إبراهيم قاسم يوسف - لبنان

أنهى المهمة بنجاح

غافلتْ أباها واستولتْ على مفاتيحِ سيارتِه، ولم يمضِ على شرائِها من الوكالةِ إلاّ بضعة شهورٍ لا تبلغُ العام. ثم اصطحبتْ معها صديقتَها، إمعاناً في الطيش واستكمالاً لمتعةِ "المشوار". قادتِ السيارةَ بلا رخصة؛ مزهوةً بنفسِها تتفرسُ من وراءِ المقودِ في وجوهِ المارة، في سيّارةٍ خمرِيَّةِ اللون حديثة العهد تثيرُ الحسد، وتأسرُ قلوبَ أترابِها من صبايا وشباب.

منطقة الروشة بيروتقامتِ الفتاة والصديقة إلى جانبِها، بنزهةٍ إزاءَ الشاطئ؛ الممتد نزولاً من صخرةِ الرَّوْشَة حتى المنارة فتمثال عبد الناصر (*) ذهاباً وإياباً، ثمّ دخلتا مقهىً "السلام"، فأكلتا شطائرَ "القطائف"، محشوةً بالجوز مُنَكَّهةً بماءِ الورد، وشربتا عصيرَ البرتقال، وتمتعتا بسماع الموسيقى الهادئة، ومنظر النوارس تحومُ فوق قواربِ الصيادين، في جلسةٍ رومنسية حالمة استغرقتْ بعض أرباع الساعة. لكنِّ الصديقة كانت مُربَكة في جلستها، تلحُّ على الفتاة بالعودة المبكرة لكي لا تكونَ شريكة لها في مغامرةٍ مجهولةِ النتائج مؤلمةِ المفاجآت، فتنأى بنفسِها عن اللوم والتقريع، إذا ما وقعتْ العاصفة أو هَبَّتِ الريح.

سدَّدَتا الحساب؛ وتركتا "بقشيشاً" يسيراً للنادل، والتقتا وهما تغادران بزميلة ثالثة تؤم المقهى، تتحكم الغيرةُ في العلاقةِ بينهن، ويتسابقنَ في الدراسة على مراتبِ الصفِّ الأولى، فتوقفتا معها وتحدَّثتا إليها لبعض الوقت، وكانت فرصةً مناسِبة تعرضُ فيها الفتاةُ خدمتها على الزميلة لكي توصلها إلى منزلِها، وهي تقلبُ بحركةٍ تمثيلية مصطنعة مفاتيحَ السيارة بين يديها. لكن الزميلة كانتْ برفقةِ أمِّها وقد سبقتْها إلى المقهى، ولا تجهلُ معنى الخدمة المعروضة وهذه الحركات المُغِيظة، فشكرتْهما وأكملتْ طريقها إلى الداخل مُعَكَّرَةَ المزاج من الصدفةِ السيئة.

حدثَ مع اختلافِ الأسباب؛ ما لم يغبْ عن الحسبان، حينَما أبصرتِ الصديقة وهما عائدتان، أن أحداً صدمَ السيارةَ وهي مركونة بعنايةٍ إلى جانبِ الرصيف، فسبَّبَ فيها ضرراً ملحوظاً في المعدن، والتواءً على بابها الخلفي الأيمن إزاءَ الطريق.

تولى القلقُ الفتاة؛ فحين ينكشفُ الأمرُ لأبيها ستقعُ الكارثة، ويُغْرقُ رأسَها في محاضرةٍ طويلة يتلوها على مسامعِها عن تهورِها، واستهانتِها بالقانون وسلامةِ الناس، والقيادة بلا رُخْصَة، وعنِ الضرر الذي ألحقتْه بسيارتِه الجديدة، وما يترتبُ على ذلك من كلفةٍ مالية عالية، وشركة التأمين لن تعترفَ بالضرر، ما دامتْ "سعادتُها" لا تملكُ رخصةً للقيادة، ولن يصدِّقها ولو أقسمتْ بدماءِ المظلومين الشهداء، بأنها ليستْ من صدمَ السيارة، وأنها لا تتحملُ أخطاءَ سواها، مهما قالتْ له فلن يصدقها. من يدري؛ ربما غضبَ منها وصفعَها وَبَكَتْ أيضاً. والصديقة الخائفة المربكة؛ حَفَّزَتْ عقلها للخروج من الورطة، فاستنفرتْ أخاها بإشارةٍ هاتفيَّة للمساعفةِ وإجراءِ ما يلزم.

هبَّ الفتى للنجدة فأتى على جناح الطّير. قادَ السيارةَ بسرعةِ الإسعاف فأوصلَ إلى الحي أختَه وصديقتها، التي أصيبتْ بالصدمةِ والذهول، فَخَرِسَتْ ولم تفتحْ فمَها خلالَ الطريق بكلمةٍ واحدة، وخانتْها شجاعتُها فعجزتْ عنِ القيادة مرةً أخرى، ثم نقلَ السيارةَ في ساعاتِ المساءِ الأولى إلى مرأبٍ مختص، وأقنعَ صاحبَ المرأبِ بعد مفاوضةٍ عسيرة وإغراءٍ بأجرٍ مرتفع، أن يتركَ مَحَلّه مفتوحاً خلالَ الليل، على أن يتولى عاملٌ في الورشةِ إصلاحَ السيَّارة لحسابِه الخاص. وصاحبُ المرأب أدركَ دقةَ الموقف، فابتزَّ الفتى إلى أقصى الحدود.

كانتِ الفتاةُ مربكةً، مشحونةَ النفس مستنفرةَ الخاطر يتولاها القلق، لا تعرفُ ماذا تفعلُ وكيف تتصرف، لكنّها آثرتِ الصمت، والوقتُ يُمْعِنُ في لؤمِه فيمضي بطيئاً يستهلكُ أعصابَها، خائفة أن يُفْتَضَحَ أمرُها إذا خطرَ للأب مثلاً أن يستخدمَ السيارة، وهو كادَ يستعملها، لولا عناية الله، في زيارةٍ مفاجئة منعتْه من الخروج. الداهية الأخيرة التي تخافُها ألاَّ ينتهي تصليحُها قبل صباح الغد.

سيارة لون بوردولم تأكلِ الفتاة ولم تنمِ ليلتها، والهواجسُ تتقاذفُها. أما الشاب فقد قضى الليلَ بطولِه يواكبُ العملَ في المرأب. ولكن حدثَ للأسف ما لم يكن مُتَوَقّعاً، حينما انقطعَ التيارُ الكهربائي عندَ منتصفِ الليل، بسببِ التقنين المفروضِ على المدينة، وتعثَّرَتْ عملية التصليح، فمؤسسةُ الكهرباء لن تعاودَ التغذيةَ بالتيار قبلَ السادسةِ صباحاً. هكذا تعرقلتِ الأمور وتوقفَ العمل.

لكنَّ الفتى قبلَ أن تفشلَ خطتَه، فيتركَ السيارةَ على حالِها ويعودَ خائباً إلى منزلِه، سرعانَ ما استنبطَ الحل في مولدٍ للكهرباء، يأتي به من منزلِه في أطراف المدينة، لاستئنافِ العمل. هكذا استعار دراجةً نارية يملكها عاملُ المرأب لإحضار المولد.

في المنزل كانتْ تنتظرُه عقبة أخرى، حينما لم يسلمْ من تأنيبِ أبيه، فتلقى سيلاً من اللومِ والتقريع والتهديد، على غيابِه حتى ساعةٍ متأخرةٍ من الليل، وعلى الفوضى المتمادية التي يعيشها على هواه. لكنّه نجحَ في نهايةِ الأمر، بعدما تدخلتْ أمُّه وأختُه في مساندتِه، وعادَ إلى المرأب والمولدُ معه، بينما الوقتُ الباقي على طلوع الفجر بدأ يتضاءل، ويشكلُ عاملاً حَرجاً للنجاح أو الفشل. كان المولدُ فارغاً من المحروقات، ما حدا به اللجوءَ إلى خزانِ السيارةِ لتموينِه بالوقود. هكذا ابتدأتِ الأمورُ من جديد تلاقي طريقَها إلى الحل، والفتى يشاركُ في العمل ويبذلُ ما في وسعِه لتذليلِ العقباتِ الطارئة.

في الصباح الباكر انتهتِ المَهَمَّة، وعادتِ السيارة بأبهى حلتِها، لكأنّها خرجتْ من الشركةِ الصانعة للتّو. كان الإعياءُ قد بلغَ من الشاب أقصى الحدود. لكنّه كان سعيداً وقد أنهى المهمةَ بنجاح، لم يترتبْ عليه سلبية واحدة كرمى لعينيّ الفتاة. دفعَ لعاملِ المرأبِ أضعافَ ما يستحق وأعادَ المولدَ إلى بيتِه، والسيارةَ ركنَها بأمانٍ في الموقفِ المخصصِ لها بجانبِ مسكنِ الفتاة. هَرَّبَ لها المفتاحَ، ثم انصرفَ مباشرةً إلى جامعتِه. هكذا نجحَ الصديقُ عبرَ تضحيةٍ كبيرة بوقتِه وراحتِه في التغطيةِ على فعلةِ الفتاة، فانتهى الأمرُ بسلام.

كان الأبُ يتحضّرُ لفتح بابِ السيارة وتشغيلِ المحرك، لينطلقَ إلى عملِه كعادتِه في كلِّ صباح، حينما تراءى له أن السيارةَ المتوقفة ليستْ سيارتُه. أصِيبَ بالحيرة، فالمفتاحُ لم يخطئ حين أدارَه في الباب، ورقمُ لوحةِ السيارة يشيرُ بل يؤكّدُ له أنَّها سيارتُه بعينها، ولونُها الـ "بوردو" الداكن يدحضُ الشك. لكنَّه لم يَقْتَنعْ، فسيارتُه صدَمَها ظهرَ الأمسِ على البابِ الخلفيِّ الأيمن، وهذه السيارةُ سليمةٌ من كلِّ عيب.

= = =

(*): من معالم مدينة بيروت.


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3421132

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC