زهرة يبرم - الجزائر

واقعة من سنين الجمر

تمهل يا نور فجرها لا تسطع، ويا صبح يومها لا تطلع. اكتم أنفاسك أيها الزمان فأنت زمن من حجر، وسنواتك من نار وجمر. يا مخالب الجراح ترفقي بها؛ لا تحاصريها، لا تمزقيها ولا تقذفي بها في غياهب الأحزان. وأنت أيها القدر لا نلومك لأنك القدر.

الزمن زمن أغبر واليوم صيفي حار من أعوام الرصاص والنار. الحرب دائرة رحاها، شعب ثائر على الذل والانسحاق والتلاشي، يتساقط أبناؤه كالذباب أمام بخاخ المبيد. اكتمل المليون بعدد الشهداء، والمليون الثاني بعددهم يوشك أن يكتمل. المستدمر الفرنسي الذي أوهم الشعوب بالإعمار واشتق لنفسه اسما منه، أظهر للبشرية وجها قبيحا مليئا بالتجاعيد، وأشهر بربرية ووحشية مدمرة لا معمرة.

قضى الزوج ليلته يتململ في فراشه يصارع الأرق والعرق، يشغله أمر ذو بال. أنجدته الديكة بصياحها فقفز على قدميه في غبشة الفجر. أيقظ زوجته وهو على عجل من أمره، أمرها بتهيئة أبنائهم الأربعة لكي يغادروا القرية على جناح السرعة، فالجنود الفرنسيون سيقصفون المكان هذا اليوم.

هكذا ألقى إليها الخبر دون تفاصيل، مموهًا بأنه مجرد توقع لا غير. قالها بارتباك وبلبلة ظاهرين على تصرفاته وهو يذرع الكوخ جيئة وذهابا. وثبت من مرقدها كلبؤة مستنفرة وقد قبضت بقلبها أصابع القلق الحديدية، وتشاءمت من يومها مع بدايته.

استحوذ عليها الجزع والخوف والقنوط. تذكرت الحدث الرهيب الذي أصاب أحد المجاهدين حين كان يبيت بالقرية وبحوزته وثائق هامة وسرية عن الثورة، لما حاصره الفرنسيون فتت الوثائق وابتلعها قبل أن يدركوه. وحين لم يجدوا ضالتهم عنده ولم يتكلم عند استنطاقه كبلوه في حظيرة للمواشي معبأة بالتبن وأضرموا فيه النار أمام أعين الأهالي.

لملمت أبناءها في أسمالهم، ولمت ما في الكوخ من زاد قليل وأشياء عزَ تركها، صرتها في قطعة قماش عقدت أطرافها مثنى مثنى وعلى شفتيها تتزاحم آلاف الأسئلة المؤجلة.

حزمت طفلها الرضيع على ظهرها بقطعة ثياب، بينما الزوج علق الصرة على عصا غليظة وضعها على كتفه وساق أطفاله الثلاثة أمامه وانطلق متسللا بهم نحو الجبل على حين غفلة من أهل "الدشرة"، متخفيا يجتنب العيون.

مشت خلفه كنملة زجاجية محطمة الفؤاد رافعة كفيها إلى خالقها أن ينجيها وأهلها وكل سكان "دشرتها" من هول ما سيحدث.
تفكيرها يعذبها، وحيرتها يتفاقم أمرها، وأسئلتها تزداد إلحاحا، وقلقها قد رسخت جذوره في نفسها وتفرعت أغصانه. تعصرها الشكوك والهواجس، إذ كيف عرف زوجها دونا عن غيره أن الفرنسيين سيقصفون القرية اليوم، فينجو بنفسه وأهله دون أن يخبر أحدا؟ أجاسوس هو؟ ألا يكون هو من أخبر الفرنسيين بوجود مجاهدين في القرية؟ فمثل هذه المداهمات غالبا ما تحدث اثر وشاية يقدم عليها أحد الجواسيس المندسين بين الناس كالسوس.

تذكرت كيف تحسنت أحوال زوجها المادية نسبيا منذ شهور حيث أوهمها بحصوله على عمل أفضل بأجر أحسن. أفكار اختمرت في رأسها وأسئلة أجلتها إلى حين الوصول إلى بر الأمان وهي تمور.

طلع قرص الشمس برتقالي اللون ساطعا يوحي بيوم من لهب حين وصلوا بعد عناء إلى أطراف الغابة. توغلوا فيها وأصبحوا بعيدين كل البعد عن القرية وما يحدق بها من خطر. تنفسوا الصعداء من الكرب والإعياء واستراحوا قرب ساقية صغيرة تخترق الغابة.

قررت حينها أن تفاتحه بأمر مهم، أرادت جوابا لسؤال كاد من ثقله أن يفجر رأسها: هل له يد فيما سيحدث في القرية؟

بادرته بسؤال استفزازي: "في القرية مجاهدون أكيد، بماذا وعدتك فرنسا مقابل الإخبار عنهم؟"

تفاجأ وتلعثم، وهو الذي اعتبرها ساذجة. لم يتوقع أن تكون قد تفطنت لارتباكه واستشفت من تصرفاته شناعة ما أقدم عليه، وأجابها بلغة العدو: "هل أنت مجنونة؟ من أين لك بهذا الهراء؟"

كان يجهد نفسه للتكلم بلغة فولتير لكنها تأتي منه نشازا، ممزقة، مقطعة الأوصال، بائسة كبؤسه، يكمل معانيها بكلمات عربية متجذرة كأعمدة البناء في دمه وعلى لسانه، لا غنى له عنها، تنجده كأم حنون حين تضيق به اللغة الربيبة.

انفجرت في وجهه كقنبلة موقوتة أو كرشاش كلاشينكوف، مدوية بصوتها فيردد الجبل الصدى:

"كيف عرفت أنت دونا عن الأهالي أن الأوغاد سيهاجمون "الدشرة" اليوم؟ أم أنهم قد ائتمنوك عن أسرارهم دون خلق الله؟"

أرعد وأبرق وصاح بعصبية لم تدع مجالا للشك بأنه غير طاهر الذيل:

"اصمتي أيتها الجرادة، أتظنين أن أولئك الجرذان سيحررون البلاد ويقيمون دولة؟ لن تقوم لهم قائمة إلى يوم يبعثون."

في تلك اللحظة تصاعدت أعمدة الدخان تتلوى في السماء خلف التلة من جهة القرية. انتفضت كطائر مذبوح ورفعت صوتها بالنواح، فللعاجز عكاز الدمع يتوكأ عليه، وهي الأمية قراءة وكتابة صارت تتكلم عن الوطن بلا كلمات، تقرأ في أحداقها ما يمور في خاطرها وتحس أنها الآن قد بدأت معركتها من أجل الوطن. صاحت به:

"أتفعل هذا بأهلك وناسك وعشيرتك أيها الخائن، الكافر، الخارج عن الملة والدين؟ كيف سترفع هامتك أمامهم بعد اليوم؟ أتنصر فرنسا على الجزائر؟ استأثر الله بك قبل فعلتك الشنعاء هذه يا..."

أيقظتها من نوبة الصراخ تلك صفعة قوية تبعتها ركلة أطاحت بها أرضا. صمتت بتحد وصمود وهي شاخصة العينين. بعد برهة لملمت ثيابها ونهضت وهي معفرة بتراب الوطن.

اعتلت صخرة على حافة الساقية وجلست صامتة تتأمل كصقر يتحين فرصة ما ليكيد لفريسة. أما صغارها فتحجروا في أماكنهم يسكنهم خوف غريب، بينما الرضيع لم يتوقف عن البكاء بين أحضان أخته الكبرى.

ظلت ساكنة على الصخرة لوقت طويل كأن العالم بأسره لا يعنيها. وقفت مع نفسها في مفترق الطرق، تسافر في عمق روحها لحظات عسيرة، تعيش الانكسار الوجداني الرهيب، تفصل وتخيط لنفسها حياة جديدة على مقاسها بشكلها الجديد وهي حبلى بهم الوطن المصفد بالأغلال، فمقدورها أن تمضي من اللحظة وحيدة تحمل رسالة.

افترش الرجل العشب وخمد في قيلولة وحاكاه الأبناء ونام الرضيع. نزلت المرأة من فوق صخرتها وبدأت تبتعد رويدا رويدا عن أسرتها في حذر حتى أوغلت في الابتعاد. انطلقت بعدها تحث السير على غير هدى في غابة لا تعرف مسالكها ولا أولها من آخرها. فقد أعلنته فراقا بينها وبين من خان الوطن.

اتخذت عصا تتكئ عليها ولها فيها مآرب كالذود بها عن نفسها ضد هوام الغابة وحيواناتها. إلا أنها امتلأت بقوة عجيبة تؤهلها لمصارعة أعتى الوحوش، وفي يقينها أن لا وحش أشرس من الإنسان.

الإنسان حين يتشبع بقيم، ويعتنق مبادئ ويهيم بأفكار فإنه يقوى بها حتى ليخيل إليه أنه سيحارب الدنيا من أجلها وينتصر. هي الآن قوية بحب الوطن، حب تعاظم في قلبها حتى طغى على حب أطفالها الذين حضنتهم سنين وقطرتهم من مهجتها كالندى وأودعتهم لمصير مجهول.

عقدت العزم على اختراق الغابة بجبروتها والوصول إلى أهلها في الناحية الأخرى في ضواحي المدينة، إلا أنها تجهل إن كانت تسير في الاتجاه الصحيح.

شقت لنفسها مسلكا وسط نباتات الغابة المتراصة، وبمشقة شديدة كانت تصعد تارة وتنحدر أخرى، تجهد نفسها في الحفاظ على توازنها، تحاذر كي لا تزل قدميها فتسقط. تأكل من حشائش الغابة لتطفئ الجوع إن هو ألم بأمعائها، وتذلل لنفسها الصعاب.

وبينما هي هائمة على وجهها لا تدري كم من الوقت مضى عليها ولا إلى أين تسير، إذ بها تسمع وقع خطوات تبدو قريبة منها. سكنت لتستوضح الأمر من خلال أشجار البلوط والضرو الكثيفة، فتبين لها رجل يسوق حمارا محملا ببعض المتاع.

أحس بوجودها هو الآخر فأوجس منها خيفة، وبدأ يتبينها علها تكون حيوانا مفترسا، وأخشى ما يخشاه هو الجنود الفرنسيون الذين يجوبون الغابات بحثا عن المجاهدين، إلا أن جبنهم لا يخولهم للإيغال كل هذا الحد، فضربات المجاهدين قد أصبحت لهم بالمرصاد في الآونة الأخيرة.

لما تبينت أنه إنسان اقتحمت عليه الطريق واستوضحت منه المسلك، فقد أمنت جانبه إذ هو لا بد يحمل المؤونة للمجاهدين في أعماق تلك الجبال الشامخات. دلها على أقصر طريق تخرجها من الغابة.

كانت الشمس قد مالت نحو المغيب حين خرجت من متاهة الجبل إلى الحياة. اندست وسط بني جلدتها من عمال الأرض الفقراء، الذين ما زالوا لم ينقرضوا رغم سطوة فرنسا على التراب الذي يمشون عليه، وعلى ما يخرج من بطن تلك الأرض الطيبة، أمهم. لم يتخلوا عن كبريائهم وهم الأسياد على أرضهم، لم يطأطئوا لفرنسا منذ اغتصبت وطنهم، فكل عائلة تعرف أرضها بكل حدودها.

لم تسه الأجيال المتعاقبة عن ذلك، فهم وإن لم يرثوا الأرض عن أجدادهم إلا أنهم ورثوا تفاصيلها وحدودها جيلا بعد جيل. ورثوا الوهم وتمسكوا به، ذلك الوهم الذي أبقى رؤوسهم مرفوعة، لا يطأطئونها إلا لجني المحاصيل.

وها هي الثورة التحررية قد قذفت في قلوبهم الأمل لتحويل الوهم إلى حقيقة. المهمة صعبة كالمستحيل. إلا أنهم متمسكون بالمستحيل، متمسكون بالوهم الجميل.

مشت وسط الفلاحين وكأنها قد شيعت لتوها نعشها إلى مثواه الأخير. افتقدت أبناءها وقد أدركت يقينا أنها قد ضيعتهم. التفتت صوب الجبل تتصارع مع فيض أمومتها، تشم ريحهم مع نسمات المساء العليلة. تستوقف الزمن عله يسعفها ويعود أدراجه للوراء فتراهم ملء العين وملء القلب. لكن الزمن ليس له فؤاد، أما فؤادها فقد أصبح فارغا.

لم تعدم وسيلة للوصول إلى دار أبيها على تخوم المدينة. فمن شيم البدو إغاثة الملهوف وإرشاد الضال وإيصاله إلى بر الأمان.

عادت إلى حضن أسرتها. أسرة تسير وفق النسق العام للحركة التحررية منذ بزوغ فجرها الأول. لم تحد عن مبادئها، لم تهن ولم تضعف. اندمجت في بوتقة النضال السري، فهي لا تقل شأنا عن حسيبة بن بوعلي التي استشهدت ولا عن جميلة بوحيرد التي تواجه الإعدام ولاعن زهرة ظريف والأخريات اللواتي يقبعن خلف قضبان سجون الاحتلال.

كرست نفسها للنضال يحدوها الأمل في العثور على فلذات كبدها المندمل. مرت الأيام والأشهر ثقيلة وهي تترصد أخبارهم وتتصيد من يدلها على أراضيهم، إلا أنها فشلت في إيجاد بصيص أمل يرأب صدعها ويطفئ حرائقها ويحضن رمادها وينير زوايا نفسها المفجوعة.

رحل بهم والدهم عن الديار المألوفة، المحروقة، المشرد أهلها، ولا أحد يعلم أين سكن بهم. النسيان شكل من أشكال الحرية، لكن ذكرياتها عصية على النسيان، ذكرياتها توقف عندها الزمان. حري بك يا زمان أن تتوقف وتخشع وتعتذر لامرأة من الجزائر.

دارت الأيام دورتها وطلع صبح الذل على فرنسا، فبدأت تلملم نفسها للرحيل دون رجعة. تلم معداتها وتشحن بواخرها. تجمع أبناءها وأتباعها وأذيالها وجواسيسها في محتشدات تهيؤا لنقلهم عبر البحر كالزواحف يحملون معهم ما حصدوا من فتات الوهم. قوم عادون طاغون متواعدون مع الهزيمة. خرت جيوشهم وأساطيلهم أمام دمدمة حرب ضروس لم تعرف الهوادة ولا التخاذل.

لم يكن صاحبنا يتوقع نهاية مماثلة، لذا فقد أسقط في يده. هو الذي كان يحسب الخيانة مجدا تمنى لو أنه أحصي مع الذين استشهدوا دفاعا عن الجزائر التي لم يعد له مكان فيها. عليه أن يرحل إلى فرنسا، والأهم من ذلك أن يهرب أبناءه فلا شيء يضارع ما سيحدث في الغد، فلا ينتظره إلا الذل والنبذ، وقد ينتزعون أبناءه منه لو تعرفت زوجته وأنسباؤه على مكانه. سارع إلى أقرب محتشد. مكث فيه مع أبنائه في انتظار الترحيل إلى منفاه الجديد.

كانت ابنته الكبرى صاحبة الأربعة عشر ربيعا تشرف على رعاية إخوتها وتعتني بالخصوص بأخيها الأصغر منذ غياب أمها. في المحتشد، تولدت لديها فكرة الهروب، وعزيمة جادة في عدم مرافقة والدها إلى فرنسا. الأمل الذي طالما داعبها في اللحاق بأمها إلى بيت جدها بدأ يلح عليها أكثر.

في غفلة من عيني والدها حملت أخاها الأصغر وجمحت منفذة فكرتها المجنونة. وصلت إلى السياج الذي يحيط المحتشد، حفرت بيديها التراب محدثة منفذا تحته، سربت نفسها وأخاها منه إلى الفضاء الرحب. لمست تصاعدا في عزيمتها بعد نجاح خطوتها الأولى، وأيقنت أنها قادرة على إتمام خطتها. ضمت أخاها وراحت تجري مبتعدة متخفية عن أنظار لم تعرها اهتماما. خرجت إلى الطريق العام، استوقفت مركبة نقلتها إلى العنوان الذي تتوقع أن تجد فيه أمها.

على أنقاض النيران وإثر الأنواء، انجلى ليل طويل طويل على إشراقة نهار قرعت فيه الطبول ورفرفت فيه أعلام البشائر. عادت الطفلة الكبرى إلى حضن أمها تحمل لها رضيعها الذي كبر بسنة، هدية عيد الاستقلال، وتعتذر لها بقوة أن فشلت في إنقاذ أخويها الآخرين من التسفير إلى المنفى. احتضنت الأم طفليها وجلست تلملم شظايا فؤادها المشطور نصفين.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3256044

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC