إبراهيم قاسم يوسف - لبنان

السلاح زينة الرجال

حينما كانتْ حقوقُ المرأةِ مصانةً في العملِ مع الرجل جنباً إلى جنب في الحقلِ وعلى البيدر، أو في تدبيرِ شؤونِ المنزل من غسيلٍ لم يكنْ ماؤُه متوفراً في الصنابيرِ، وطبخٍ لم تكنْ نارُه على غازٍ أو كهرباء، وتربيةٍ للأطفال بقليلٍ من التَّفَرُّغِ والعناية، وكثيرٍ من المحبَّةِ والتضحيةِوالإيثار.

في تلكَ الأيام المُقيمة في الفكرِ والوجدان، كانَ سكَّانُ الأريافِ في الجبال وجلُّهم من الفلاحين الكادحين، يواجهون شظفَ العيش وقسوةَ الطقس وصعوبةَ العملِ في الأرض، بالشجاعةِ والهمَّةِ وحسنِ التدبير. يغتسلونَمرَّةً في الأسبوع على الأكثر في مياهِ الأنهارِ والينابيع، يَتَوَسّلون الدوابَ في أسفارِهم وتسْهيلِ شؤونهم في نَقْلِ المحاصيل، ويتحضَّرون جيداً للشتاء فيُعِدَّون له ما يكفي ويَزيد من الحطبِ ومختلفِ المؤن، يدَّخرونَها ضمانةً لحياتِهم حينما الحاجةُ لا تهون والبردُ لا يرحم.

يعيشونَ على البَرَكَة؛ يَحْمِلون قلوبَهم بين أيدِيهم بعيداً عن النوايا المُبَيَّتة والخداع، ومَطبَّاتِ الوثائق المكتوبة؛ والمؤسسات المصرفِيَّة والصكوك. الوعدُ بالشرف التزاماً بعهدٍ وقول؛ ووضعُ اليدِ على الشاربين أو تَحْييدِ "الجَنْبِيَّة" (1) من حسم النزاع، والتَّخَلي طوْعاً عن اللجوءِ إليها؛ كانَ كافياً للوفاء بالوعد والثبات على الموقف. ليَخْبو هذا البَريق بمرور الزمن والوهَةِ المال، فيتقزَّم ويخْتَفي من مَدَنِيَّةِ اليومِ وثقافة الحاضر معنى هذه العاداتِ البَدَوِيَّةِ النبيلة.

النَّخْوَةُ تعْصفُ في رؤوسِ الرجال عندما تدعو الحاجة من أجلِ المساعفةِ والانقاذ، والشِّئْمَةُ كانتْ ظاهرة وثيقة العلاقةِ بالمحافظةِ على المرأة وصيانةِ كرامتِها. بعضُ البيوتِ الطِّينِيَّةِ المنخفضة تطمرُها الثلوج، فتستنفرُ للنجدةِ أهلَ الحَمِيَّةِ والهِمَم من أبناءِ البلدةِ نساءً ورجالاً، أو يقضي البردُ على الناسِ ممَّن تخلَّفوا على طرقِ الجبال، وفي البالِ أمثلةٌ حيَّة عمَّنْ اُنْجِدوا أو ماتوا؛ ضحايا أو مُنْقِذِين.

لم يكنْ قد مضى على زواجِهما شهرانِ ولا يزيد، عندما رافقتْهُ زوجتُه "استكمالاً لشهرِ العسل"، في "نزهةٍ" قاما بها إلى أعالي "الجُرودِ" (2) المحيطةِ بالبلدة، سعياً وراءَ الحطب من جُذوعِ الملُّولِ والسنديان؛ فالشتاءُ قريبٌ والبردُ غزا الأوصالَ وتجاوزَ الكِسْوَةَ والأبواب. والزوجةُ انْتَهَتْ من إعدادِ مختَلَفِ المؤونةِ من الغذاء، وحاجتها من قشورِ الذرةِ والصبغةِ والصوف وقشٍ ينمو على ضفافِ الأنهار، تمهيداً لإعدادِ الصَّواني المُزَخْرَفة والمفارش والكِسْوَة الشّتَوِيَّة الدافئة، فلا تَهْدرُ وقتَها عَبَثاً في فصلِ الشتاء.

بارودةحملَ فأسَهُ وتَقَلَّدَ بندقيتَهُ تحسُّباً لصيدٍ يصادفُه. بارودَةٌ تُرْكِيَّةٌ من الطرازِ القديم مزدوجة الأستون، طويلة كالمدفع، تُذَخَّرُ حَشْواً باليدين، معيارٌ مُحدَّدٌ من البارُود يمكنُ تخطِّيه قليلاً لتأتيَ العبوةُ أكبر، والطلقةُ أقوى تقْذفُ "بالخُرْدُق" (3) إلى مسافةٍ أبعد، فيَنتشرُ في مساحةٍ واسعة ويحملُ معه حظاً أوفر في إصابة الهدف.

تُمَوَّنُ البندقيةُ بطلقتينِ اثنتين. الزّنادُ الامامي للأستونِ الأيمن والخلفي للأستونِ الأيسر، ولا تعملُ مَجْموعَةُ التّحَكّمِ بالقادِح عندَ الضَّغطِ على أحدِ الزنادين، ما لم يُرفعِ "الديكُ" (4) ويُفْصَلْ جهازُ الأمان. هذهالتفاصيلُ تُنْعِشُ خيالَ الصيادين، وتحْمِلُهم على المغالاةِ في الحديث عن عجائبِ أخبارِهم في الصيدِ والقنص.

حَصَلَ ما تَوَقّعَه الرجل؛ عندما انْطَلَقَ طائراً بسرعةِ البرق حجلٌ يصفِّقُ بجناحيه، عاجلَهُ بالطلقةِ الاُولى. هكذا تشهدُ زوجتُهُ فتقول: غَرَّدَ قلبي وتَوَلّتني الدَّهشة واعتزازٌ جارف ومَيْلٌ إلى الرقص حين أصابَهُ وبدأ في لمحِ البصر يتهاوى من علٍ كخرقةٍ تحمِلُها الرِّيح، ليقعً وسطَ صخورٍ شَعِثةٍ مسنَّنَة حادَّة الإنحدار صَعْبَة المسلكِ والبُلوغ.

كانَ يتوجَّهُ لالتقاطِه عبرَ الصُّخور عندما طارَ حجلٌ آخر، لعلَّه الشريكُ الثاني، فسدَّدَ ورماهُ كالقدر وأصابَه بالطّلقةِ الأخرى. للوهلةِ الاُولى احتارَ وارتبك أين يتوجَّهُ أولاً؟ لكنَّه سرعانَ ما قرَّرَ المتابعة لالتقاطِ الطريدةِ الاُولى، بعدما عاينَ بدقَّة موقعَ الحجلِ الآخر.

طائر الحجلفَشِلَتْ زوجتُه في المساعدةِ والوصولِ إلى أحدِ الحجلينِ لوعورةِ المكان، لكنَّ العريس تمكَّن في النهاية من العثورِ عليهما معاً، بعدما زَلَّت به قدمُهُ وشجَّ ركبتَه بصخرة تَعَثّرَ بها، وهو منهمكٌ في التفتيشِ عنِ الصَّيد. كانَ عليهما أن ينتظرا بعضَ الوقت والعروس تُضَمِّدُ جرحَه بقطعةِ قماشٍ مَزَّقَتْها من شّالِها حتّى تَجَمَّدَ الدَّمُ وتَوقّفَ النزيف، فاستأنفا جمعَ الحطبِ من جديد.

كذلك كانَتِ الحالُ مع "پانيول" في روايتِه الشهيرة "مُجْدُ أبي" (5)، عندما اصطادَ أبوهُ حجلين ملكِيَّيْنِ مُدهِشَيْن. مَنَعَ أوڠستين زوجتُهُ من العبثِ بهما وإعدادِهما للطعام قبلَ أن يختالَ مزهواً بهما، ليتفرَّجَ عليهِما مَنْ كانَ في البلدةِ والجوار.

هكذا عادَ العروسانِ عندَ العصر بحملينِ من الحطب وحجلينِ وجُرْحٍ وشالٍ شامِيٍّ مُمزّق. كلاهُما شَعَرَ بالاعتزازِ في عيونِ الآخر، هو اعتزَّ برجولتِه ومهارتِه في الصيد، فالسِّلاحُ زينةُ الرِّجالِ وعنوانُها الحقّ. سدَّد ورمى فأصاب والنشوةُ لا زالتْ تعصفُ في رأسِه وتُسْكِرُه وهي اعتزَّتْ بمن تزوَّجَت.

في المساء؛ أشعلا ناراً وجلسا يصطليان ويأكلانِ مما أعدَّتْه الزوجةُ مِنَ الحجلين، " كبَّةً شهيَّة " مشبعَةً بزيتِ الزيتون والرَّيحان. لم يبالِ بركبتِهِ المُصابة قريبةً من نارِ الموقد، وخيالُه يَشْتَعِلُ بالرَّغبةِ الغلاّبة ورائحة الأنثى بجانبه تفوحُ من جسدها البَضّ، ولونُ الوردِ يضجُّ خَجِلاً في وَجْنَتيها الجميلتين، وسعادة تفيضُ على وجهها المشرق، وتلوحُ في عينيها الدَّعْجاوين النّاعستين.

"هكذا، وبعد عُمْرٍ موغلٍ في الزمن؛ كانتِ العروسُ الجَدَّة التي احتفظتْ بعكَّازه وسلاحه حتَّى وافَتْها المنبّية، تَتَذَكَّرُ وتروي لأحفادِها حولَ الموقدِ إيَّاه، الشاهدِ على سعادتها، حِكايَةَ الجَد والحَجَلين والشال الشاميِّ الممزق".

تَوَرَّمَتْ ركبتُه في صباح اليوم التالي وأصابَها التهابٌ أهملَه أياماً وأسابيع، ولَجأ إلى التداوي بالأعشاب وكَمَّاداتٍ من ورق الجَوْز. ثمَّ عانى من مضاعفاتِ ما أصابه وَقْتاً طويلاً، وحين أعياه الشفاء بالوَصَفاتِ البلدِيَّةِ والأعشاب، لجأ إلى أوَّلِ الأطباءِ الوافدين إلى الإقليم، فأشرفَ على علاجِه طيلةَ عامٍ وبعض العام ولم يُشْفَ تماماً، فأصابَ رجلهُ عَرَجٌ ملحوظ أعاقَ نشاطه في حياته وعَرْقَلَ عليه كثيراً من مساعيه.

والدته، أُمُّ حْسَيْنْ، أعياها عمرُها "والإماتة" (6) التي فرضَتْها على نفسِها. ترمَّلتْ وتجاوَزَتْ عقْدَها السادس فكادت تبلغُ السبعين وقامتُها لم تنْحَنِ بعد. قاسية الملامح، خشنةَ الأصابعِ واليدين والطباع، حنطيَّةَ اللون، مرفوعةَ الجبين، أنفُها أقنى وعيناها العسليتان صغيرتان وحادَّتان كعيونِ الطّيورِ الجارحة، فيهِما تَصْميمٌ وعنفٌ وحِرْصٌ وتركيز وَتَحَفُّزٌ دائمٌ للدفاعِ عمَّا لها. يُزَيِّنُ وَجْهَها وشمٌ قديمٌ على الذّقن لِنَحْلَةٍ زَرْقاءَ بلونِ النِّيل.

ماتَ زوجُها وعمرُها لم يتعدَ العقودَ الأربعة. شيءٌ ما في داخلِها كان يفصلُها عمَّا زَيَّنَتْهُ لها الدُّنيا. بدا الأمر مهيناً لها. قَهَرَتْ رَغَباتِها وأقفلتْ في داخلِها على خسارةٍ دامية مسكونةٍ بالموتِ والغيبَة والحرمان.

قضى عليه البَرْدُ على طريقِ الجبال. أعادُوه إلى بيتِه في اليومِ التالي جثة تجمَّدَتْ بكاملِها، فحفروا له ودفنوه في ذات النهار. في تلك الليلة قالتْ في نفسِها: "قُضِيَ الأمر".

لكنَّ غريزةَ البقاء كانتِ الأقوى، فالأمرُ لم ينقضِ كما تَوَهَّمَتْ وحقُّها في العيش لم يَضِعْ، بلِ انتزعتْهُ عنوةً زمَنَ المجاعات، فاستثمرتْ تِرْكَتَهُ في الحقلِ والأتان، وشاركتِ القريةَ أعمالَ الحقولِ الأخرى في مواسمِ الرَّيّ والحصاد. وتعهدتِ ابنَها بالرعايةِ منذ الطفولة، وحين كَبُرَ عَمَّرَتْ له بيتاً وزَوَّجَتْهُ وفقَ قناعتِها؛ ثمَّ خَلَعَتْ ثوبِ الحداد.

تَعَوَّدَتْ في لباسِها بعدَ سَنَواتِ الحِداد الطويلة جلباباً فضفاضاً، من نمطٍ معيَّن ونسيجٍ واحدٍ لا يتغيَّر. داكناً بالِيَ اللون "وشَمْلَةً" (7) سوداء "تَعْصُبُ" بها رأسَها. تدَّخرُ مالَها في "كَمَرٍ" (8) من الجلدِ تَضَعُه في الليل تحت وِسادتِها، وفي النهار "تتزنَّرُ" به. تدقُّ بكفِّها عليه"لتُخَشْخِشَ" فيهِ النقودُ ويَسْمَعَها الطبيب، تحثُّه ليتقنَ عملَهُ قائلةً له بصيغةِ الأمر إنَّهُ لا يتَّسعُ لمزيدٍ مِنَ"المَجيدِيَّات" (9) التي ستكونُ بكاملِها من نصيبِه، إن هو تمكَّن أن يشفي ولدَها ويمشي على رجلِيه من جديد.

= = = = =

حواشي:

1= الجنبيَّة: اسمٌ يطلق على الخنجر في اليمن وعُـمـان وبعض بلاد الشام.

2= جرود: مفردها جُرْد، أعالي الجبال (عامية).

3= الخُرْدُقْ: قطعٌ كروية صغيرة من الرصاص (تركيَّة).

4= الدِّيك: الأداة المُعَدَّة لصدم الكبسولة على القادح في البندقيَّة، ولها شكل الديك.

5= هو الكاتب الفرنسي الشهير مرسيل پانيول (MarcelPagnol). عنوان الرواية بالفرنسية (La gloire de mon père).

6= الإماتة: من الطقوس المسيحية، في قهرِ النفسِ وإذلالها.

7= شَمْلَة: كِساءٌ واسع، تعصبُ به المرأةُ رأسَها، في الغالب لونُه أسود.

8= الكَمَرْ: حزامٌ جلديٌ عريض تُحْفَظُ فيه النقود (فارسيَّة).

9= المَجِيدِيَّات: نقودٌ فضِّيَّة، نسبةً إلى السلطان عبد المجيد، أحد سلاطينِ آل عثمان.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3102483

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC