عبد الكريم عليان - فلسطين

ابيجرامات الشاعر عثمان حسين

إبيجرامات الشاعر عثمان حسين ذاتية المحّنة وطنية الهوى

عبد الكريم عليانعثمان حسين شاعر من غزة، بدأ الشعر في منتصف ثمانينات القرن الماضي، ونشر باكورة أعماله بالشراكة مع الشاعر خالد جمعة في العام 1992 بعنوان: "رفح، أبجدية، مسافة وذاكرة"، لينفرد بعد عام في ديوانه: "البحار يعتذر عن الغرق" الذي صدر في القدس عام 2003، تلاه ديوان "من سيقطع رأس البحر" صدر من غزة في العام 1996، وكذلك ديوان "له أنت" صدر من رام الله في العام 2000 ، ومن ثم ديوان "الأشياء متروكة في الزرقة" القاهرة 2004، والديوان الذي بين يدينا بعنوان: "كأني أدحرج المجرات" 2010 في القاهرة(1)، فيكون قد ولدت قصائده زمن الانقلاب والتشظي السياسي والاجتماعي والاقتصادي في بيئة الشاعر.

كما أن شاعرنا من رعيل الشعراء الأوائل في غزة الذين اقتحموا قصيدة النثر، ومن ثم شعر الحداثة الغامض والمبهم، أو قل أبعد من ذلك إلى ما بعد الحداثة؛ فجاءت قصائده في سياق التجاوز والرفض من أجل التجديد والاستكشاف، وهي انعكاس أو رد فعل لما حصل في المجتمع من ثغرات اجتماعية وسياسية وفكرية، كما راكمت لدى الشاعر هواجس الثورة على القديم بتجاوزه ورفضه؛ فذهب في شعره إلى التجريب، أو كما يقول محمد برادة: "الشعر الحديث يتبوأ موقع الريادة والاستكشاف واللهث وراء الحالات القصوى في تجريب اللغة والتشكيل وتركيب النص"(2)، كما سنلاحظ ذلك في معظم قصائد الديوان.

لعل (أركاديا) المخيم الذي ترعرع فيه، كان الملهم الأول لشاعرنا، حيث الصمت والفراغ، شكلا الهاجس الأول الذي دفع به إلى الانسحاب من الواقع، أو من عالم الوعي ليحلق عاليا؛ فيلتقط موسيقى النجوم، ويعتق نفسه من عالمها المحسوس، فهو يستنبط ما وراء الحس من المحسوس، ويبرز المضمر عنده بإهماله للعالم الحقيقي؛ فصوره لا تصبح رمزا إلا حين تصفو، أو تحاول أن تصفو من كل أثر مادي فينزع إلى التجريد في ديوانه "كأني أدحرج المجرات"، ليستنبت من ذاته رموزا خلقها هو بعيدا عن الرموز الأسطورية، والتقليدية، فظهر شعره أكثر غموضا وإبهاما. يقول أدونيس: " يبدو أن أكثر الشعر الرمزي غموضا وإبهاما هو ما كانت رموزه رموزا ذاتية يخلقها الشاعر نفسه، فمثل هذه الرموز غير المصطلح عليها، والتي لا يعرفها إلا الشاعر نفسه هي مما يغطي الشعر بهذا الضباب الكثيف الذي يصعب اختراقه للوصول إلى دلالاته"(3).

إن شاعرنا عثمان حسين كما نعرفه هادئ الطباع، دائم التفكير، دائم الصمت، يكتنز في داخله هموما كثيرة. قصائده تحمل رموزا لهواجسه؛ فيكَهِّف فيها شخصيته؛ وهو لا يقدّم مجرد ترجمة مصورة لأحلامه بقدر ما هي وسيلة للوصول إلى محتويات اللاشعور المكبوتة، لتخرج العناصر حسبما يتراءى له بالصور الأقرب إلى الوعي. إنه عمل سريالي، أو صوفي الشطح، يتميز بالتعبير عن "الأنا" السرية اللاشعورية؛ فهي المعين والنبع الذي خرجت منه قصائد ذات بنية سائلة تتموج وتتشعب، فضاءاتها اللغوية والإيقاعية مفتوحة دون حدود أو قيود تعبيرا عن تجارب داخلية خاصة معقدة، ومن مشاعر محبطة أو مكبوتة متدفقة تحت أمواج من التقنيات التعبيرية كقناعٍ شاعري، فمن الصعب أن تجد عبارة أو جملة تمت إلى العادي والمألوف والواقعي؛ فالعالم المنظور لديه ليس سوى صورة لعالم سرّي لا تكشف عنه العلوم والفلسفات والأديان المهتمة بدراسة العالم المنظور مباشرة.

أما عثمان حسين فيغوص في الإشراق من أجل كشف أسرار الظواهر الإنسانية بعيدا عن المحاكاة والوصف التقليديين؛ ليصل بنا لأن نشاركه في "رؤية" ما تحجبه الألفة والعادة في الكون وكشف المخبوء، ورؤية ما لا يرى، وسماع ما لم يسمع في منتج إبداعي لغوي شعري.

إن مخيلة شاعرنا تعمل بشكل سريع، وهي في الواقع أسرع من أن يلحق بها النقد؛ فما أن تتشكل الصورة في عقل القارئ بكل رموزها وحشود دلالاتها، وما أن تتمتع وتستلذ في التفكير بحكمتها فتنتقل للجملة التالية لتجدها صورة أخرى وعالم آخر تبحر فيه دون بوصلة، أو خيط دلالة يرشدك إلى مرام الشاعر؛ مثلما باتت عند الشاعر والناقد المكسيكي أوكتاينوك: "مقطوعة من الماضي وهي تندفع باستمرار إلى الأيام بوتيرة مدوخة، مما يجعلها عاجزة من مدّ أي جذور، لا تعيش إلا ليومها من يوم إلى آخر. إنها عاجزة عن العودة إلى بداياتها من أجل استعادة طاقتها على التجدد"(4).

إذن القصيدة عنده تتجدد، وتسمح لنفسها بأن تفرز أفكارا تختلف عما أفرزتها سابقا، وربما تتناقض معها. وبهذا يسمو الشاعر إلى مشاركة القارئ بفعالية في كتابة النص وإيجاد الدلالات من خلال عملية التأويل. إن تجربة الشاعر سرعان ما تصبح ملكا للقارئ بسبب حميميتها وتلك الحميمية قادرة وبسرعة على تحويل الغريب إلى مألوف، وهذا حسب ما نعتقد هي غاية جميع الكتاب.

الملفت للنظر والمميز الجديد في ديوان "كأني أدحرج المجرات" هو انتقال الشاعر إلى فن حديث في الأدب العربي هو "شعر الإبيجراما"، وبهذا يكون قد التحق بكوكبة الشعراء الذين تأثروا بالشعر الأوربي الحديث؛ حيث انشغل هؤلاء بطرح ذواتهم داخل الإبيجرام النثري الشعري، من بين هذه الكوكبة نذكر عز الدين إسماعيل، وأدونيس، ومصطفي رجب، وكمال نشأت، وعبد المنعم عواد يوسف، وأحمد مطر، وغيرهم.

أما "فن الإبيجرام" فيعد من الفنون الجديدة على الدرس الأدبي العربي، وعلى الرغم من عراقة هذا الفن في الآداب الغربية، إلا أن النقاد العرب لم يلتفتوا إليه أو لم يهتموا به الاهتمام المناسب، باستثناء الدكتور طه حسين الذي يعد أول من أشار إلى هذا الفن في أدبنا العربي في كتابه "جنة الشوك"، ثم تلاه الدكتور عز الدين إسماعيل في ديوانه "دمعة للأسى .. دمعة للفرح"(5).

تجدر الإشارة إلى أن المكتبة العربية مازالت تفتقر إلى الدراسات حول هذا الفن، لذا اعتمدت على اليسير من المقالات التي نشرت عبر الشبكة العنكبوتية. أما الإبيجرام فيمكن اعتباره "شعر الحكمة"، وكان قدماء اليونان يستخدمونه للنقش على القبور والتماثيل في عبارات مختصرة تغلب عليها طابع الحكمة، أما تعريف الموسوعة البريطانية الجديدة للإبيجراما، فهو: "كتابة تصلح للنحت على أي أثر أو تمثال. وقد أصبح الاسم يطلق ويطبق على كل بيت قصير ومليء بالمعاني خاصة إِذا كان قوياً وذا معنى معين ويشير إلى مبدأ معين"(6).

أما الشاعر الدكتور عز الدين إسماعيل في مقدمة ديوانه: "دمعة للأسى .. دمعة للفرح" فقد أخبرنا عن ماهية الإبيجرام في قوله: " وحين تُذكر الإبيجرام في النقد الأدبي يكون المقصود بها بصفة عامة القصيدة القصيرة التي تتميز على وجه الخصوص بتركيز العبارة وإيجازها، وكثافة المعنى فيها، فضلاً على اشتمالها على مفارقة، وتكون مدحاً أو هجاءً أو حكمة، وقد عرفها الشاعر الرومانسي الإنجليزي كوليردج بقوله: إنها كيان مكتمل وصغير؛ جسده الإيجاز والمفارقة روحه"(7).

لقد صارت قصيدة الإبيجرام في الشعر العربي الحديث من القصائد المهمة التي يجمع فيها الشاعر عن طريق التكثيف والإيجاز قضايا الإنسان المعاصر، فهي تعد نوعاً أدبياً قائماً بذاته له سماته ومعاييره الفنية. ومن ثم فإن الإبيجرام نوع أدبي يقف نداً جانب الأنواع الأدبية الأخرى، فقد كتبه الشعراء اليونانيون والرومان ومن بعدهم الأوروبيون أمثال جون دون وألكسندر بوب والكاتب الأميركي مارك ثوين.

وكان الإبيجرام في بداية أمره عند اليونانيين مجرد نقوش تُسَجَّل على القبور والتماثيل والنصب وغيرها، ثم حولها الرومان فيما بعد إلى فن أدبي يقوم، بالدرجة الأولى، على التركيز والانتهاء بلسعة هجائية بارعة. وأقرب وصف لها ما جاء في "إبيجرام" شهير يشبّه هذا الشكل بالنحلة: ذات جسم رشيق دقيق جميل، لكن في ذيلها لسعة حادة"(8).

بقي أن أشير إلى مميزات هذا الفن كما أوردها عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين في كتابه "جنة الشوك" الذي صدر في أربعينات القرن الماضي، حيث قال:

"الإبيجرام" شعر قصير يمتاز بالتأنق الشديد في اختيار ألفاظه بحيث ترتفع عن الألفاظ المبتذَلة دون أن تبلغ رصانة اللفظ الذي يقصد إليه الشعراء الفحول في القصائد الكبرى، وإنما هو شيء بين ذلك لا يُبْتَذَل حتى يفهمه الناس جميعا فتزهد فيه الخاصة، ولا يرتفع حتى لا يفهمه إلا المثقفون الممتازون الذين يألفون لغة الفحول من الشعراء".

وقال طه حسين إن المعنى في هذا الشعر هو أثر من آثار العقل والإرادة والقلب جميعا، علاوة على أن نهاية كل قطعة منه لا بد أن تكون "أشبه شيء بالنصل المرهف الدقيق ذي الطرف الضئيل الحاد"، فضلا عن "الحرية المطلقة" التي كثيرا ما ينتهجها ناظموه والتي يتجاوزون فيها "حدود المألوف من السنن والعادات والتقاليد"، إذ تدفعهم "إلى الإفحاش في اللفظ وإلى الإفحاش في المعنى".

ويشدد أديبنا الكبير على شرط القِصَر في كتابة الإبيجرام مبينا أن الهدف من ذلك أن يكون هذا الفن "سريع الانتقال، يسير الحفظ، كثير الدوران على ألسنة الناس، يسير الاستجابة إذا دعاه المتحدث في بعض الحديث، أو الكاتب في بعض ما يكتب، أو المحاضر في بعض ما يحاضر، ثم ليكن مضحكا للسامعين والقارئين بما فيه من عناصر الخفة والحدة والمفاجأة، ثم ليكون بالغ الأثر آخر الأمر في نفوس الأفراد والجماعات"(9).

غلاف كتابديوان "كأني أدحرج المجرات" قليل الكلم كثير المعاني والدلالات، إذ بلغت عدد صفحاته ثمانين صفحة من القطع الصغير، بلغت مجموع كلماته ألفا وستمائة واثنين وثلاثين كلمة تلألأت في تسع "قصائد" أو عناوين، تطابقت مع مقولة النفري، الشاعر الصوفي: "كلما اتسعت فيها الرؤية ضاقت العبارة"(10). كما خلقت كلماتها المكثفة والمكتنزة تسعة وتسعين "إبيجراما" مضيئا يصلح كل منهما لأن يكون سراجا منيرا لدرب مظلم عميق! تنوعت بين الإنساني والحياتي والسياسي والاجتماعي، اعتمدت على لغة المفارقة وبُنية التضاد، سواء على مستوى المعاني أم الألفاظ التي لا تخلو من المفاجأة أو الإدهاش. يفاجئنا الشاعر منذ البداية في عنوان ديوانه "كأني أدحرج المجرات" كيف ينفي الشاعر ذاته، أو أناه خارج الجاذبية الأرضية ليسبح في عالم آخر، غير عالم الأرض التي نعيش عليها، ليناغم ويحاكي المجرات الكونية، يدحرجها في المكان الذي يرغب.

ما هي مجرّات عثمان حسين التي يحاول زعزعتها ونقلها لمكان، أو لظرف آخر غير الظرف الذي نعيشه؟ هل هي المسلمات والبديهيات التي تعودنا أن نسلم بها؟ أم هي العادات والتقاليد التي انتظمنا على رتابتها وقادتنا إلى السكون؟ أم هي محاولة منه للكشف عن المخبوء في عوالم النفس الإنسانية؟ هذا ما يسحبنا إليه الشاعر للغوص في قصائده، ولنبدأ من القصيدة الأولى:

"أشرقتُ كفراشة مسّها اللهب" عنوان هو بحد ذاته "إبيجرام" يصلح لأن يكون لافتة مضيئة لذات الشاعر القلقة والغاضبة، لكن غضبه ونقمته هادئة كطباعه التي أخذت طابعا صوفيا منسحبا عن سلوك وصفات مجتمعه الذي تميز بالعنف، والارتباك، وعدم الاستقرار؛ فاستخدم (الفراشة) الباهرة في أنوثتها ونعومتها كرمز، وكائن هشّ يمسّها اللهب إلا أنها تعشقه فتعود إليه.

يقول كولن ويلسون عن "النظرة العصفورية": "إن الإنسان يزاول نظرة معينة على الحياة، وحين ينسحب من هذه الحياة ولو للحظة واحدة ليرى في أثنائها قدرا أكبر من الحياة بدلا من بقائه محصورا ضمن رؤية أو بؤرة ضيقة"(11). القصيدة كتبت في رام الله، والشاعر من غزة. أي مفارقة يعيشها الشاعر مثل فراشة؟ فغزة هي اللهب الذي لسعه ويلسعه، ومع أنها تلسع الجميع لكن الشاعر يعشقها رغما عن الغضب الذي يتملكه:

أشيرُ بغضب إليك

ويشير العارفُ:

لليل كائنات تداهم أعشاشنا،

تبعثر أسرارها وتمضي

في حيز سميك

وأشار أيضا إلى أننا دائما

نقلم أوجاعنا

أُنظر إلى الإبيجرام: "لليل كائنات تداهم أعشاشنا، تبعثر أسرارها وتمضي" في إشارة إلى ما يجري للمجتمع الفلسطيني/الغزيّ الذي يحلم بالهدوء والاستقرار. إلا أن كائنات أخرى تعتدي على هدوئه وتعكر صفو نومه. ولا ينتهي الأمر عند من اعتدى عليه، بل نقوم نحن بمساعدته عندما نشتكي من ذلك دون مقاومة جادة لصد الاعتداء. الدلالة الموفقة في (نقلم أوجاعنا)، كما لو كنا نقلم أظفارنا التي لم تتوقف في أن تنبت مرة أخرى، فنعود لتقليمها من جديد، وهكذا.

الليلُ يبدو مدركا سرّ القسوة،

ساكنا في نسيجها الطري

تعبر الأحلام الصغيرة إلى سبيلها

يغضُّ الليلُ طرفه

خشية الافتتان

أيُّ سرٍ

ثقيل

تدركُ

أيها الليل؟

وأيةُ قسوة تلك التي تفقأُ عين الحياة؟

رمزية الليل في الإبيجرام السابق هي للشاعر ومن معه ممن يدركون الحقيقة/السر الذي لا يستطيعون البوح به مباشرة خوفا من الفتنة في إشارة إلى جدلية العلاقة بين المواطن الغزي ومن يعتدي على حقوقه ويغزو حتى فراشه ونومه ليقضّ مضجعه، ويقوض حياته وأمله في العيش بحرية وكرامة في وطن ديمقراطي مستقل. وتتجلى مفارقة الشاعر في سؤال السكوت عن تلك القسوة التي لا يمكن البوح بها والتعبير عنها بحرية خوفا من البطش والفتنة التي باتت تؤرق الجميع. الشاعر لم يفضح المستور مباشرة، لكنه فعل أكثر من خلال أسئلته الاستنكارية عما وراء المستور؛ فتصل لذهن المتلقي ووجدانه كأنها سهام، أو رصاص يخترق كل الحصون الممنوعة.

بيدي أبلسمُ الوقت والبذاءات

أعدّدُ أحوالها

وأبدو رحيما وصادقتا

تذوب

الحكاية

على صدر الكلام

وأسألُ

ينتفض السؤال

حكمة تائهة

لماذا تحرقين هواءنا

وتعبثين بجثامين أحلامنا؟

تتضح الصورة تماما لما أشرنا إليه عن نفسية الشاعر وطباعه الهادئة؛ فهو يؤكد لنا أنه يتكيف مع الوقت ويتجرع بكبرياء كل تلك البذاءات والأفعال التي صدرت وتصدر عن جهات غير مرغوب في سلطتها وحكمها، ليؤكد لنا أنه يتكيف مع الواقع ويطوعه بحيث يتناسب مع نفسيته ويختزنه لوقت أخر يأمل من خلاله تحقيق ما يصبو إليه. لكن مفارقة الإبيجرام تتجلى في (أُبلسمُ الوقت والبذاءات)، من يمكنه أن يكون الطبيب المداوي للتعبيرات القبيحة والملغمة! وكذلك الوقت الطويل الذي يؤرق الناس عندما يسير برتابة قاتلة! من غير الشاعر لديه القدرة على ذلك؟ أليس هذا هو سرّ الشاعر الذي يكشف فيه ما لا يمكن أن تكشفه العلوم والفلسفات والأديان المهتمة بدراسة العالم المنظور مباشرة؟

يا غزة

يا كذبة الرائي

هل بحثتِ عن مفردات لا تشيرُ

إلى ملامح الموت فيكِ؟

يا كابوس المُخْلص المفتون

يا حلوة سمراء

ويا فكرة جرحت أوصافُها

مفارق الطرقات

وغرف النوم

يلخص لنا الشاعر في الإبيجرام السابق رؤية صديقه الكاتب والقاص زياد خداش الذي يسكن في رام الله، المفتون بغزة (الأسطورة)، لكن الشاعر يسخر من هذه الرؤية المبالغ فيها عند من لا يعيشون في غزة التي تداهم أعشاشها كائنات تفسد عليها جماليتها، مع أنه يؤكد عشقه في حلاوة سمرتها. إلا أن هذه الفكرة المتناقضة يؤلمها ويفضح سرها كل شيء في غزة من مفارق الطرقات والشوارع الفوضوية إلى العلاقات الإنسانية حتى داخل غرف النوم في إشارة إلى سيكولوجية الغزي المضطربة. هنا إبيجرام يكشف فيه الشاعر أسرار الظواهر الإنسانية بعيدا عن المحاكاة والوصف التقليديين؛ ليصل بنا لأن نشاركه في "رؤية" ما تحجبه الألفة والعادة في الكون وكشف المخبوء، ورؤية ما لا يرى، وسماع ما لم يسمع.

رمادي بحرك المجروح

وعيناك الرماديتان

تبحثان عن أغنيات تكسرت

في حضورك البهيّ

وعن قاتل رمادي يخبئ موته دون حرج

في عينيك الرماديتين

كيفما يكتب عثمان حسين عن وطنه لا بد أن يذكر البحر الذي تتصف به غزة الساحلية، وإذا ما وصف البحر فهذا يعني أنه يصف غزة ويختصرها فيه. حتى البحر الذي لم تلوثه يد الإنسان بطهارته إلا أنه يصفه بالرمادي الممزوج بالدم بدلا من الصفاء والنقاء. أما المفارقة أو جمع النقيضين في الإبيجرام السابق هي جمالية العينين اللتين تبحثان عن أغنيات تكسرت، دلالة على الفكر الأصولي المتطرف الذي فُرض على المجتمع الغزي فكسر الأغاني الحالمة، واستبدلها بأغان لا جذر لها ولا هوية، وطغى الموت بدلا من الحلم الجميل.

وصوتك يعلقُ أجراسا في عنق الوقت

الحرائق تطارد الأمجاد

والهزائم والذكريات

لم يقف بيننا القدرُ

لم يقل لي: تراجع

دنوت أكثر

فأشرقت كفراشة مسها اللهبُ

وأصبح الصوت المتبقي هو الصراخ والعويل يخرج عند الحاجة كطنين الأجراس، والذي يعيش في غزة قد يسمع ذلك بين الفينة والأخرى من مكبرات الصوت فوق المآذن التي تنتشر في كل شارع وحي بغزة، ولم تقتصر هذه المكبرات على الآذان والخطب الدينية؛ بل صارت تستخدم في كل مناسبة. وما حدث في غزة قضى على الأمجاد البطولية لها، وكذلك على الذكريات، تعبيرا عن حجم الكارثة (الانقسام والتشظي) للشعب الفلسطيني. مع ذلك يبقى الشاعر ابن غزة التي يعشقها ولن يبتعد عنها رغم أن الفرصة أُتيحت له عندما كان في رام الله حيث كتب قصيدته هذه، لا بل يؤكد أنه اقترب منها أكثر عندما ابتعد عنها، ورغم أن نارها لسعته، لكنه يعشقها كعشق الفراشة لأوار النار.

النار لي

ولنا صواريخ الطائرات

والموت الجماعي

ولنا النار بألوانها

لنا المجد

وبيت القصيد

ثم يضيف أن النار له؛ لأن الشاعر هو أول من يكتوي بها، وإن لم تصبه فيكفي أنها تصيب مجتمعه الذي يعيش فيه، والذي تعود على صواريخ الطائرات التي لا تقتل فردا بعينه، بل جماعات. ولا يتوقف القتل بالطائرات لوحدها، بل بكل وسائل القتل والدمار، ثم يذيل إبيجرامه بمفارقة الخلود التي يحفظها الشعراء والأدباء.

وكنت أعض الهواء من الوجع

هكذا

قرر

الغيبُ

فقررت ألا أغيب عن سمائك الموصولة

ببحر مفروضٍ

على ألف اليابسة

محنة الشاعر ووجعه دفعاه لأنْ يعضَّ الهواء دلالة على أنه لم يجد من يشاركه في نوعية المحنة وحجمها الكبير. وإذا ما تقرر ذلك من (الغيب) سؤال استنكاري لعدم ثقته بالجهة التي قد تكون أكثر من طرف في سبب محنته ووجعه، وإذا ما كان ذلك الطرف أو الأطراف يسعون إلى تهجيره وإبعاده عن مسقط رأسه وبيئته؛ فقرر هو ألا يغيب عنها ويبقى يتحمل كل ذلك الوجع والألم.

لك الحياةُ يا سيدَ الموت

لك الأرضُ والتاريخُ

وأوصافُ النبيين

لكن ستذهبُ

إلى حيث شاء لك السابقون

وتمضي بعيدا هناك.

الموت سيبقى هو السيد، والأرض ستبقى والتاريخ كذلك، ولشعب غزة المرابط الصابر سيرته التاريخية كسيرة الأنبياء باقية كلما بقى فيها أحياء، هكذا سنة الحياة وقانون التاريخ، وإن مضى الشاعر سيبقى شعره وسيرته حية كما تاريخ وطنه يبقى مجدا ونبراسا للأجيال من بعده. ها هو شاعرنا على طريق الصوفية ينهي قصيدته بإبيجرام الموت؛ ليضفي إلى قصيدته صراعا دراميا خفيا بين الحياة والموت الذي هو نهاية كل شيء مادي، لكنه يبقي السؤال الفلسفي الأهم كما تبقى الروح التي استعار عنها بسيرة التاريخ والأنبياء، واختفائه بعيدا هناك، في إشارة ميتافيزيقية للحضور.

إنه يقترب من رؤية أدونيس. يقول د. سهير حسانين: "إن قضية الاتحاد بالأرض أو الطبيعة تعكس رغبة عارمة في معرفة سر الوجود، والوصول إلى الحقيقة، حيث يصبح الوجود بأسره موضوع رغبة لدى أدونيس. إن ذلك الاتحاد يوقف حركة التاريخ، يشلّ تاريخ اللحظة عن الحركة والتشظي، حيث يتم طي الزمان ـ ماضيه وحاضره ـ ليتوقف الشاعر عند كل نقطة لها صلة بالإنسان، ليستشف العلاقة بين الحوادث والغاية الأساسية للوجود. فكل شيء ينمُّ عن معنى، لكن ليس في ذاته أو من أجل ذاته؛ بل من أجل حياة الإنسان، ومن أجل تحقيق الغاية الإلهية"(12).

"كأني أدحرج المجرات" القصيدة التي اتخذها الشاعر عنوانا كليا لديوانه بمجموعة قصائده، يكثف فيه عثمان حسين رؤيته في شاعرية العنوان باعتباره العلامة اللغوية الأولى للدخول إلى عالم النص. منذ البداية يجنح بنا الشاعر لفضاء آخر غير مألوف لنا، عالم يرى فيه أحلامه وتطلعاته أو رؤاه التي لم يجدها، أو يلمسها في عالم الواقع، أو على الأرض. إذا قال شوقي: "كاد المعلم أن يكون رسولا" فيجوز لنا القول كاد الشاعر أن يكون نبيا. من غير الشاعر يمكنه أن يسير على خطى الأنبياء؟ ويحلق عاليا في السماء؟

وأنا في الأعالي

سأهدي إلى سمائك الأولى

قوسقزحا وبحرا

حبا يعلق كيف السؤال

على فكرة القوس

ها هو شاعرنا يحلق عاليا في السماء السابعة ويهدي للسماء الأولى من بحر الحب ألوانا زاهية تخلب الأبصار، ويجنح بعيدا في الصورة التي رسمها، مثيرا أسئلته الفيزيائية والميتافيزيقية، ويختصرها جميعها في فكرة القوس (قوس قزح بألوانه). يقول أدونيس: "لا يكون للشعر قيمة إلا بالإيغال في هذا العالم "استقصاء واستجلاء"، وعندها يصبح الشعر نسيجا من القلق والشك والتساؤل بعيدا عن العقول الواثقة المتدحرجة باطمئنان على سطح العالم"(13).

أعلم أن المجد لي

وأني محيط بما يحزن القاتلين

الغزاة الصالحين

لكني سأعبر ممرا ضيقا

قابضا على جمرتي

وباسطا على رغيف جائع

يقرر الشاعر أن المجد له، و(لي) الشاعر هنا تحمل دلالتين معا، هما (الفن، وفلسطينيته). إنه جمع معاناة الفنان مع معاناة الفلسطيني في إبيجرام مكثف يؤكد فيه أن قسوة العيش التي يمر فيها كشاعر أولا، وكفلسطيني ثانيا لا بد لها أن توصله إلى المجد والخلود، ولا بد للفلسطيني الوصول لأهدافه، ولو من خلال ممر ضيق قابضا على الجمر ومتحملا قسوة الحياة ممثلة في صورة (رغيف جائع)، أي صورة غريبة ساخرة رآها الشاعر في رغيف خبز بدلا من أن يسد رمق إنسان جائع، فصار الرغيف هو الإنسان الجائع دلالة على أن الرغيف غير سمين ويخلو من الدسم. إنها لعبة المجاز عند شاعر موغل في التخيل والصور المتنافرة.

كأني أدحرج المجرات

تتساقط نتوءات وحواف

الأرض منفضة الكون

مجرّات عثمان حسين هي كل تلك السياسات والهجومات التي لحقت بوطنه وشعبه وما فعلته من انكسارات وبطولات معا، وما لحق بمجتمعه من سلوكيات غير مرغوبة، ورتابات لم تتغير، وكأنها قدر مستمر، مما دفعه لأن يخرج من عالم الأرض إلى عالم آخر يرى منه الأرض منفضة للكون، وكواكب المجرات تتساقط لتصنع حوافا ونتوءات، وكما قلنا المجرات هنا ليست المجرات الكونية، بل هي التداخلات الإقليمية والداخلية بكل ما يصاحبها من منغصات وكوارث ثقافية واقتصادية واجتماعية وسياسية على الوطن الفلسطيني.

في عينيك الصافيتين أرى؛

حيرتي

وعجزي البارد

جنودا يثرثرون عن ضياعهم

في متاهتي

أراهم واضحين في صفائك الرائي

أرى ما أطيق

ولا أطيق ما أرى

يقول أدونيس في كتابه "الثابت والمتحول": "الصوفية هي استشفاف المجهول واكتشاف ما يختبئ وراء هذا الستار الكثيف الذي هو الواقع الأليف اليومي". هكذا ينهي الشاعر قصيدته وحيرته ومحنته وعجزه ورحلته الصوفية التي رأى فيها ذاته، ورأى فيها الوطن ذا العينين الصافيتين التي يعكر صفائهما جنود يثرثرون دلالة على أنهم ليسوا بحراس للوطن، ولا يدركون وظيفتهم. أما الشاعر فبقي في حيرة وعذاب حينما يؤكد لنا أنه يطيق برؤيته لأشياء، وأخرى لا يطيقها ويقبلها.

اختم هذه الرحلة في ديوان "كأني أدحرج المجرات" بما اهتديت إليه من تأويل، ولا أدعي أن تأويلي هو الأصح، تاركا لغيري تأويلا آخر يقترب منا أو يبتعد. ويبقى في الديوان قصائد وإبيجرامات تحتاج إلى استنطاق متروكة للقارئ، آملا أن أكون قد وفقت في بث الروح والحركة لقصائد شبه صماء؛ وأنهي قولي بأن المبدع هو: الإنسان الذي يعثر في شيء معروف على أشياء غير معروفة، ولكنه شخص ميال إلى المبالغة.

الهوامش

1= عثمان حسين: كأني أدحرج المجرات، أرابيسك، القاهرة، 2010 .

2= محمد برادة: مجلة "فصول" مجلد 4، العدد 3 أبريل 1984 ص 20.

3= أدونيس: الأعمال الشعرية، المجلد الثالث، دار المدى للثقافة والنشر، سوريا لبنان، 1958، ط 4 ، ص 441 .

4= مارشال بيرمان: حداثة التخلف، تجربة الحداثة، ترجمة: فاضل جتكر، دار كنعان للدراسات والنشر، ط 1،
1993،ص 25.

5= أحمد الصغير: الأبيجرام في الشعر العربي الحديث http://www.manqol.com/topic/?t=64657

6= المرجع السابق.

7= عز الدين إسماعيل: دمعة للأسى .. دمعة للفرح، (المقدمة)، شركة مطابع لوتس، القاهرة ـ ط1 2000 م.

8= محمد نجيب السعد http://www.alwaleedonline.com/NewsDetails.aspx?ID=4048

9= طه حسين: الأعمال الكاملة "جنة الشوك"، ـ علم الأدب مج11 ـ دار الكتاب اللبناني ـ بيروت ـ ط1 ـ 1974م.

10= النفري، محمد بن عبد الجبار: المواقف والمخاطبات، تحقيق: آرثر آربري، تقديم وتعليق: د. عبد القادر محمود،
الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1985.

11= كولن ولسون: الشعر والصوفية، دار الآداب، بيروت 1979، ط 2،ص 42.

12= سهير حسانين: العبارة الصوفية في الشعر الحديث، دار شرقيات للنشر والتوزيع، ط 1، مصر 2000، ص 153.

13= أدونيس: مدارات، جريدة الحياة، العدد 12024، الخميس 25/1/1996.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 2977682

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC