موسى إبراهيم أبو رياش - الأردن

قراءة في رواية شرفة العار

رواية "شرفة العار" لإبراهيم نصر الله: إدانة للجميع

محمد إبو رياشنجح إبراهيم نصر الله بأسلوبه الممتع السلس، وسرده المحكم المنطقي، في اقناع القارئ، أن لا يتردد في إدانة جرائم الشرف، التي ينفي عنها إبراهيم نصر الله هذه الصفة بقوله: "الجريمة بلا شرف دائماً". ويقول في تصديره للرواية: "إن الأمر المفزع في كتابة رواية كهذه، هو أن تقوم بكتابتها في الوقت الذي تتساقط فيه الضحايا حولك!" ويضيف: "لقد أتيح لي أن أطلع، قبل كتابة هذه الرواية، على تفاصيل أكثر من خمسين (جريمة شرف)، وقراءة كثير من اعترافات القتلة، وقراءة كثير من المحاضر والرسائل التي أرسلتها الضحايا إلى أهلهن، يطلبن غفرانهم! لكن الرسائل التي يحملها بريد الدم لا تصل أبداً"( ص 5).

إبراهيم نصر اللهتتناول الرواية قصة رئيسة لفتاة، منار، لا ذنب لها إلا أن وقعت فريسة لشاب، يونس، اغتصبها بالقوة والتهديد؛ انتقاماً من أخيها أمين، الذي رفض أن يسدد له ديونه. وبدلاً من أن يداوي المجتمع جراحها، ويقف إلى جانبها ويواسيها، ويبحث عن المجرم، تكالب عليها الجميع بالإدانة والاستنكار، باعتبارها مجرمة، تجاوزت الخطوط الحمراء.

وبدلاً من أن تحميها الدولة، وتقبض على المجرم، وضعتها في السجن، فريسة لوحوش وظروف ربما تكون أسوأ. وكانت خاتمتها خطة محكمة، أخرجتها من السجن، ثم قتلتها بيد أخ فاسد متهتك، كان السبب المباشر في كل ما جرى لها، وهو المؤتمن عليها، وخاصة في ظروف عجز والده.

الرواية بشكل عام إدانة للجميع، فالكل شريك في الجريمة، والكل مدان، والكل يتحمل جزءاً من المسؤولية، فجريمة الشرف جريمة مجتمعية، لأنها ترتكب بضغط مجتمعي، أي ترتكب لسواد عيون الآخرين، بغض النظر عن قناعة من يرتكبها.

فهي إدانة للأب، الذي أسبغ على ابنته الوحيدة منار حمايته، فشرنقتها وعشت عينهيا عن حقيقة المجتمع، فخرجت ساذجة بسيطة بريئة. وإدانة له أيضاً عندما وقف عاجزاً لا رأي له ولا كلمة في مشكلتها، وتركها للأيدي تتخاطفها بين طبيب وداية وسجن وأخ وكفيل، دون أي تدخل منه ولو بكلمة. وربما كان لصوته أثر كما كان مؤثراً من قبل الاغتصاب، يوم أن وقف في وجه العم والأخ لصالحها. ولعل مرد ذلك خضوعه لقيم المجتمع الضاغطة.

إدانة للأخ أمين الفاسد، الذي سرق وزنا وسكر وارتاد الملاهي والخمارات، ثم يحاسب أخته الضحية على جريمة لم تقترفها، ولا ذنب لها فيها، بل الذنب ذنبه، وهو المتسبب الأول فيما حدث، فلولا مشكلته مع يونس لما انتقم منه في شرف أخته.

إدانة ليونس، الذي كان يتصنع الملائكية، ثم كشف عن شيطان رجيم لحظة انتقم من أمين باغتصاب أخته منار، ولو كان رجلاً لاقتص ممن آذاه وخدعه وهضم حقه، ولكنها النذالة والخسة لشاب فقد كل قيم الرجولة والإنسانية والشرف. فما ذنب فتاة بريئة بما فعله أخوها؟

إدانة للضحية منار، فقد كان عليها أن تشك بكثرة المصادفات بتواجد يونس بسيارته التاكسي. وعندما خدعها وجب عليها أن تكون لبؤة شرسة مهما كانت النتيجة، في مجتمع يرى الموت أهون من الاغتصاب. وبدلاً من تلجأ إلى والدها أو والدتها منذ البداية، سكتت خوفاً وعجزاً حتى افتضح أمرها، ولم تعد قادرة على الكتمان أكثر.

إدانة للعم سالم، المحرض والمخطط لغسل العار وقتل منار؛ استجابة لقيم مجتمعية بالية. وهو الشخصية المتخلفة الذي يمانع كل تطور وتجديد. ولكنه ربما حسداً من أخية وانتقاماً منه، ومن ابنته، يوم رفض أبو الأمين تزويج منار لسالم، ابن أخيه، وإلا ما معنى هذا الاحتداد والإصرار على قتل منار ووضع الراية السوداء، ومن ثم التخطيط الخبيث المحكم لاستدراج منار وقتلها، بعد خداع الشرطة والكفيل وعبدالرؤوف ومنار، وإكراه الأم المكلومة بالمشاركة في استدراج منار.

إدانة لعصام الذي فرط بمنار بسهولة، وتركها تركب مع يونس، وهو يشعر في قرارة نفسه بالشك نحوه، ولم يسارع من قبل لخطبتها، خوفاً من كلمة لا، التي يتوقعها لأنه لا يعمل.

إدانة لنبيلة التي ابتعلت هزيمتها، وخطبت لزوجها الخائن تمام التي خانها معها، ورقصت على جراحها، وفي ذلك إقرار لفعلته وجريمته، بدلاً من أن تخلعه وتتركه دون رجعة بعد أن تفضحه وتفضح سلوكياته.

إدانة لتمام، زوجة أمين الثانية، وصاحبته في الخطيئة من قبل، التي كشفت سر منار لأخيها ساعة غضب، وحاولت التكفير عن ذنبها بزيارة منار في السجن. وللمفارقة فإنه يوم كشفت علاقتها مع أمين، تزوجها أمين بسرعة، كأن شيئاً لم يحدث. وكأن من يقترف الخطيئة برضاه لا يعاقب، بينما من يكون ضحية مكرهاً كمنار، لا بد من التخلص منه غسلاً للعار.

إدانة لأم أمين التي خضعت للقتلة، واستدرجت ابنتها إلى حتفها. ولو كانت قريبة لابنتها من قبل، لأفضت إليها بسرها، وعولجت مشكلتها مبكراً.

إدانة للجارة التي هتكت ستر جيرانها عندما علمت به مصادفة، وأذاعت النبأ بسرعة البرق. ولو كانت تعرف حق جيرانها لأغلقت فمها، ودعت لهم بالستر، ولكنها شهوة النميمة وعلك سمعة الآخرين.

إدانة لأهل الحي الذي يتخذ مآسي الآخرين مادة للتسلية وطق الحنك والتشفي. وكأنما هم في منأى للأبد مما حدث، ولو عقلوا لسكتوا ليحميهم الله ويحفظ لهم بناتهم وأولادهم.

إدانة للأخ البخيل عبد الرؤوف الذي تخلى عن أسرته ووالده العاجز، وتركهم للضياع والفقر والعوز.

إدانة للطبيب الذي لا مانع عنده أن يجري عملية الإجهاض، مستغلاً ظرف منار لطلب مبلغ كبير، وعندما تحضر المبلغ بعد عناء، يعتذر بحجة وجود شهود، قد يورطونه، أي أنه يمتنع خوفاً لا خلقاً أو ضميراً.

إدانة للأخ الذي يعتدي على براءة أخته الطفلة تغريد مستغلاً سلطته الذكورية بعد وفاة الأب، ثم يقتلها بداعي الشرف بعد أن اغتصبها مراراً، عندما تجرأت وأخبرت والدتها بما فعل.

إدانة للقانون الظالم الذي يساوي بين الضحية والجلاد. بل ويحابي الجلاد، ويخفف جريمته بذرائع لم تعد مقبولة، وخاصة عندما تكون الفتاة مكره مجبرة.

إدانة للقانون الذي يضع الضحية في السجن حماية لها، فتقع ضحية لظلم جديد وشراسة أشد، ومعاملة سيئة.

إدانة للقانون الذي يترك الجاني طليقاً، بحجة أنه فار من وجه العدالة، أو لا يعرف له عنواناً، ولو كان مطلوباً لغير هذه الجريمة ربما طورد بمئات من رجال الشرطة.

إدانة لبعض ضعاف النفوس من الشرطة الذين يستغلون السجينات للتلذذ بقصص الاغتصاب البشعة المؤلمة بذريعة إعادة التحقيق.

إدانة للسجانات اللواتي لا يتعاملن مع مشاكل السجينات كما يجب، ويتركن شريعة الغاب تسود في المهاجع، مع أنهن موجودات في مراكز إصلاح، يفترض أن توفر أفضل وسائل الإصلاح والإرشاد والدعم النفسي، خاصة وأن معظم المقيمات في السجن لسن مذنبات، وإنما وضعن فيه حماية لهن من ذويهن.

إدانة للمجتمع الذي يتسامح مع الذكر إن ارتكب الخطيئة عامداً متعمداً مصراً، ويثور على الفتاة وإن كانت فريسة لوحوش آدمية قذرة. ولا يرضى بأقل من قتل الفتاة مسحاً للعار، بغض النظر عن وضع الفتاة، أكانت برضاها أم مجبرة. فهو مجتمع مصاب بالعمى وفقدان البوصلة لا يفرق بين الحالتين.

وهي إدانة للأمة كلها، التي ترزح تحت تراكمات من العار، ولا تفعل شيئاً. يقول الناقد الدكتور موسى الأزرعي:

"إن المؤلف صور حالات من الضحايا اللواتي سقطن بأيدي الأهل الذين يحرصون على غسل العار، في حين يتناسون العار الأكبر والمخازي التي يغرقون بها دون أن تشكل عقدة لهم في إشارة إلى النكسات السياسية والحضارية التي تعاني منها الأمة."

وبعد، فإن رواية "شرفة العار" تبقى صرخة مدوية، قد لا يكون لها تأثير فوري مباشر، لأن "جرائم الشرف" جرائم مجتمعية مرتبطة بمجتمعات غير مستقرة، مخلخلة، لا هوية واضحة لها، تسود فيها شريعة الغاب، على الرغم من ألوف القوانين الموجودة. ولكنها بالتأكيد إضافة نوعية ضمن تيار الوعي الذي يلامس العقل والوجدان. ويسجل لصاحبها أنه صاحب موقف وقضية. ويكفيه أنه أدان بعمل إبداعي متميز وجرأة، جريمة لا سند قانوني أو شرعي أو إنساني لها، وإنما رجولة جوفاء، وشرف يحتاج إلى شرف.


غلاف رواية


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3110692

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC