عدلي الهواري

كلمة العدد 78: غزة: الضحية تقلب معادلة الصدمة والترويع

عدلي الهواري ناشر مجلة عود الند الثقافيةتعرض مفهوم المقاومة إلى سخرية شديدة منذ اندلاع الانتفاضات في العالم العربي في أواخر عام 2010. جزء من السخرية محق لأن الحديث عن المقاومة كان في كثير من الأحيان كلام حق يراد به باطل. رد فعل المقاومة على العدوان الإسرائيلي على غزة أعاد الاعتبار والمصداقية لمفهوم المقاومة، لأن الرد لم يكن كلاما خطابيا، ولا وعيدا باختيار الزمان والمكان المناسبين للرد. وأكد الرد أن المقاومة الفعلية تؤدي إلى التفاف جماهيري، وترفع المعنويات، وتحرك المؤيدين للقضية الفلسطينية في مختلف أنحاء العالم.

مقاومة الشعب الخاضع للاحتلال حق مكفول دينيا وقانونيا وإنسانيا. ولكن إسرائيل وأنصارها من الدول، خاصة الغربية التي لم تغادرها الروح الاستعمارية والحس الإمبراطوري، تحاول أن تقنع الشعب الفلسطيني خاصة، والشعوب العربية عامة، بأن إسرائيل حالة استثنائية لا تجوز مقاومتها، ولها الحق في أن تحتل وتضم وتصادر وتدمر وتقتل وتشرد وتنفي وتحاصر كما يناسبها.

عندما غزا الاتحاد السوفييتي أفغانستان عام 1978، بادرت الدول الغربية وغيرها إلى دعم المقاومة الأفغانية، التي تغنى بها حتى الرئيس الأميركي، رونالد ريغان، فقد أشاد بأعضاء وفد أفغاني زار واشنطن بقوله إنهم مقاتلون من أجل الحرية. وعندما تغير غازي أفغانستان عام 2001، تغير الحديث أيضا عن حق الشعب الأفغاني في المقاومة.

وعلاوة على أن أحد المبادئ التي تستند إليها الأمم المتحدة هو عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، فإن القانون الدولي لا يجيز العقوبات الجماعية ذات الأثر على حقوق الإنسان. وهذا الأمر ليس رأيي أو تفسيري للقانون الدولي، بل رأي شرحه بالتفصيل القاضي البلجيكي، مارك بوسويت (Marc Bossuyt)، أثناء فترة فرض العقوبات الاقتصادية على العراق في تسعينيات القرن الماضي، وكان ذلك في ورقة قدمها في عام 2000 لاجتماع للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة(1).

قطاع غزة يتعرض منذ سنوات لعقاب جماعي من خلال حصار بري وبحري وجوي، وشارك في هذا الحصار الإسرائيلي نظام حسني مبارك، الذي أقام جدارا على الجانب المصري الفلسطيني من الحدود، وروج في مصر لكذبة أن أهل غزة سيخرجون من القطاع ويستوطنون في سيناء (ظهرت الكذبة مجددا أثناء العدوان). ولكن أهل غزة المحاصرين هدموا الجدار. وهذا الحدث يجب ألا ينساه من يبحث عن علامات بشرت بانتفاضات الشعوب العربية على الاستبداد.

في عام 1998، جاء إلى العراق مبعوث من الأمم المتحدة اسمـه هـانـز فـون سبونيـك (Hans von Sponeck). وصرح بعد وصوله إلى بغداد بأنه لم يأت لإدارة العقوبات على العراق. وبـعـد فترة ليس طويلة اكتشف أن دوره في العراق هو إدارة الحصار، فقدم استقالته، وحذا بذلك حذو دينس هاليداي (Denis Halliday) الذي استقال لسبب مماثل.

إسرائيل تدير حصار قطاع غزة منذ سنوات كما يدار السجن، فكل ما يدخل القطاع أو يخرج منه، بما في ذلك الطعام والشراب والوقود معروف. ومن لؤم إدارة هذا الحصار أنه محسوب على أساس السعرات الحرارية التي يحتاجها الإنسان لتلافي حالة التضور جوعا. ولا تكتفي إسرائيل بالحصار طبعا، بل تقصف ما تريد وتقتل من تريد في القطاع.

لم تتعلم إسرائيل من التاريخ أن كل محاولتها المعتمدة على الإبهار، والصدمة والترويع، محاولات فاشلة منذ بدء المشروع الاستيطاني في فلسطين، ومرورا بكل المحاولات الأخرى التي تشمل حربي 1948 و1967، والمجازر، واغتيال القادة، واحتلال جنوب لبنان، وغزو بيروت، وقصف المفاعل النووي العراقي، وتهريب اليهود الفلاشا، وتدمير مصنع للسلاح في السودان. كل هذه الأمثلة وغيرها لم تنجح في توجيه ضربة قاصمة ونهائية للمقاومة كفكرة وممارسة، ولم تنجح في إقناع الفلسطينيين والعرب بأن إسرائيل دولة سوبرمانية لا جدوى من مقاومتها.

هذا الفشل تجلى بشكل فاضح لإسرائيل في العدوان على غزة في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2012، فالشعب المحاصر منذ سنوات، الذي لم يلتقط بعد أنفاسه من عدوان 2008/2009، يحتضن مقاومة ردت دون تردد، ووجهت الصواريخ إلى القدس وتل أبيب، فانقلبت معادلة الصدمة والترويع.

أقول كل ما سبق دون أن يغيب عن البال أن غزة وأهلها يدفعون ثمنا غاليا، أو أن رد فعل المقاومة سيؤدي إلى رفع الحصار غدا، أو إلى تحرير فلسطين بعد غد. ولكن تحليل الأمور بهدوء وموضوعية يقود إلى استنتاج حدوث تغيير نوعي في الصراع العربي الإسرائيلي. والفضل في تحقيق هذا التغير يعود للمقاومة، فكرة وممارسة.

ولا أتحدث عن المقاومة بقدسية أو رومانسية، فهي تمر في حالات مد وجزر، وفي بعض الحالات، تنحرف حركات المقاومة عن مبادئها، أو تخطئ فتسيء إلى الشعب إما بالمساومة على حقوقه، أو بإساءة معاملته. لذا، ومع أن إنجاز المقاومة في غزة لا يستهان به، إلا أنه يجب ألا ينسي أحدا مرحلة ما بعد المعركة، وأنّ غاية المقاومة أنْ يعيش الإنسان بحرية وكرامة.

مع أطيب التحيات

عدلي الهواري


(1) الورقة لا تزال متوفرة على الوصلة التالية:

http://www.unhchr.ch/Huridocda/Huridoca.nsf/0/c56876817262a5b2c125695e0050656e/$FILE/G0014092.pdf

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3254967

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC