هـــدى الــدهــان - العراق

دمـى خـشـبـيـة

"ماردي الطيب": كلّما همست له بهذه العبارة رسم لها ابتسامة الرضا، رسماً تعجز عنه ريشة فنان. كانت تُشَبِّهه بمارد مصباح علاء الدين الذي يلبي لها كل ما تريد، وأحياناً حتى قبل أن تريد. إنه يعلم وهو مغمض العينين ما ستكون عليه رفة عينها بعد قليل لكثرة العيون التي مرت أمامه. يستطيع الآن أن يعرف بم ستتحدث وبأي نبرة لكثرة ما سمع النساء.

لا يلومه أحد على عِشقِّهنّ، وربما هو الرجل الوحيد الذي لا يؤذي امرأة في حياته عمداً. وقد صَدقَت حين أخبرته بأنه مارد، فهو يخرج من مصباحهنّ، ويرتفع عاليا في الهواء، ويراهـن من علو بعيد. دُماه الصغيرات اللواتي يستمتع بتحريكهن على مسرح خشبة يومه: واحدة ترقص هنا، والأخرى تتمدد في هذا السرير بانتظاره، وتلك طفلة تلعب ويترك لها ما تشاء من حرية لتلهو وتلعب، لا يغضب منها ولا منها يتعب.

دوما يُتقِن رسم علامة نصف إعجاب على وجهه، حتى تستمر محاولاتهنّ لإكمال ذاك الهلال إلى بدر، ثم إلى تأوه طويل يدل على اكتفاءه.

تحاول إحداهُنّ وتحاول لتصل إلى رضاه التام، ولا يزال يمنحها نصف ابتسامة وبوعد بالعفو العام إن هي أبدعت في المرة القادمة. وطبعا لا مرة قادمة، فليس من مصلحته أبداً أن تتوقف أي امرأة عن نيل رضاه؛ وبالنهاية، هو لا يُرغم إحداهُنّ على عشرته. هن اللواتي يأتين تطوعاً، وبكل الطرق التي يضحك منها أحيانا، ويسأم منها أكثر الأوقات. طرق تظُن إحداهن إنها قد أحكمت خطتها لحفظ كرامتها، وأنه لن يعرف أنها ابتدعت ألف حكاية ووسيلة لتصل إليه.

يستمتع في سره، فكشفهن والتظاهر بتصديقهن ممتع أكثر. فتجاهل المرأة فن، اترك قبلة على خدها وإنسَ رقم هاتفها وستأتيك هي لان تلك القبلة كانت واحةً يتيمةً، وجسدها كله لا زال صحراء أمامه، فإذا كان لا يجيد الغوص في كثبانها الرملية، فسيهرب إلى ارض صلبة تسنده وتُخفي ترنحه بعد ليلة سكر.

وكما يلعب لاعب البوكر بأوراق اللعب، ويقسّمها، يقسم هذا المارد سويعاته الليلية بينهن. وحتى لا تبُاغته إحداهنّ بضربة مفاجئة، ويضطر لرفع الكارت الأحمر في وجهها، وهذا آخر ما يريده، يقوم بذكاء بتنحية إحداهُنّ لهذه الساعة؛ هذه الساعة فقط، والسبب جاهز: إنه غاضب ومستاء، لا كما يغضب الرجال حينما يريدون شيئا ولا يُلبى طلبهم، بل هو غاضب منها ولأجلها: نصحها فلم تنتصح؛ خاف عليها فاستهزأت بخوفه. في النهاية كله من أجلها، حتى تأتي طوعا فيما بعد وهي خجلة. وما أحلاهنّ عندما يَعتذِرن خجلاً ويجسدن قول الشاعر:

ظَلَمتَني ثم إِني جئت مُعتَذِراً — يَكفيكَ أَنِّيَ مَظلومٌ وَمُعتذِرُ (*)

هذه الساعة فقط ريثما يحاكي الأخرى، ويعطيها قسطها من الحنان الأبوي ربما، فكل الفتيات يفتقدن الأمان وشيئا من الحنان الرجولي على الأغلب، وكلّهن يُحببِن رجولة خطها الشيب؛ وفي لمسة النهد الكاعب، لذة الكأس البكر ونشوة العطر.

دمى خشبيةعنده لا باب موصد إلا عندما يكون خلفه. كل أبوابهنّ مفتوحة لعينيه وقلبه وجسده. لكل امرأة مفتاح: فتلك تعشق أن تكون أُماً فيكون لها الولد الصالح، ويخبرها بحاجته إلى حنانها. وتلك تفتقد اليد التي تربّت وتمسح الدمعة، فيكون لها اليد والشفتين والكتف الذي تنثر شعرها عليه ليتغزل به. وأخرى أرادت ألا تكون أنثى، فتشبهت بالرجال، بجبروتهم وسطوتهم، فكان لها ومعها مطيعا لأوامرها، مُنصاعاً لرغباتها حتى تجد فيه رجلها الذي لا يقول لها لا. هذه بالذات أتعبته قليلا، فأضطر إلى سياسة الكر والفر معها حتى تلين. مرة يتلهف، وأحيانا يُخبرها أنه يحبها ويتركها تكتشف (بالصدفة لا غير) أن هناك أخرى. يرسل لها زهرة حمراء وكلمات حب، وفي يوم ثانٍ، يكون وجهه موصدا كباب. هذا ذا هو دواؤها، الأهم أن تفقد هي صلابة اليد، وحين ترتخي يكون لصوت وقوع السيف من يدها رنين الفرح في عينيه.

هو الطبيب لفراغهن العاطفي والروحي. يملأ وحدتهن، فتفرح روحه وتسمو عن عالم متعب مليء بما يسلب نور نهاره، فيتقوى بضحكتهن وفرحهن، وحتى عبثهن عن جفاف صحراء اليوم الذي يعيشه. لكل أنثى مفتاحها وإن طال تمنعها عن الشرب من نبع ماءه، فسرعان ما ستتشقق شفاههن توقاً إليه ويأتين طائعات حاملات كؤوسهن.

هو لا يؤذي أحداً ولا يجبر أحدا على عشرته. هذا أفيونه. رجل لا يكره امرأة ولا يعشق أنثى، رجل يحب الحياة ويحب الاستمتاع بها، يحب أن يكون في حالة حب، لذة الحب وشغفه ولهفته وحرارة سريره. أما أسطورة الأبدية في الحب والولاء فتبقى أسطورة يتغنى بها لأي امرأة تعتاش على فرحة قراءة شعره.

"ماردي الطيب"، ضحك صوتها في أذنه.

"ماردي، بم سرحت؟"

"بنا، بلقائنا بعد كل هذا الغياب".

في الحقيقة نسي أي امرأة منهن هي، وأي عصا سيستعمل معها: الصغيرة كالمسواك أم الغليظة كرتّاج باب خشبي، فما هن إلا عبيدات رجولته؟ سيستدرك فورا فذاكرته حادة يقظة دوما.

"ماردي، الحاضر الغائب، سأكتب عنك، فلا تغضب".

"لا تُغضِبني أي امرأة، حبيبتي. لا مكان للهم في حياتي ولا للزعل. افرحي معي. الحياة قصيرة ولا تُتعبي رأسك الجميل الصغير بالتفكير فيما أكون وأقول، فأنا أحب يومي وافرح للحظتي وكلي لك، فخذيني: تمتعي وأمتعيني".

"نعم، تعال سنفرح معا. افتح لي راحة يدك فأنا أحبها، وأحب أن تكون أُولى خربشاتي بها قبل أن انسخها في ورقتي. امنحني صدرك الشاسع لأتكئ إليه حين اتعب، ولأهمس له ما اخجل أن أخطه حتى على الورق. تعال اقترب".

اقترب منها. أغمض عينيه. كثيرا ما يجد إنّ الصمت أبلغ من الكلام معهن، فالكلام كثيرا ما يستنزفه، ويتساءل لم يُضَيّعن الكثير من الوقت في الكلام والكتابة، في حين أن هناك الكثير ليفعلنه له بدل الثرثرة؟

نظرت إليه، تحسست خده بيديها: ليته يفهمني كما أفهمه.

تظاهر بإغماض عينيه: ليتها تفهمني كما أفهمها.

ترك لها نصف ابتسامه.

= = = = =

(*) من قصيدة للشاعر الأندلسي يوسف بن هارون الرمادي.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3251505

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC