هيام فؤاد ضمرة - الأردن

لقاء في عمان

هيام ضمرةكثيراً ما يلعب القدر الجميل لعبته في اختيار الصحبة الأجمل والصداقة الأوثق، نمضي في سقاية بيداء التقارب إلى أن تصبح حديقة غناء تجود بكل جمال، ننتشي ونصوغ للود حواراً وارف الأفنان، ونقطف للحرف عذوقا مترفة بالاخضرار الندي.

وهذه صديقتي الرائعة هدى قمحية، كانت أنذرتني هاتفياً بوصولها ظهر اليوم التالي إلى عمان، قادمة من نابلس عبر جسر الملك حسين. ونابلس مدينة الخضرة المتدرجة والجمال المعمر بالذاكرة، التي أشعلت قمم جبالها على الدوام بانتصارها للحق والنضال من أجل الحرية والحياة، فسميت جبل النار فهذا سمتها الذي ألهب ظهر المستعمر وكيانه، وهذا دأب أهلها في توطن حبهم لها داخل أفئدتهم فيقوى فيهم الانتماء لثراها.

وادي نابلس هو وادي الخير الذي أغناه الله سبحانه وتعالى بالتربة الحناء والخضرة المعطاء، لأنها المدينة التاريخية الأقدم، توجت عاصمة لعدد من الممالك القديمة، وهي اليوم أكبر المحافظات في فلسطين المحتلة. وعراقة المدينة تتمثل في ملامحها العمرانية وبالرقي الحضاري لأهلها، فأينما تواجدت الصناعة والحرفة والعلوم تواجدت الحضارة.

وحسب الاتفاق المسبق مع صديقتي هدى، كان التواعد ثم الالتقاء في مساء نفس اليوم في مقهى أسوار القلعة القابع عند سور قلعة عمان الغربي، حيث يتميز المكان بفسحته وجمال ديكوراته الشرقية، واتساع إطلالته منْ علٍ على خمسة جبال أمهات من جبال عمان السبعة الأولى، حيث العراقة وأصالة ماضي المدينة وحسها الطيب يتضوع فيه الندُّ والمسك والعطر.

المكان يُطل على قاع عمان العريق، ومُدرجها الروماني العابق برائحة تاريخ المنطقة وبعض ملامح عاتية لأمم مرت فوق أديمها، وقصص مجدها الخالدة تتشكل في الذهن فيما نرنو بنظرات معانقة تنال شوقها مختلطاً بزهوة احتفال اللقيا.

نُتابع المشهد الأجمل نحو أوابد عمان العتيدة، كي نقبس مِنْ شمائلها نورا يُوقد رحلة الذاكرة، وهي تنحض من بئر الماضي تعبئ به ما استطاعت احتماله بركة الذاكرة، وخيلُ الزمان يُخوض مختالاً على صفحات التاريخ، فكم من سفر سطر بطولات رَوَت عنْ عمان ما خفا! وكم من بوح أشعل ذؤابات الأحرف كي يصف لعمان حسنها ورونقها ليذهل إليها وتر القلوب ويُمتعُ بها الأعين!

في الموعد المُحدد أطلَّ ذلك الوجه الوضيء المريح، لتنجلي به غشوة الوجدان، وأتنفس من خلاله عاطر الورود، كيف لا والذوق في صديقتي طبع يتحلاه الود، يثبُ منْ عينيها ذاك التوهج المألوف، وابتسامة حلاها الشهد، ومنْ خلفها بان وجه وضيء آخر لشقيقتها بسمة وقد استقرت على وجهها بسمة العناق. كان اللقاء حميماً، يختال في ملمحه غمرة الأشواق، ليعود للكلمات فحواها المجلل بعذب المشاعر.

إيه أيتها الصديقة الجميلة، والمقام في حضرتك يُزيحُ الهموم ويَردُّ للروح انتعاشها، في حين كنا نحتفي بلقائنا الثلاثي، كنا كذلك على أهبة الشوق ننتظر صديقة مشتركة، السيدة الأديبة مكارم المختار، لتنصهر في فرحها الأفئدة برباعيتها في صدور حسان أربعة، مستبيحة أكنتها وفرط شوقها.

ضيفتنا الصديقة مكارم كانت هي الأخرى قد حطت على شرفات عمان قادمة من عتبات الشرق المبللة بمياه الفرات، تحمل في أعطافها نسائم بغداد وطيوبها العاطرة تعلق بالأذهان، العاصمة الأعرق والأعتق، الذكرى التي تذكي ببخورها أعتى الأفنان.

لله درك بغداد، ولله أهلك بلطفهم الفخيم وأقاصيص كرم استقبالهم، ما كانوا ليعلموا ما تخبئه لهم النوى مما في جراب المستعمرين من خبث، وهي تجر لهم على ظهر مركبها مناكب الهجرة والأحزان.

لكنها بغداد: تلك الصامدة بكيانها وحضارتها، تعاود بعد الكبوة نهضة الأمل، وترفع شعار صمودها كما المسلة الرخامية لا تحركها أعتى الرياح.

كنا ننتظر مجيء الصديقة مكارم، ولكنها اتصلت لتعتذر بتأثر بالغ في اللحظة الأخيرة، بسبب تحضيرات مهمة قبل القيام برحلة العودة إلى بغداد صباح اليوم التالي.

كنت تمتعت بلقيا مكارم وأسرتها وزوجها قبل أيام أربعة، في حضور اثنتين من صديقاتي: الدكتورة الشاعرة سهام حلوة من الرياض، وصديقة الطفولة سحر سعد، وصديق الأدباء الصدوق صفوان البخاري، وقضينا لحظات أدبية فريدة يتغلغل فيها الحنين للحرف وزخرفه.

نغادر المكان في جبل القلعة مسكونين بالشوق لقاع المدينة، ولقاع عمان نكهة لا تكافئها نكهة أخرى، يُحاصرك هناك الشوق للقديم، ولا تتوانى أن تبيع عيونك لالتقاط ذاكرة مختمرة في الوجدان، تخرجك من حياة جمدتها على الصقيع حضارة متغربة.

فلافل حمص فولكان مقصدنا ذلك الرصيف، حيث يَربضُ ذلك المطعم العريق الشهير، مطعم "هاشم"، الذي يقدم الأكلة الشعبية الأشهر من مدمسات الفول والحمص والمسبحة والقدسية في الأوعية الفخارية المزججة، وسطحها يغرق بزيت الزيتون المُضيء، وحبات الفلافل المكورة المقلية بلونها الذهبي الشهي، ورائحتها تزكي الأنوف، وتلك الأقراص المحشوة منها بالبصل، ترافقهم جوقة المُشهيات منَّ الشطة ورؤوس البصل المقطع والنعنع والبندورة المقطعة، تتقدمهم أكواب كبيرة من الشاي المختمر.

لست أدري أهي الوجبة الشهية التي تشدك لهذا الشوق النادر، أم جمعة الصُحبة الطيبة التي تألفها، فتأكل كما لم تأكل قبل هذه الساعة، وتكتشف أنك أثقلت الحمل على معدتك، وأنت ترصفها بإسمنت ثقيل؟ لكنها تظل المتعة التي يحن لها كل عاشق لعمان، معتد بقديمها مهما صغرت جزئيته، ونحن شعب مهووس بعراقته، نتشبث بقديمنا، ونسترجع بهذه الأماكن على بساطتها ملامح مِنْ أصولنا وتراثنا العريق، فبالهناء والشفا ضيفتي العزيزتين، وصديقتي الطيبيتن، فلتزدهي بنا بهجة اللقاء، ونغسل عن نفوسنا هموم الرماد، وبالسعادة نمضي فرحاً، نسترجع من الأمس نبضاً ظل باقياً في سواعد ما تبقى لنا من تراثيات.

ها أنتِ يا ابنة نابلس تنبضين في قلب مدينتنا الجميلة، ترفرفين على تخومها طائراً في سرب، تشدو طيورها لك، تهيج أشجانك ومعها أشجاني، وها نحن نروي للوفاء لعمان ظلال ماضٍ وارف الأفنان. ها نحن في صيف الظمأ نسكب في كأسنا عذب بوحنا، ونحمل لرحلة الذاكرة سكرة الانتشاء.

أهلا بكما أخيتي العزيزتين وقد هاجرت عن شطآننا موجات التنكيد، وحط باقترابنا نول منى يؤتمل له نضرة وورد، فلا تتركا بعد اليوم للزمن أو البعاد أنْ يُجافينا، واسطرا من هذه الملامح الجذلى توقاً، يَظل يُعيدكِما لصدر عمان، فهنا خطونا وصهلت في كبريائها ضحكاتنا، وهناك سردنا أخبارنا ورواياتنا ومتاحف ذكرياتنا، فيما يتخطر فينا الخطو في المسير ونترقب، ونترك جيادنا تسابق الريح إلى شرفة الخيال والآمال، حتى ينتشر من هذا اللقاء شذاه العطر.


مدينة عمان

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3251505

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC