إبراهيم قاسم يوسف - لبنان

الـصّـفــر

وعلى ضفاف "دجلة" ما يزال حشدٌ من الآلهة

يتباطأ. فبعضهم برزوا من الطوفان والكتب الأولى،

والآخرون قدِموا مع الفاتحين أو التجار.

وقليل من المؤمنين في "المدائن" يحتفظون

بصلواتهم لوثن أوحد (1).

مع تحيةٍ من القلب للأخ الصديق مهند النابلسي

شخص نائمترك الكتاب مفتوحاً على الصفحة التي بلغها، ثم غطى به وجهه ليحجب النور عن عينيه، وراح يستعيد في ذاكرته المشاهد العديدة التي توالت أمام ناظريه لساعة من القراءة أو ما يزيد.

كان من أشهر علماء عصره في بلاد الرافدين، منذ حضارة العهد البابلي والسبي، وسيادة الخطيئة والموت في واكدَ وآشورَ والكلدان، تَقَمَّصه العديدُ من العلماء. يُنَظِّرُ في الشرائع، مُجَلياً في الرياضيات والفيزياء بالإضافة إلى تخصُّصِه في حقل الاتصالات. أدخل تعديلات على ذاكرة الحاسوب، وغدت هذه الآلات أسرع في استجابتها آلاف المرات عما كانت عليه منذ عهدٍ قريب، وتحولت منجزاته العلمية شاهداً مرموقاً على حضارة عصر جديد.

كان قبلة أنظار معظم المهتمين المتابعين في حقل الإلكترونيات والرياضيات، كما في سائر ساحات التجارب الأخرى، ومطمح آمال كبرى الشركات التي تسعى فيما بينها في سباق محموم، لاستقطابه في اختراع أكفأ وأحدث الآلات العصريَّة، والدولة خصصت له حرساً وجهازاً أمنياً لمرافقته، والسهر على سلامته، للحفاظ على هذه الثروة الوطنيَّة، التي ينظرون إليها بعين الحسد في كل الجوار.

كان أيضاً أستاذاً محاضراً في الجامعة الوطنية، بقرارٍ من أعلى السلطات ضماناً لمستقبل جيل من طلاب البلاد، للإفادة من قدراته العلمية في الشركة التي حظيت منه بشرف الموافقة على العمل في خدمتها، فأسندت إليه قسم التخطيط في رأس الأوليات. كان لانشغاله البالغ وضيق وقته يكتفي بوجبة طعام واحدة في اليوم، وفي إجازاته لم يكن مطلق الحرية كسائر الناس، بل مقيَّداً حتى مع المرأة التي يتقاسم معها عواطفه في ساعات الصفاء، يتطلع إلى عينيها الفاتنتين بنظراتٍ اقتصادية ونهضةٍ حالمة بعيدة الآفاق.

كان مع طلاب السنة الأولى، يجوب أرجاء الشركة ومختلف الأقسام فيها، يشرح لهم لزوم الرياضيات والكيمياء، وعلم المنطق "وميكانيكيا" الحركة والتعدين، وصناعة أسلحة بعيدة المدى للدفاع عن البلاد، يتناول في حديثه معهم الإدارة الواعية في مختلف القطاعات الصناعية الحديثة، والتفاعل مع إدارة الورش المنتجة والعمال، وسياسة الشركة في تسويق منتجاتها والعائدات المالية الهائلة، ما جعلها من أغنى وأهم الشركات المماثلة على الإطلاق، وحينما وصل مع طلابه إلى قسم التخطيط، انقطعتِ الكهرباءُ وتوقفتِ التغذية بالتيار، فعمَّ الظلام المكان.

انتدب الأستاذُ طالبا من المجموعة ليصحِّحَ وضعية "الفاصل" (2)، وإعادة التيار إلى أرجاء المعامل والأقسام، من قسم الإدارة والتخطيط، إلى قسم الانتاج وورش الميكانيك، بالإضافة إلى قاعة المحاضرات وخلايا التدريب، فالقسم السري لحماية الاختراعات. هذا القسم على وجه التحديد يتولى مراقبته فصيل من عناصر الاستخبارات في البلاد، تم اختياره بدقة لحراسة المكان والتدقيق في هوية الداخل والخارج، ومراقبة الهواتف المحمولة فلا يتسرب أي سر من الشركة، إلى المناوئين والمضاربين أو الموالين على حدٍ سواء.

والطالب المكلف بإعادة التيار متواضع المواهب، انتسب إلى الجامعة عن طريق الخطأ أو التزوير، حين منحته أمينة سر شؤون الطلبة في رئاسة الجامعة علاوة صفر واحد إلى اليمين من مجموع علاماته في الامتحان. أمينة السر هذه جميلة وجذابة ومثيرة حقاً، خطب ودها إبان عهدها في وظيفة الشركة معظم من تعاقبوا على العمل إلى جانبها. هو يدرك على الرغم من غبائه أنها لعوب تعبث بالمتوددين، تستنفدُ أموالهم وتغدر في عواطفهم، فلم تهب قلبها يوماً لأحد، ولا ينبغي له أن يركنَ ويطمئن إلى ما تَعِد أو تقول، لكنها حين أحصتْ له مجموع علاماته، ومنحته ذلك الصفر المقرر وأبدت له عن حسن نواياها وصدق مشاعرها، حملته على الثقة والتصديق. هكذا دخل الجامعة بفضلها ووجد فيها ضالته المنشودة فأحبها وهام بها وواعدها على الزواج متى تخرَّج، وبادلته للمرة الأولى حباً بحب ووعداً بالزواج وأملاً بالأسرة والأولاد.

لكنه كان أعجز من أن يتجاوز السنة الأولى، لمداركه المحدودة وتقصيره البالغ في مختلف المواد، فقدرته المتواضعة جعلته موضعَ شكٍّ في عيون الآخرين، إلاَّ أمينة السر العنيدة التي وقع عليه اختيارها، فأحبت فيه قدراتِه المتواضعة، أحبته على عِلاّته وبساطته المتناهية وغبائه أيضاً، وجدتْ فيه قدرُها فأحبته بعيون غاضبة على الحاقدين الساخرين، فسبحان من يغير الأحوال!

لم يهتدِ الطالب إلى "الفاصل" وسط الظلام الشديد، فراح يفتش في العتمة عبر اليد اليمنى عن المقبض المتصل بـ " الفاز"(Phase)، بينما اليد اليسرى لامست بالخطأ طرف القطب الحيادي الآخر (Neutr). لعلَّ أسوأ ما تكون عليه الأقطاب أن "تنأى" بنفسها، فتأتي محايدة لا يعنيها أن تقبلَ أو ترفض أن تحارب أو تهادن، كما تقتضي السياسة في بعض الديار". أحس برعشة عظيمة تشبه رعشة الموت سرت كالبرق عبر جسمه مروراً برأسه، واستقرت الـ (USB) وذاكرة حاسبات الشركة في تلافيف دماغه؛ من خلاصة الزبدة وعصارة فكر العباقرة من الرواد الأوائل، ممن تعاقبوا على إدارة الشركة العملاقة منذ نشوئها حتى اللحظة، وآخرهم أستاذه الذي كلفه إعادة التيار.

حينما عادتِ الكهرباء وحملتْ معها النور، وعاد الطالب لينضم إلى المجموعة، كانت أحواله قد تغيرت من الأساس، فأنكر نفسه وقد طرأت عليه مستجدات لا عهد له بها من قبل. تبدَّل كل ما فيه بصورة جذرية واتسع خياله لآفاق جديدة بلا حدود، وصار يمشي مختالاً مزهواً بحاله. لكم تمنى تلك اللحظات لو أنه شاهد نفسه في صفحة مرآة، ليتأكد أن شكله بقي على حاله لم يتغير بعدما ألمتْ به أحوالٌ شداد!

كان الأستاذ المحاضر ينقل معلومة للمجموعة، حينما اعترض الطالب من بعيد على صحة ما يشرح، لكأنه مخلوق آخر مقبلٌ من عالم الغيب. وحين أدرك المجموعة جذب الأستاذ برفق من سترته فنحَّاه قليلاً، وطلب إليه أن يرتاح من عبء ما يشرح، وأن يلتزم الإصغاء والهدوء.

أكملَ الطالب الشرح نيابة عن الأستاذ، والأستاذ اعترته الصدمة والذهول لهول ما يرى ودقّةِ ما يسمع، فتعرَّقَ جبينه واحمرت أذناه وأربكه ما يحدث، أما رفاقه الطلاب فقد تولتهم الدهشة والمفاجأة، لشدة ما تبدل في أحوال الطالب وغزارة ما يعرف، والأستاذ مع الإحساس بكرامته المهدورة لزم الصمت، وأنصتَ إلى ما يقوله الطالب، بينما راح الطالب يغرد بمهارة البلبل، ويشرح ببلاغة ليس لها مثيل، قائلاً لرفاقه بلا مراعاة أو خجل، إن الأستاذ الكريم كان مخطئاً في المقاربة وهو يتحدث عن معادلة نيوتن في مسألة التسارع، وعن أنشتاين ونظرية النسبية وسرعة النور.

ثم راح يشرح لرفاقه الطلاب وجهة نظره المخالفة للأستاذ، فناقش معهم نظرية "النسبية" وأقنعهم بالدليل أنها لا تخلو من مغالطات، دون اعتراضٍ من الأستاذ أو رفاقه الطلاب على صحة ما يشرح وسلامة ما يقول. والأستاذ أصيب بانتكاسة في عواطفه وإحباط لهول ما يجري، فانسحب وعاد أدراجه إلى مكتبه وهو لا يدري ما عساه يفعل أو يقول.

سرتْ أخبار الطالب في الجامعة والشركة بسرعة الريح، وتناقلتها وسائل الإعلام ومواقع النت. وأمينة السر الغافلة عما كان يجري دهمتها وأذهلتها الأخبار الجديدة. في البداية لم تصدق وتصوَّرتِ المسألة شائعة لئيمة تمعن في النيل من سمعة محبوبها، لكن مهانة الأستاذ وانكساره أمام الجميع، أكدت لها صحة ما يدور.

ضاقت الجامعة والشركة والدنيا بسعادتها، وتضاءلت في عينيها الأمور الجسام، وتساءلت طويلا عن سر هذا التبدل المفاجئ. اجتهدتْ بالتحري عن الأسباب، ولمّا لم تحظَ بإجابة مقنعة قبلت النتيجة وتناستِ الأسباب، فالعبرة بالنتائج والخاتمة المشرقة التي بلغها فارسُها المحبوب.

مهما تكن الأسباب فالسماء أكرمتها وجادت عليها بسخاء، لكن أفكاراً حزينة دهمتها وعكرت عليها صفو سعادتها وشغلت خاطرها، وحين انتهى دوامها عادت إلى بيتها، فانتظرته ساعاتٍ وانتظرته أياماً وليالي طويلة، ثم سكنتها الوحشة والهواجس وانتظرته شهوراً وسنوات، وأخيراً أصابها الكبر، وذوى جمالها، وقامت حرب ضروس على البلاد، فاعتراها القنوط وأيقنت أنه ضاع أو مات، ولن يعود.

تحرك الطالب، فانزلق الكتاب عن وجهه وعينيه، وارتطم بالأرض فأيقظه من هذه الرؤيا، وآلمه المنام وما حلّ في البلاد من الخراب، وما حدث في تاريخها من الإمعان في المظالم والتزوير، وحَزّتْ في روحه أمينة السر التي عاهدته وأخلفت، فقدت كل القيم فنسيت وعدها له، حين قدست مصالحها على حسابه فأهملتْ مشاعره وخانته، ولم تلتفت إليه ولا عناها أمره أو نكبته، وتمنى أن تسعفه الجرأة، ليتمرد عليها ويكاشفها بحقيقتها ويحاسبها، وينتقم منها على فجيعة أحلامه والخيبة التي حصدها، وهو لا يدري أتكون التجربة المُرَّة محبطة له أم حافزاً جديداً على أمل لا ينبغي له أن يندثر أو يموت.

= = = = =

(1) مقتطف من مقدمة كتاب لأمين معلوف عنوانه "حدائق النور". Les Jardins de lumière.

(2) الفاصل: قطعة كهربائية مهمتها قطع التيار الكهربائي لبعض الأسباب أو الضرورات.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3257402

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC