتى عندما تكون المحاولات بالاعتماد على مهنية زائفة تبرر نشر الأكاذيب من خلال تطبيق مقولة غير صحيحة، وهي "ناقل الكفر ليس بكافر"، والصحيح أن ناقل الكفر أسوأ من الكافر، مثلما أن تاجر المخدرات أسوا من متعاطيها فالثاني يضر نفسه، أما الأول فيضر أكبر عدد ممكن من الناس لترويج بضاعته. وبالنسبة لحقوق الضحايا، الأمل يكمن في الحكمة التي تقول ما ضاع حق وراءه مطالب.

مع أطيب التحيات

عدلي الهواري

D 25 أيلول (سبتمبر) 2012     A عدلي الهواري     C 6 تعليقات

6 مشاركة منتدى

  • مقال رائع في الصميم للمبدع الدكتور عدلي : لقد كفيت ووفيت كما يقولون بالعامية ، وضربت أمثلة معبرة متنوعة ، وآخر الفبركات المتلفزة ما نشاهده يومياعلى المحطات الفضائية المسيسة من أضاليل وأكاذيب لا تنطلي الا على السذج والبسطاء،واضيف القصة التالية للطرافة :لقد ادهش مخرج فيلم "فورست غامب " المشاهدين (قبل حوالي عقدين من الزمان ) عندما أظهر لقطة للرئيس الأمريكي الراحل كندي وهو يهنىء بطل الفيلم الساذج لفوزه في مباراة رياضية ، وكان ذلك المشهد نموذجا متقنا للتزييف الحاسوبي ، فالرئيس كندي توفي عندما كان بطل الفيلم طفلا يحبو !


  • الأستاذ عدلي

    إذا كان البريطانيون قد توصلوا إلى معرفة ما جرى في "ليڨرپول" بعد ثلاثة وعشرين عاماً..؟ فمتى يتوصل العالم والعرب إلى حقيقة ما يحدث في سوريا..؟ والكل يرمي قذائفه وينادي " ألله أكبر"..! ومن يعوض دماء الشهداء والقتلى والمصابين..؟ وإذا كان ما جرى في صبرا وشاتيلا ما زال ملتبساً..؟ فهل ما جرى في قانا بحاجة إلى دليل..؟


  • تحية طيبة استاذنا العزيز، ومقالكم يعيد الى الاذهان مزايا نشر وعي الـ"شفافية الاعلامية" وعدم الاعتماد على المصادر المجهولة في نقل الحدث وان يسال المراسل الصحفي ضميره قبل ان يهرع الى صحيفته، الاخطاء الغبية باتت باعثا لنشر الخلافات بل الحروب بين فئات المجتمع ودوله! وحتما تكون المطالبة بالحق هو السبيل الوحيد لاصحاب الضحايا ويبقى السؤال : هل يكفي مقاطعة تلك الصحيفة او ذلك المصدر الفضائي بان يكون مانعا ورادعا لعدم تكرار نشر الاكاذيب والتلافيق من اجل حفنة من الدولارات؟ شكرا لطرحكم ودمتم.


  • بعد 23 عاما كُشِفَت الحقيقة لانه في خلال هذه الاعوام لايوجد حدث يهزهم ولاعدد ضحايا كعدد هؤلاء الضحايا وبالتالي تفرغوا للاحصاء والتحليل و التعويض ..ومن قام بهذا جيل اساسا كان ذو عمر صغير وقت وقوع الضحايا.برأيي هذه ليست عدالة بقدر ماهي بحث في سجلات قديمة لتجميل الصورة الحالية لانه لايوجد مايجملها الان ويستقطب هذا التعاطف . اما عن الدول العربية فمعناه ان يتجند جيش كامل للتحليل و احصاء الضحايا وقبل ان يُعِد العدة لمعاقبة الجاني يكون قد هرب واحترقت السجلات واختفى اي اثر لاي مُدان .سويعات فقط بعدها ليبدا يوم آخر بكارثة اكبر تنسينا مجزرة الامس.


  • اقتطف الفقرة التالية البالغة الدلالة من مقالة الدكتور عدلي: "من المؤسف أن نشر الأكاذيب صار ممكنا أكثر بعد تعدد القنوات التلفزيونية، ووجود وسائل أخرى مثل يوتيوب وفيسبوك، حيث تنشر في الأول فيديوهات مفبركة، وفي الثاني الأكاذيب بالكلمة أو الصورة". لا ابالغ ان قلت أن سلاح الاعلام والتضليل يبدو فتاكا ومؤثرا ولا يمكن تجاهله اطلاقا، ونحن نرى ذلك جليا في ارهاصات ما يسمى الربيع العربي وطريقة الانحياز والاصطفاف لهذا الطرف او ذاك! ويصب في نفس السياق الفيلم المشوه للرسول والاسلام، فأين جهود فناني وسينمائيي العرب وأين تذهب أموال العرب والمسلمين الطائلة والمحتجزة في بنوك الغرب ومؤسساته العقارية ؟ والتي تسرع لانقاذ نادي رياضي او حديقة حيوان او نادي ليلي من الافلاس! سؤال للنقاش!


  • الإعلام تحول إلى صناعة أفلام، وإلا فمن يستطيع أن يجزم أن حدثاً مذاعاً على قناة فضائية هو حدث واقع؟ وما المانع أن يكون مشهداً من فيلم إخباري؟
    وسط ثورة المعلومات والاتصالات والقدرة الفائقة على التمثيل والمونتاج لا يستطيع أحد أن يفرق بين خبر حقيقي وخبر مفبرك. ودليل ذلك ما الفارق الجوهري بين جريمة قتل حقيقية وجريمة قتل في فيلم سينمائي؟ أظن أن مشهد القتل في الفيلم أكثر إقناعاً وتقبلاً!
    الفوضى الإخبارية وشبق القنوات في السبق الصحفي والإعلامي لكسب المشاهد أدى إلى تجاوزات أخلاقية ومهنية غير مسبوقة، فاختلط الحابل والنابل، والحق والباطل، والخيال والواقع، دون أن يحرك ضميراً هنا وهناك، فالمهم في النهاية الاستحواذ والكسب وتحقيق المصالح.
    قبل أيام رأيت مقطع فيديو عن موقعة الجمل في ميدان التحرير بعكس المشهور تماماً، حيث قلب المقطع الجاني إلى ضحية والضحية إلى جاني. والسؤال: أين تكمن الحقيقية؟؟
    الخلاصة أن المشكلة تكمن في أزمة القيم. فالقيم تتلاشى تحت سطوة رأس المال والكسب والمصالح.
    كل الشكر لأستاذنا الكبير د. عدلي الهواري على موضوعاته التي تحرك بعض الراكد.


في العدد نفسه

عن مبدع الغلاف

خزانة شهرزاد: مقتطف

مصطلح ومفهوم التبئير

إبراهيم طوقان وهموم التعليم

نزار قباني: نثره ومدى احترامه للمرأة

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  دمعة أمل

2.  ثرثرات أبي العدس

3.  في وداع محمود درويش

4.  صعد الجبل

5.  أعتقد جازما: لم والفعل المضارع


القائمة البريدية