فراس حج محمد - فلسطين

من هو الكاتب الكبير؟

فراس حج محمدألاحظ في كثير مما يكتب في الصحف اليومية من مقالات ومتابعات ثقافية وقصائد أو قصص أو ما شاكلها من مُحَبِّرات الصفحات اليومية، أنها لا ترقى إلى مستوى الكتابة المتوسطة، فيثير إعجابي كيف يكون هؤلاء الكتاب أصحاب أعمدة وزوايا في صحف كبرى معروفة بسمعتها شرقا وغربا، وقد طبقت الأفاق؟

لعل هؤلاء الكتاب، وقد أضحوا قامات سامقة ومعروفين غدوا مرتاحي البال، فظنوا أن كل ما يسيل على شفاههم هو الصراح والماء القراح، فلم يتعبوا أنفسهم بالتجويد والأخذ على يد القلم ليتمهل ويتقن عباراته، ولم يشدّوا عنان الكلمات، فصار أحدهم كحاطب ليل، لا يدري أهو يقول الحق، أم أنه يلم فيما يسطر ما يثلم أساسيات المهنة، ويدخل الكاتب في دائرة الشك المقيت، ويكون ذلك دافعا لأن ينفض الناس من حول هؤلاء، فقد استخفوا بالقراء استخفافا ينم عن عدم احترام وتقدير لعقولهم.

لم أكن أول من تحدث عن هذه الظاهرة، فقد أشار مرة محمود درويش بصفته رئيس تحرير مجلة الكرمل إلى اعتراض بعض الأدباء والمثقفين، لنشر بعض النصوص الرديئة في المجلة، فأجاب درويش بأننا ننشر لهؤلاء الكتاب لأسمائهم وشهرتهم، وقد علق مرة الناقد الفلسطيني عادل الأسطة في بعض مقالاته في جريدة الأيام الفلسطينية على هذه الظاهرة عند أحد الكتاب، واصفا ما يكتبه ذلك الكاتب لكثرته ورداءته بالإسهال! صحيح أن الكلمة قاسية، ولكنها تنم عن وعي نقدي جارح وصحيح حتى النخاع.

وتأسيسا على ما قاله أستاذنا الأسطة فإنني وجدت - وأنا أتابع كثيراً مما ينشر في الصحف والمجلات، والتي تصل إلى فلسطين المحتلة، وأحرص على اقتناء نسخ من كل مطبوعة جديدة- فإنني وجدتُ أن العديد من الكتاب يعاني من الإسهال الحادّ، فالمهم عند الكاتب هو أن يرى له مقالا في هذه الصحيفة أو تلك المجلة، وليس المهم أن يكون المقال متماسكا ومعبرا عن شخصية مهنية وثقافية رصينة، أو أن المقالة تناقش فكرة تستحق المناقشة.

ولعل أمر المقالة أهون شرا من النص الإبداعي، سواء أكان قصيدة أم قصة قصيرة، فقد يُغفر لكاتب المقالة بعض الهفوات، على اعتبار أنه لا يكتب مقالة علمية محكمة، بل مقالة صحفية، فمعايير الجودة فيها أقل من المقالة النقدية الرصينة، أما القصيدة والقصة القصيرة، وما تفرع عنهما، فلا يصح أن يُتغاضى عن الرداءة فيهما، فهي تمثل أعمالا إبداعية، تشفّ عن روح الكاتب، وتصدر عن موهبته الخلاقة، فلا يقبل أن تكون تلك الأعمال الإبداعية مصوغة من وراء قلبه، لمجرد أنه يريد متابعة سوق النشر، فهذه جريمة في حق الإبداع أولا، وحق القارئ وحق الأجيال القادمة ثانيا، فالقارئ هو الذي سيصطدم يوميا مع ما يُلفظ، والأجيال القادمة هي التي سترث ميراثا يعاني من العلل، نسأل الله ألا تكون معدية، فيتسرب شيء منها إلى كتابات تلكم الأجيال ولغتها ومنطق تفكيرها، فيأتي أحدهم ويقول: إنني تتلمذت على يدي الكبار من الكتاب، ويأخذ يستعرض أعمالا مشوهة لأسماء نفخها الورم الدعائي المصاب بالعمى، وبذلك تكون تلك النصوص قد ساهمت بتردي الذوق، بدلا من أن تنمي الرهافة والإحساس بالجمال، أليست هذه مصيبة بحق المستقبل أيها القارئ الكريم، وما يزيد البلوى اتقادا لجوء بعض الكتاب الصحفيين أو الشعراء والقاصين بجمع تلك المصفوفات اللغوية في كتب، فتقاوم الفناء لوقت أطول من مجرد ركونها في زاوية ما من الصحيفة والمجلة؛ فيعظم الخطر، ويشتدُّ عوده.

والآن فلنحاول الإجابة عن السؤال الذي وضعناه عنوانا لهذا المقال: من هو الكاتب الكبير؟

لقد اختلف النقاد في كل أدب وفي كل ملة في تصنيف المبدعين إلى كبير وصغير، وهذه قضية نقدية شائكة ومعقدة، وليس في المسألة حسم ألبتة، لا قديما ولا حديثا، ولكن مع وجود الاختلاف الكبير فقد التقى حديث النقاد على اختلاف مشاربهم وميولهم النقدية، حول جملة من الأسس التي يجب أن تتوافر فيمن يحق له أن يفاخر بأنه صاحب قلم، ولعل أول تلك الأسس هو امتلاك الكاتب لأصول صنعته، إن شاعرا، أو قاصا، أو كاتب مقالات، إلى غير ذلك، وهذا شرط لازم لا بد عنه.

ويجب أن يلتقي مع ذلك الشرط شرط الصياغة اللغوية المشرقة التي تشعرك وأنت تقرأ بها كأنها لغة جديدة نضحت من عالم البلاغة، واكتست الرواء والماء والنضارة، على ما قال الجاحظ يوما، وهذه البلاغة يجب أن تكون مسبوكة ومصوغة بقوالب لفظية وتراكيب لغوية سلسة وتنساب من بين الشفاه، فتروي عطش الروح إلى جمال التعبير والتصوير، فتشرب نخبها الأحاسيس والمشاعر، كما تتغذى عليها العقول والأفهام، فتشرق العبارات بالصحة اللغوية، وتنعم بالبلاغة غير المتصنعة، وتشمخ بالعرامة الثقافية، فلا تتحسر على وقت ضاع منك سدى وأنت تقرأ!

وأما الشرط الثالث للكتابة التي تشبع وتقنع، فإنها الموضوع، وشرط التعبير عن الموضوع أن يكون مهضوما في عقل الكاتب ووجدانه، وأن لا يتصنع في الحديث عنه، وأن لا يكره اليراع في تسطير ظلال لا تشفّ ولا تصف، وإنما تمغمغ وتدلس، فتتوارد فيه الأفكار، ويرتبط بعضها برقاب بعض، وكل جملة في العمل الأدبي في مكانها داعمة للفكرة، وتزيدها إيضاحا وتعبيرا، وأن يكون الموضوع وجيها في أفكاره، ويستند إلى مبرر وجوده بحضوره المتفرد في تلك المقالة، أو تلك القصيدة أو القصة القصيرة.

عندما تحقق الكتابة شروطها السابقة فقل عن كاتبها إنه كاتب كبير، لا تأخذك في هذا الحكم لومة كاتب، مهما كان الكاتب صغير السن، أو مجهول الألقاب، مجردا عن الصفات، فالعبرة بما يقال، وليس العبرة للشخص، فلا كبير أمام المنطق والنقد إلا من هو كبير فعلا، فاجعل النص حكما، لا ما أحاطه الإعلام من هالات حول ذلك الشخص، وصنع منه صنما تقرأ تراتيله وتردد أوهامه، وهو يظن أنه يحسن أدبا، فلا كاتبٌ كبيرٌ إلا إذا كان النص كبيرا ومحققا شروط الكتابة التي هي وحدها من تجعل الكاتب كبيرا فعلا.

Languagesxx>en GoogleCE
ألاحظ في كثير مما يكتب في الصحف اليومية من مقالات ومتابعات ثقافية وقصائد أو قصص أو ما شاكلها من مُحَبِّرات الصفحات اليومية، أنها لا ترقى إلى مستوى الكتابة المتوسطة، فيثير إعجابي كيف يكون هؤلاء الكتاب أصحاب أعمدة وزوايا في صحف كبرى معروفة بسمعتها شرقا وغربا، وقد طبقت الأفاق؟ لعل هؤلاء الكتاب، وقد أضحوا قامات سامقة ومعروفين غدوا مرتاحي البال، فظنوا أن كل ما يسيل على شفاههم هو الصراح والماء القراح، فلم يتعبوا أنفسهم بالتجويد والأخذ على يد القلم ليتمهل ويتقن عباراته، ولم يشدّوا عنان الكلمات، فصار أحدهم كحاطب ليل، لا يدري أهو يقول الحق، أم أنه يلم فيما يسطر ما يثلم أساسيات المهنة، ويدخل الكاتب في دائرة الشك المقيت، ويكون ذلك دافعا لأن ينفض الناس من حول هؤلاء، فقد استخفوا بالقراء استخفافا ينم عن عدم احترام وتقدير لعقولهم. لم أكن أول من تحدث عن هذه الظاهرة، فقد أشار مرة محمود درويش بصفته رئيس تحرير مجلة الكرمل إلى اعتراض بعض الأدباء والمثقفين، لنشر بعض النصوص الرديئة في المجلة، فأجاب درويش بأننا ننشر لهؤلاء الكتاب لأسمائهم وشهرتهم، وقد علق مرة الناقد الفلسطيني عادل الأسطة في بعض مقالاته في جريدة الأيام الفلسطينية على هذه الظاهرة عند أحد الكتاب، واصفا ما يكتبه ذلك الكاتب لكثرته ورداءته بالإسهال! صحيح أن الكلمة قاسية، ولكنها تنم عن وعي نقدي جارح وصحيح حتى النخاع. وتأسيسا على ما قاله أستاذنا الأسطة فإنني وجدت - وأنا أتابع كثيراً مما ينشر في الصحف والمجلات، والتي تصل إلى فلسطين المحتلة، وأحرص على اقتناء نسخ من كل مطبوعة جديدة- فإنني وجدتُ أن العديد من الكتاب يعاني من الإسهال الحادّ، فالمهم عند الكاتب هو أن يرى له مقالا في هذه الصحيفة أو تلك المجلة، وليس المهم أن يكون المقال متماسكا ومعبرا عن شخصية مهنية وثقافية رصينة، أو أن المقالة تناقش فكرة تستحق المناقشة. ولعل أمر المقالة أهون شرا من النص الإبداعي، سواء أكان قصيدة أم قصة قصيرة، فقد يُغفر لكاتب المقالة بعض الهفوات، على اعتبار أنه لا يكتب مقالة علمية محكمة، بل مقالة صحفية، فمعايير الجودة فيها أقل من المقالة النقدية الرصينة، أما القصيدة والقصة القصيرة، وما تفرع عنهما، فلا يصح أن يُتغاضى عن الرداءة فيهما، فهي تمثل أعمالا إبداعية، تشفّ عن روح الكاتب، وتصدر عن موهبته الخلاقة، فلا يقبل أن تكون تلك الأعمال الإبداعية مصوغة من وراء قلبه، لمجرد أنه يريد متابعة سوق النشر، فهذه جريمة في حق الإبداع أولا، وحق القارئ وحق الأجيال القادمة ثانيا، فالقارئ هو الذي سيصطدم يوميا مع ما يُلفظ، والأجيال القادمة هي التي سترث ميراثا يعاني من العلل، نسأل الله ألا تكون معدية، فيتسرب شيء منها إلى كتابات تلكم الأجيال ولغتها ومنطق تفكيرها، فيأتي أحدهم ويقول: إنني تتلمذت على يدي الكبار من الكتاب، ويأخذ يستعرض أعمالا مشوهة لأسماء نفخها الورم الدعائي المصاب بالعمى، وبذلك تكون تلك النصوص قد ساهمت بتردي الذوق، بدلا من أن تنمي الرهافة والإحساس بالجمال، أليست هذه مصيبة بحق المستقبل أيها القارئ الكريم، وما يزيد البلوى اتقادا ل

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3224407

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC