مهند النابلسي - الأردن

مسوخ بشرية

مسوخ بشرية: خيال علمي ساخر

"إذا نحن لا نعلم إلى أين نريد الذهاب، كيف يمكن لنا أن نختار سبيلا دون آخر؟ مَـنْ مِــنْ رواد التكنو-علوم المعاصرين يعرف حق المعرفة إلى أين يريد الذهاب؟"

المفكر كاستورياديس (1)

مهند النابلسياستدعاه مديره، وبدأت نبضات قلبه بالتسارع وهو يسير في الدهاليز الرخامية، وتصاعد قلقه مع قرب وصوله لمكتب الرئيس، نظر اليه الرجل الستيني المتغضن الوجه من وراء نظارته الأنيقة، وكاد يخترقه بنظرات فاحصة ذكية باردة:

"ما الذي فعلته إذن يا مدير المشروع ؟ هل يستطيع أحد ان يخبرني بآخر صرعات عبقري الهندسة الورائية ؟ هل تعرف نتاج فعلتك المشينة ؟"

لم يجب مراد وبقيت علامات الدهشة والقلق بادية على وجهه، فتابع الرئيس التنفيذي بتعال وغطرسة:

"أنا سأقول لك بإسهاب ماذا فعلت، وسأبدأ بالمشكلة الأقل خطرا، لقد تكاثرت ذبابة الفاكهة التي صنعتها أو التي تلاعبت بشفرتها الوراثية، لقد تكاثرت بشكل رهيب وأصبحت تقتات على مزارع الفاكهة بسرعة رهيبة، فالذبابة الضئيلة أصبحت ذبابتين بفعل وجود بطنين لها، وازداد إزعاجها للسكان عندما ضاعفت جناحيها لأربعة أجنحة. كما اصبح من الصعب صيدها لسرعة طيرانها وارتفاعها السريع، وبدا وكأنها اكتسبت مقاومة خاصة لكافة انواع المبيدات الحشرية".

وهنا شعر مدير المشروع أنه بوضع دفاعي فأجاب بثقة:

"ولكنه بالحق ليس ذنبي سيدي، فقد كنت أجري أبحاثا أولية على كيفية تغيير الشفرة الجينية، فصنعت تلك الذبابة التجريبية، فنالت إعجاب مدير البحث والتطوير سيدي، فطلب على الفور إنتاج الف ذبابة مماثلة دفعة واحدة، وكنت قد حذرته سلفا من احتمال فقدان السيطرة على الذباب، فرفض بعنجهية وأجاب بحزم:

"أنت هنا يا مهندس الجينات لتنفذ التعليمات وليس لمناقشتها".

وقال لي بالحرف الواحد:

"أنت لا تعرف شيئا عن الوثوقية وكيفية التلاعب بها".

هكذا قال لي، إذن فقد فعلت تماما ما تريدون يا سيدي.

ولكن الرئيس التنفيذي المتعالي بادره باستهتار وكأنه لم يسمع شيئا، واستمر بنظراته النافذة أرفقها بضحكة معدنية، وتابع:

"ثم لننتقل للكارثة رقم 2: هل تعرف ماذا فعلت الكائنات البشرية التجريبية التي تلاعبت بجيناتها الوراثية، تلك الكائنات او لنقل المسوخ ذات الرأسين والأربعة أذرع، والتي تم بيعها باسعار طائلة لمصانع السيارات العالمية لتحل محل الروبوتات والعمالة العادية.

ثم استطرد المدير التنفيذي ساخرا وصوته يعلو:

"هل تعرف ماذا فعلت تلك الكائنات بخطوط الإنتاج أيها العالم والمهندس الفذ؟

وتصاعدت نبرته العصبية بشكل تصاعدي وبأسلوب مسرحي استعراضي:

صورة خيال علمي"أنا سأقول لك ماذا فعلت هذه المسوخ المضحكة: لقد قامت بتغيير أداءها الحركي ليتلاءم مع الزوائد الجديدة، فقلبت شكل وتصميم السيارة رأسا على عقب وبمبادرة ذاتية، وأنتجت ألف سيارة "مسخ "، أجل فالسيارة الجديدة تحولت بدورها لمسخ ميكانيكي مثل مخلوقاتك العجيبة، فقد أصبحت النافذة الأمامية محل الخلفية والعكس صحيح، كما تغير موقع لمبات الإنارة بشكل متعاكس أيضا، أما المقاعد فقد ركبت بطريقة عكسية هي الأخرى، فكيف سيتمكن أي سائق عادي أن يقود سيارة بهذا التصميم المشوه؟ وهناك تفاصيل أخرى لا اذكرها. أما سائقك الجديد الرائع هذا فهو اجتماعي للغاية لذا فهو لا يدير ظهره للركاب، وإنما يود دائما مواجهتهم وإسعادهم بثرثرة غريبة وقصص عجائبية. ولما لا وهو يملك رأسين أحدهما للتركيز على السواقة والآخر لموجهة الركاب وتسليتهم. نحن يا عزيزي نواجه هنا قضية تعويض تزيد عن البليون دولار على الأقل، فهل ستساعدنا من راتبك الشهري؟"

قال المدير التنفيذي ذلك بسخرية وحنق واضح. وتابع قائلا:

"كما أننا فقدنا مصداقيتنا تماما، فالنماذج البشرية الجديدة، كان المفروض أن تكون كنزا وموردا فريدا لشركة السيارات التي اشترتها، بوجود رغبة كاسحة لمنافسة صناعات السيارات الكورية واليابانية، وبعد شهر واحد من صفقة البيع، تحولت الفكرة الرائدة لكارثة حقيقية".

ولكن مدير المشروع المتهم تمالك نفسه واعترض قائلا:

"اسمح لي أن أوضح سيدي، فالتغيير الموضعي لمواقع المقاعد واللمبات هو في حقيقة الأمر شكلي وجمالي ولن يؤثر تماما على تصميم وميكانيك السيارة، أما طريقة جلوس "المسوخ" ومواجهتها للركاب فهي تقتصر عليهم فقط لفرادة شكلهم ولا تعني السائقين العاديين أبدا، كما أن الأهم هنا من وجهة نظري المتواضعة هو تسريع الإنتاج وتخفيض التكاليف. وأعتقد بالتأكيد انه تم تحقيق ذلك."

قاطعه المديرالتنفيذي مستهجنا ومتجاهلا رده:

"لم تنته القصة هنا، بل قام صنيعتك "فرانكشتاين"، صناعة السيارات الخارق، مدير المعمل العبقري، بالسخرية مني أمام أعضاء مجلس الإدارة، وكنت قد طلبت منه أن يوضح لي ما حدث بالضبط، فهل تعرف رده الوقح؟

"أنتم أيها البشر الأغبياء، لا تفهمون شيئا بالابتكار، فالسيارة الجديدة تصلح تماما للكائنات البشرية الجديدة".

وبالفعل فقد طلب إن نخرج لميدان العرض واستدعى على الفور عاملا برأسين وأربعة أذرع، وطلب منه قيادة احدى السيارات الجديدة، فقادها هذا الأخير بسرعة مذهلة وبمهارة فائقة وارتياح كبير. وعلق بثقة على تجربة القيادة:

"أين المشكلة إذن؟ لا ادري عن ماذا تتحدث؟"

"فقد افترض هذا المسخ العبقري أن هذه السيارات ستسوق لهذا النوع الجديد من "البشر" ، وعندما أبلغناه أنها ستسوق لبشر عاديين برأس وذراعين، أجاب "فرانكشتاين" المجنون هذا بإيماءة متغطرسة:

"إذن باشروا بصنع نماذج بشرية جديدة لهذه السيارات المبتكرة".

هذه كانت إجابته، وعندما أبلغته بأنها فقط مجرد نماذج تجريبية بشرية خلقت لأهداف صناعية مجدية، أجاب بعبارة غامضة:

"إنه صراع التقدم الارتقائي ضد قوى البهيمية والانحطاط ".

"هل تفهم شيئا من عبارته الفلسفية الغامضة هذه؟"

واستطرد المدير التنفيذي قائلا والرعب يتملكه:

ثم اقترب مني هامسا ومهددا بحنق:

"سأدخل داخل جسدك كذبابة وأرى جسدك من داخله".

وبدا عندئذ كمشعوذ قديم وهو يتفوه بهذه الجملة السحرية المرعبة، ولكني وللخوف الشديد الذي تملكني عندئذ نسيت أن أسأله بفضول ساخر: "وهل ستكون يا ترى ذبابة عادية ام معدلة جينيا؟" ثم غادر "فرانكشتاين" القاعة غاضبا وتعلو وجهه نظرات امتعاض واشمئزاز، ولطم الباب الحديدي خلفه وكأنه يصفعنا في وجوهنا.

لكن المدير التنفيذي أصر على عناده وسخريته اللاذعة متجاهلا حجج ومنطق مدير المشروع المسكين، فخاطبه بحنق لافت وبصوت معدني هستيري ساخر:

"والآن بماذا ستنصحنا أيها العبقري المفرط الذكاء، وقد تحول تلاعبك الجيني لكابوس كارثي حقيقي".

استيقظ مراد يتصبب عرقا ويرتج مرعوبا، فسألته زوجته مستفسرة، فأخبرها القصة باختصار، فأجابت بلا تردد:

"انها الهندرة والوثوقية والجينات وعلوم الوراثة ووحش البحيرة والعين الثالثة وكل الترهات التي تملأ عقلك البائس بها، والتي حولت حياتنا لجحيم هنا، وما يعنينا هذا الكلام نحن العرب ونحن لا نكاد نصنع دراجة، بل حتى ونسخر من اكتشافاتهم العلمية ومغامراتهم المذهلة. لقد أدخلتنا بترهاتك العلمية-الخيالية وبأبحاثك المجنونة لنفق مظلم طويل لن نخرج منه أبدا بعقول سليمة، وبدأت الكآبة تتسرب لأرواحنا البائسة، جل ما أريد أن أعود وبسرعة لحياتي الطبيعية الآمنة وأهلي وصديقاتي ورسوماتي، وأن يعود ولدي لمدارسهم أسوة بباقي الأطفال، وكفى، كفى".

ثم صرخت بحمق هيستيري:

"قلت كفى".

= = = = =

(1) كورنيلياس كاستورياديس (Cornelius Castoriadis) فيلسوف وناقد اجتماعي يوناني-فرنسي.


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3375782

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC