السعيد بولعسل - الجزائر

عبد الله حمادي: التجربة النقدية

قراءة في التجربة النقدية للدكتور عبد الله حمادي

مقدمة:

السعيد بولعسلتتعدد التجارب النقدية وتتنوع أقلام النقاد في كل عصر وفي كل مصر لكن الشيء الذي يجمعها ويجمعهم أن الهدف واحد وهو إضاءة المناطق المعتمة بحثا عن مكامن الجمال داخل النص الأدبي، ولأن كل تجربة نقدية حالة قائمة بذاتها تستدعي الدراسة والتمحيص والتنقيب في دواخلها بحثا عما يميزها وعما قدمته من إضافة في صرح النقد العربي ولأن كل من خط حرفا فقد استَهدَف واستُهدِف، ارتأينا أن تكون تجربة الدكتور حمادي محل المعاينة والقراءة لسبب بسيط هو أن الدكتور حمادي قامة علمية ولاشك في ذلك، وقد تنوعت أعماله بين الشعر والدراسات النقدية والتاريخ وهو من المختصين في عالمنا العربي في الدراسات الإسبانوأمريكية تشهد عليه أعماله المختلفة على غرار:

اقترابات من شاعر الشيلي الأكبر بابلو نيرودا؛ غابريال غارسيا ماركيز رائد الواقعية السحرية؛ مدخل إلى الشعر الإسباني المعاصر؛ المورسكيون ومحاكم التفتيش في الأندلس؛ الشعر في مملكة غرناطة 1232–1492 (رسالة دكتوراه)؛ رمز الأندلس في الشعر الإسباني المعاصر والشعر العربي المعاصر (دراسة مقارنة)؛ الأندلس بين الحلم والحقيقة؛ حادثة اختطاف للروائي غابريال غارسيا ملركيز.

لقد اعتمدت في مقاربتي للتجربة النقدية للدكتور عبد الله حمادي على مجموعة من الكتب والتسجيلات الصوتية التي توفرت لي والتي رأيتها قادرة على إعطاء صورة بانو رامية لهذا الباحث منها الكتب التالية: الشعرية العربية بين الإتباع والابتداع؛ الأندلس بين الحلم والحقيقة؛ اقترابات من شاعر الشيلي الأكبر بابلو نيرودا؛ مساءلات في الفكر والأدب؛ سلطة النص في ديوان "البرزخ والسكين"؛ مجلة مخبر الترجمة في الأدب واللسانيات، العدد 3 جويلية/تموز 2006.

عبد الله حماديالتعريف بالناقد:

هو الدكتور عبد الله حمادي من مواليد 10 مارس 1947، قضى طفولته التي طبعها البؤس والفقر والاحتياج في إحدى القرى قرب الحدود الجزائرية بأرض تونس التي هاجرت إليها عائلته هربا من الحرب وهربا من النار التي أكلت الكوخ والذخيرة والحيوان كما صرح بذلك في حوار لجريدة النصر سنة 2000 (سلطة النص ص 28) في هذه القرية نطق أيضا بأول حرف في المدرسة وكان ذلك سنة 1954.

التحق بثانوية "الفرانكو-إسلامية" بقسنطينة في الستينات وتحديدا سنة 1962 والتي كان نصيب العربية فيها هزيلا جدا ليتخرج منها سنة 1968 ويلتحق بمهنة التعليم التي لم يداوم عليها ليعود ثانية إلى مدارج العلم وهذه المرة في جامعة قسنطينة في معهد الآداب من سنة 1969 إلى غاية سنة 1972 هذا المعهد الذي عرف في تلك الفترة وفود الكثير من أعلام الأدب المشارقة أمثال الدكتور عمر الدسوقي والدكتور علي عبد الواحد وافي والدكتور نبيه حجاب وغيرهم من النقاد والأدباء.

بعد إتمامه لمرحلة التدرج التحق بجامعة غرناطة بين سنتي 1972 و1976 أين حصل على شهادة الماجستير ثم في جامعة مدريد المكملة فيما بعد في مطلع سنة 1976 التي أعد بها رسالة دكتوراه في الأدب حول الشعر في مملكة غرناطة حيث ناقشها في 16 جوان 1980 أمام لجنة من كبار الأساتذة وبحضور متميز كان في طليعته الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي (سلطة النص ص 28).

بعد سنة 1980 التحق بجامعة قسنطينة أستاذا محاضرا في معهد اللغات الأجنبية وأستاذا زائرا بكلية الآداب بجامعة الأمير عبد القادر الإسلامية والمدرسة العلية للأساتذة وجامعة وهران. يعمل أستاذا للتعليم العالي لمادة الأدب بجامعة منتوري قسنطينة إلى غاية يوم الناس هذا.

تنوعت أعماله بين الشعر والترجمة والدراسات التاريخية والنقدية والدراسات الأندلسية والإسبانو-أمريكية، حيث نشر أكثر من 100 بحث في الجرائد والمجلات والدوريات العلمية وأكثر من 27 كتاب ما بين إبداع وترجمة ودراسات حاز على جائزة مؤسسة سعود البابطين للإبداع الشعري المخصصة لأفضل ديوان في الشعر العربي في دوره أكتوبر 2002 على ديوانه الشعري الموسوم بـ"البرزخ والسكين" (موسوعة ويكبيديا الإلكترونية).

روافد التجربة الأدبية والنقدية:

يمكن توزيع الروافد المعرفية لدى الدكتور عبد الله حمادي وفق رافدين معرفيين كبيرين كانا لهما الأثر الكبير في تكوين شخصية الشاعر والأكاديمي فيما بعد:

أولهما الرافد العربي: والمتمثل في نخبة الأساتذة المشارقة الأجلاء الوافدين ضمن البعثات العلمية التي عرفتها الجامعات الجزائرية مطلع السبعينات، منهم الأستاذ الدكتور عمر الدسوقي صاحب المؤلفات المشهورة في الأدب القديم والحديث والمسرح، وكذلك الأستاذ الدكتور علي عبد الواحد وافي المختص في المذاهب الإسلامية والديانات والفكر الفلسفي وكذلك الشاعر أنس داوود صاحب المؤلفات في الأدب المعاصر والفكر الأسطوري وتأثيره على الشعر، وكذلك الأستاذ الأديب الدكتور نبيه حجاب صاحب المؤلفات في البلاغة وظاهرة الشعوبية في الأدب. يقول الدكتور حمادي عن الدكتور عمر الدسوقي:

"كنت أمام أستاذ قدير، الذي لا شاردة ولا واردة في اللغة والأدب إلا وعنده بها خبر، فكان تطاوله المعرفي وذاكرته الأدبية الحبلى بمحفوظ الشعري القديم تجعلني أحسد الأقدار التي هيأت له مثل هذه الفيوضات الشعرية والأدبية، وكان احتفاؤه في كل مرة بترديد قدرة ذاكرته على حفظ عشرين ألف بيت من الشعر العربي بشرحها ومعانيها يزيدني إعجابا" (سلطة النص ص 22). "لقد سكنني ذلك الرجل وسكنته فرحت دون أن أشعر أقلد ذلك المسار المهيب وأحفظ من الشعر غير المقرر القصائد والقصائد، فحفظت خمسة ألاف بيت من الشعر في الطريق فقط جيئا وذهابا بين المنزل الواقع بواد الحد بقسنطينة والجامعة وحفظت المعلقات العشر عن ظهر قلب وشعر الصعاليك وغيره من الشعر إلى غاية العصر العباسي" (تسجيل صوتي بجامعة جيجل بتاريخ 18 ماي 2011).

وعن الدكتور علي عبد الواحد وافي يقول “لقد كان أستاذا عظيما، كان يدخل إلى المحاضرة ماسكا قلما يقلبه بين يديه وهو يحاضر باقتدار لا نضير له في المذاهب الإسلامية وفي فكر ابن خلدون والفلسفة الإسلامية. من هؤلاء الأساتذة تعلمت المحاضرة مشافهة" (تسجيل صوتي بجامعة جيجل بتاريخ 18 ماي 2011).

لقد كان لدور هؤلاء الأساتذة أو قل لهؤلاء القمم العلمية الأثر الكبير في تكوين الدكتور حمادي تكوينا تراثيا، يستقي من التراث العربي المعالم الأولى التي طبعت فيما بعد تقريبا جل كتاباته فهو “أديب مسكون بهاجس التراث حتى النخاع" كما يقول (سلطة النص ص 38).

ثانيا الرافد الإسباني: في سنة 1975 ينتقل الدكتور عبد الله حمادي إلى جامعة مدريد المركزية، وربما هي الصدف الجميلة أيضا أن تقيد له جملة من المفكرين والمستشرقين الكبار الذين سيدرسونه أمثال المستشرق والباحث الكبير إميليو غارسيا قوميز صاحب المؤلفات العديدة والمشرف على حلقة الاستشراق في جامعة كوبليتونسي "الملحقة لجامعة قلعة هناريس" والمشرف كذلك على مجلة "الأندلس" (الأندلس بين الحلم والحقيقة ص 8) ومترجم أزجال الشاعر.

أبو بكر بن قزمان إمام الزجّالين كما يقول ابن خلدون في المقدمة إلى اللغة القشتالية. والدكتور كارلوس بوسونيو أستاذ الأدب الإسباني واللاتينو أمريكي الحديث بجامعة مدريد و صاحب المؤلفات الأدبية على غرار "نظرية العبارة الشعرية" و"اللاعقلانية الشفهية في الشعر الحديث" و"شعر فسنث ألكسندري"، فكان الدكتور حمادي متتلمذا على يد هذين العلمين الكبيرين، أضف إلى ذلك تمكنه من اللغة الإسبانية واطلاعه على جملة النظريات والمناهج النقدية الحديثة في تلك الفترة في مضانها أو في الكتب المترجمة إلى اللغة الإسبانية. من هذا المعين استقى الدكتور حمادي ثقافته العلمية والتي تجلت في مجموعة الأعمال الرائعة التي أضافت للمكتبة الجزائرية إضافة لا يستهان بها.

محطات التجربة النقدية

كما أن الصورة على حسب رؤية فلاسفة الغيشطالت مجموعة من الصور الجزئية التي تتآلف مع بعضها البعض لتؤلف في النهاية الصورة الكلية القابلة للإدراك، كذلك التجربة اليانعة في حقيقتها تجارب صغيرة من هنا وهناك تتضافر لتشكل محور التجربة الكبرى. والتجربة النقدية عند الدكتور عبد الله حمادي يمكن قراءتها كذلك وفق محورين أو قل إن شئت محطتين هما المحطة الإسبانية والمتمثلة في الدراسات والكتب التي كتبت هناك في إسبانيا أو التي كتبت فيما بعد تحت تأثير الإرث الأدبي الإسباني وأخص بالذكر كتاب "اقترابات من شاعر الشيلي الأكبر بابلو نيرودا"؛ وكتاب "غابريال غارسيا ماركيز رائد الواقعية السحري"؛ و" الشعر في مملكة غرناطة (1232-1492)"؛ و"عشر قصائد للشاعر الإسباني فسينتي ألكسندري؛ "و"أنطونيو مانشادو شاعر إسبانيا"؛ و"روما خطر على المشاة" للشاعر الإسباني رفائيل ألبيرتي؛ وغيرها من الكتب والدراسات. والمحطة الأخرى التي جاءت على أعتاب هذه المرحلة أي مابعد سنة 1980 والمتمثلة في كتب أمثال "مساءلات في الفكر والأدب" و" الشعرية العربية بين الإتباع والابتداع" و" أصوات من الأدب الجزائري الحديث" وغيرها من الكتب.

قراءة في كتاب " اقترابات من شاعر الشيلي الأكبر بابلو نيرودا":

في البدء قبل الخوض في جزئيات هذا الكتاب أريد أن أشير إلى نقطة أراها مهمة ذكرها الدكتور يوسف وغليسي في كاتبه النقد الجزائري المعاصر لأختصر الكلام في المنهج المتبع بأن "دراسات الدكتور عبد الله حمادي كثيرا ما تنأى عن النقد الأدبي وتقترب من التأريخ وتاريخ الأدب" (ص32) وهذه حقيقة لا يمكن تجاهلها كم أنها لا تعد نقيصة لأن طبيعة المادة العلمية أو طبيعة الموضوع المدروس يفرض في أحيان كثيرة نوعية المنهج وقد تجلى ذلك في هذا الكتاب منذ البداية وإن كان الدكتور حمادي لم يصرح بالمنهج الذي اتبعه في هذه الدراسة التي تتناول حياة شاعر الشيلي حيث يقول “لا أريد أن شرح كيف تناولت هذا الموضوع، فقد كان حضوره علي مفروضا، لذا تجدني في سائر صفحاته مساقا بالمطاوعة والاستسلام " (اقترابات ص 8)، رغم هذا فإن المنهج المتبع لم يبتعد كثيرا عما أرساه سانت بيف (1804-1869) والذي بنى منهجه النقدي على أسس تتمثل في دراسة الشاعر انطلاقا من جوانب مختلفة، من حيث عائلته، ووضعه الاجتماعي والتاريخي، وثقافته، وآرائه وفلسفته.

بدأ الفصل الأول للكتاب بالتأريخ لحياة الشاعر ونشأته بلغة أقرب إلى الإبداع الشعري منها إلى لغة النقد، لغة قشيبة جميلة تستلهم روحها من ديوان الشاعر نفسه "أشعار القبطان" حيث يقول الدكتور حمادي "فنيرودا عاهد نفسه أن يخوض غمار الحرب وتنوشه السهام من كل جانب ويطرح جسده للفقراء وليمة تقّوم أودهم المنهار ويركب جواد البحر جوابا من مطلع الشمس إلى مغربها كي يقطف ثمار الخلود ويصلي في معبد الغفران ويلثم الشفق الملتهب ويسقط في زرقة السماء اللانهائية ويعب من الريح الزفوف الهواجس" (اقترابات ص12) و يقول كذلك "فهذا الملاح في شراع الخلود والفلاح المخرج من باطن ثمار الخبز، عاهد صوته الطروب وقيثارة الشرود أنها سوف تخلد أنغامه ولو حطم الرمس أوتاره" (اقترابات ص12) فعلى مدار 28 صفحة تناولت حياة الشاعر بدءا من الميلاد إلى الصبا فالشباب فالأفول عبر محطات، تتخلل كل محطة مقاطع شعرية مترجمة إلى العربية تؤرخ لتلك الفترة، بكل الأحداث التي عرفتها الشيلي حينا وإسبانيا حينا أخر كانتفاضة عمال المناجم النحاسية وحركات الطلاب والفنانين (اقترابات ص 20 ). كما يؤرخ تقريبا لكل الشخصيات المهمة التي عرفها نيرودا (غارسيا لوركا، غابريال ميسترال صاحبة جائزة نوبل لعام 1945، ميغيل هيرنونداث، أنطونيو ماتشادو، مانويل ماتشادو، خوان رامون خمينيث، ليون فليبي، خرخي غيان، داموس ألونسو، لويس ثرنودا) أي ما يعرف بجيل 1898 (اقترابات ص 24).

في الفصل الثاني وتحت عنوان “أوراق الخلود" في إشارة إلى أشعار بابلو نيرودا يعرض الدكتور حمادي بطريقة كرونولوجية تحيل دائما إلى المنهج التاريخي والبيوغرافي جل أعمال الشاعر، بدءا بدوان "شفقيات" 1923 وديوان "جندي المقلاع المتحمس" وديوان "عشرون قصيدة حب وأغنية بائسة" ثم ديوان "محاولة الأنسان اللانهائي" سنة 1926 فديوان "مسكن في الأرض "، وهكذا (اقترابات ص 42-44) وهو في أثناء ذلك يعقد مجموعة من المقارنات بين شعر نيرودا وأشعار كل من والت وتمان، وفيرلان، وشيلي، وكيتس وطاغور، مشيرا من خلال ذلك إلى مختلف المذاهب الأدبية التي اعتنقها الشاعر بدءا بالمذهب الانطباعي فالرومانسي فالسوريالي وأخيرا الواقعي بعد سنة 1954 حيث يقول "فالشيء الذي أدخله جديدا هو الموضوعات التي التقطها من الطرقات وأبرزها في شكل جديد من النظم لم يسبق إليه تقريبا" (اقترابات ص 46).

يتتبع الدكتور حمادي أعمال نيرودا (دواوين ومسرحيات) مؤرخا لكل سنة نشر فيها العمل مع ربطه بالجذور المستوحاة منه، فمسرحية (بريق موت خواكين موريتا) مثلا نشأت من "فكرة قصيدة ثم طالت حتى أخذت شكل المسرحية ... وبأنه استوحاها من دراما للكاتب الياباني (نوه)" (اقترابات ص47)، كما يشير إلى تأثير الألماني برلوت بريخت في كتابات نيرودا.

ومن أجل منح الشعر طاقات تعبيرية كبيرة يشير الباحث إلى أن بابلو نيرودا كان يعمد إلى إبداع واستحداث كلمات جديدة على شاكلة "استراباغريو" و"النيكسو نيدثيو" (اقترابات ص 48) والتي تعد كلمات مجهولة في اللغة الإسبانية وإن كانت لها إيحاءات دلالية قوية وإشارات سميولوجية سواءً تصدرها لعناوين الدواوين أو بين ثنايا القصائد.

الفصل الثالث هو محاولة للإجابة عن مجموعة من الأسئلة التي تحاول أن تضع مفهوما للشعر انطلاقا من مفهوم الشاعر ذاته ومن اعترافاته قبل "الذهاب والإياب والتجوال المتأني في إنتاجه الغزير" (اقترابات ص 53) فنيرودا يصر على أن الشعر حرفة في مقال عنوانه "الشعر حرفة" لأنه يتشكل عند الجهد والمعاناة كما تتشكل أنية الخزف أو قطعة الخبز (اقترابات ص 53) وهي ليست بالنظرة الجديدة إذا ما رجعنا إلى تراثنا العربي عند أبي هلال العسكري في الصناعتين

مسألة أخرى موضوع هذا الفصل هي قضية الغموض في الشعر والتي سيتطرق إليها لاحقا الدكتور حمادي في كتابه "الشعرية العربية بين الإتباع والابتداع"، هذا الغموض الذي يفسح المجال للتأويل أو بالأحرى يحيل إلى عالم موازي يشكل فيه القارئ عالمه على إيقاع خلفية الظلال التي تلقي بها الكلمات الشعرية والشاعرية، حيث يطيل الدكتور حمادي في بحث هذه الجزئية وكأنه يحاول أن يبرر المسوغ من استعمال الشاعر للغموض في الشعر.
ومن خلال هذه الدراسة دائماً يفتح الدكتور حمادي مجموعة من الأقواس محاولا التنظير لبعض القضايا النقدية على غرار ظاهرة اللغة والأسلوب حيث يقول "ويجرنا هذا إلى الحديث قليلا عن ظاهرتي اللغة والأسلوب في الأدب المعاصر" (اقترابات ص 61) حيث لم يعد الشاعر يبحث عن الكلمات الصاخبة ولا على تنميق الأسلوب بالزخارف البيانية وإنما إيجاد ما يسمى بالانفعال أو المتعة التي يثيرها الشعر لدى المتلقي على حد تعبير ت. س. إليوت ومهما اختلفت طريقة التعبير (انطباعية، أو رومانسية، أو سوريالية، أو واقعية) كما أن انعدام الرابط الموضوعي لا يلغي الرابط التأثيري أو الانفعالي وهذا هو المهم، "والأسلوب هو الرجل لم يعد لها محل في النقد الحديث بل خلفها الجو العام للقصيدة بما فيه وعليه من رواسب إبداع" (اقترابات ص 62).

أما ما يتعلق بموقف الشاعر من الأصالة والالتزام أو بالأحرى موقف بابلو نيرودا منهما حيث يرفضهما ويعدهما من مبتدعات العصريين (الموديرنيستاس) (اقترابات ص 65)، وهذا الموقف في حقيقته مزيج من السوريالية ومذهب الفن للفن، وكلام كهذا يمكن قراءته في حينه مقرونا بتأثير التيار السوريالي متمثلا في بودلار، ومالارميه ورامبو، ووتمان.

في الفصل الرابع وفي محاولة لوضع النقاط على الحروف يعود الباحث عبد الله حمادي إلى الفصل في قضية الغموض في الشعر الحديث متخذا أمثلة من النموذجين الفرنسي والإسباني على غرار ما فعل الدكتور عز الدين إسماعيل في قضية الغموض في الشعر العربي الحديث، راسما الحدود بين المنطقي واللامنطقي، وبين المعقول واللامعقول محاولا حصر القضية في كيفية التلقي والصبر والتأني في محاولة الفهم، وأن الظواهر التي يتناولها الفن بصورة عامة تعبر عن حقائق رآها الشاعر أو الرسام وليس مجرد عبث بالكلمات أو الألوان (اقترابات ص 77).

فمشكلة الصور الشعرية كانت دائما من منظور حمادي تنبثق من المقارنة بين طرفي التشبيه (أ) و(ب) حيث (أ) = (ب) في المفهوم القديم للشعر، ليتغير طرفا المعادلة بعد أن يصيب كلا الطرفين بعض التطور، هذا التطور تجلى في الشعر الحديث عامة وأشعار السورياليين خاصة، الشيء الذي انعكس في جل أعمال الشعراء الإسبان في تلك الفترة (في العشرينات) أمثال (لوركا، رامون خمينيث، نيرودا، داريو) الذين عرفوا باسم "شعراء الموضة الجديدة" أو "الطليعة" والذين حملوا شعار "اخلق ولا تنقل" (اقترابات ص 82)

الفصل الخامس عبارة عن مجموعة من القصائد المترجمة إلى العربية من ديوانين هما ديوان "شفقيات" وديوان "عشرون قصيدة حب وأغنية بائسة".

وخلاصة القول نجملها في نقطة واحدة هي أن الكتاب يحاول أن يجيب على مجموعة من التساؤلات: أولا، ما هي مكونات الخطاب الشعري عند بابلو نيرودا؟ وقانيا، ما هي الروافد والمؤثرات التي ساهمت في بلورة رؤية شعرية وسمت شعر نيرودا بالغرائبية والسوريالية حينا والواقعية التي تتماهى في معاناة الأخر في أحيان أخرى؟ وثالثا، إلى أي تيار أدبي ينتمي بابلو نيرودا حقيقة؟ ورابعا، ما هي أصول ومنطلقات الطليعة التي شكل شعر نيرودا إحدى حلقاتها؟

وكخلاصة أيضا أعتقد أن المنهج التاريخي كان موفقا في دراسة المتن الشعري لبابلو نيرودا، فربط الشاعر بالظروف التاريخية المحيطة بالتجربة الشعرية كان كفيلا بإماطة اللثام عن تلك المسحة الغرائبية التي طبعت شعره والتي تعتبر امتداد طبيعي لتيار السوريالية الوافد من فرنسا في تلك الفترة.


موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3430898

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC