ليلى هاني سويدان - فلسطين

عِطرُ الأوركيد

مضت فترة طويلة لم يطرق فيها باب ذاكرتي أحد سواك. كانت ذاكرتي مغلقة أمام الكثيرين، ولكن عندما سمعت اسمك فتح ذلك الباب. كان اسمك بمثابة ريح قوية لا تستأذن عندما تهز الأبواب.

في صباح ماطر لا أذكر منه شيئا كثيرا، كنت اجلس وحدي قرب النّافذة. كان المطر أكثر من الكلمات، والحنين مثل عاصفة يخلع قلبي من جذوره. كلّ شيء كان يشبهني. قطرات المطر حزينة مثلي. والريح الغاضبة التي كانت تكسّر الأغصان. كان غضبها يشبه غضبا نشب بين ذاكرة الحنين فيّ وحروف اسمك. حينها قررت أن أكتب، لأجل تلك الحروف التي منحتني الحزن المجانيّ الكبير الذي يكفي لترجمة تعاستي وغربتي في غرفتي، وقرب نافذتي وفي داخلي.

في ذلك الموسم الحافل بالمطر والدّموع، وفي كل مرة كنت أتحدث فيها معك. كنت تسألني: "صغيرتي، هل تشعرين بالبرد؟" فأجيبك بصدق طفلة وفرح عاشقة: "وكيف لي أن أشعر بالبرد وأنت قربي؟"

تبتسم وتتنهّد ثم تقول: "آه يا صغيرتي! متى ستكونين بقربي وفي دفء أحضاني؟ متى سأغلق عينيّ عليك وأستيقظ فأراك تهمسين في أذني: صباح الخير حبيبي؟"

وقرأت لي أبياتا كتبتها لأجلي، كانت بمثابة خنجر غرس في قلبي:

لطالما حلم بـــزهرة صعبة المنال

يؤمن بأنّ وجودها شيء محال

ولقياها أبعد من الجبال

أعطاه العمر فجأة زهرة دائمة الوصال

بعدها أمضينا دقائق قليلة صامتين. قلت لك: "أنا صعبة المنال، وشيء محال، وأبعد من الجبال، وزهرة دائمة الوصال؟ كيف لي أن أكون كل هذا وأنا الآن بقربك. أكون دائمة الوصال إن توّجتني أميرة على عرشك".

بدت على وجهك علامات الاستغراب والدّهشة وكأنّ أحدا صفعك على وجهك، وقلت: "يجب أن أراجع حساباتي".

تساءلت عن هذه الحسابات. هل أنا من ضمنها؟ وكيف أكون بندا في لائحة أمور يجب عليك إعادة النّظر فيها كما تقول؟

أجبت بأنّها مجرّد خوف من المستقبل القريب القادم، وأمور تعيق جوانب الارتباط الرسميّ بفتاة العمر.

فاجأني كل ذلك الكلام وتلك اللهجة، كنت أقرب ما تكون إلى رجل ينتظر تذكرة السّفر أو مديرا لحسابات في متجر ما، وأنا أقرب ما أكون إلى سلعة أو حقيبة سفر تنتظر التذكرة، فإمّا تبقى في الخزانة أو أن تسافر في نفس رحلتك.

أشعلت في نفسي حزنا كبيرا. بلّلني المطر والحبّ يومها فكيف اشتعل حزني بتلك السّرعة وذلك الصّمت القاسي؟

يا إلهي! كنّا معا ولم نكن، كيف يحدث هذا وأنا دوما معه، كالهواء والسّماء؟ أليس الحبّ أن نرى من يحبّنا معنا دوما؟ أليس الحبّ أن نشعر بأنّهم منّا ومعنا وفينا وحولنا؟

يومها، أذكر أنني لم أختر وجهة معيّنة. سلكت أكثر الطّرق في هذه المدينة الصّغيرة، ومشيت في الحدائق مثل عاشقة حزينة أضاعت وجه حبيبها. عدت في وقت متأخر من ذلك اليوم. كان النهار قدر رحل وفرحتي الأولى، وأضواء الشّوارع تنار واحدا تلو الآخر.

إنّه أولّ أيّام الحنين. يوم ماطر، وصوت كاظم الساهر وهو يغني حوارا مع النفس. البرد ينهش جسدي وأنا أهذي وأقول: "مالي عشقت السير في طرق الظنون، فإذا جنوني صار بعض تعقلي، وإذا بأفكاري يغلقها الجنون، أنا، أنا، أنا من أكون؟"

أقف هنا وأسأل نفسي: أنا، من أكون له؟ يا إلهي! ليس لديّ جواب على سؤالي. غصّة في القلب، توجعني وأوجعها. أسئلة كثيرة ولا إجابات.

بعد فترة من الزّمن ليست بطويلة، ولكن رغم قصرها كانت كلّ لحظة تمرّ وكأنّها دهر، بعثت لي برسالة كتبت فيها:

"لم جئت في هذا الوقت المتأخر من الحبّ؟ لم جئت الآن حاملة كل هذا الحنان وهذه الرقة؟ لم جئت بعد هذا العمر بعمرين؟ أين كنت قديما؟ كنت دوما أمامي ولم ألاحظك. ولم يخطر ببالي يوما أن يكون الحبّ قد اختارك شريكة لي في هذه المهمة المعقّدة، الحبّ. كنت أراقبك دون قصد منّي ودون معرفة مسبقة بأنّك حبيبتي التي ستأتي. كنت أحبّك في وقت لم أعرف فيه بأنّي أحبّك. أحبّك من قبل ومن بعد. ولكنّ الحبّ طرق بابي في وقت أغلقت فيه الباب وأحكمته، في وقت لم أصنعه كي أحبّ. ظروفي وكلّ شيء يحول بيني وبينك. أنت أميرة عرشي، توّجتك قديما وها أنا أتوجك مجددا، وحدك أميرتي. أريدك أنت تعلمي أنّي أحبك، وجدا. ولكن أعطني فرصة أكذب فيها على الحياة في وقت أقنعتها فيه بأنّ الحبّ مؤجلّ إلى إشعار آخر".

كنت أمامك، ولكنّ الفرصة لم تسمح لنا بلقاء سوى الآن، هذا ما أتاحه لنا القدر من الزمان كي نلتقي، وأنا أيضا أحبك، وسأنتظرك ولن أكون لأحد غيرك، لم ينته الحبّ إذا. أقول هذا لنفسي بصوت منخفض، ثمّ أطوي الرسالة وابتسم. ما زال المطر الغزير ينزف بشراهة، وأنا أهذي بأحرفي له.

في يوم حنين آخر سمعت صوتك لأول مرة بعد تلك الرسالة. أذكر أنّ ذلك كان في وقت متأخر من اللّيل، ذهبت بعيدا مع صوتك إلى ما وراء الأشياء، إلى ما هو أبعد وأبعد. غسل صوتك وكلامك قلبي من الحزن والتّعب كما تغسل القلوب من الخطايا، هل كان حزني وقتها خطيئة والتّوبة منه فرض؟

أيّ رجل أنت؟ تأتي في وقت كنت أعتقد فيه أنّ الحبّ قد انتهى وأنّه وقت الحداد. كنت أعتقد أنّ باب العشق قد أقفل ولن يفتح مرّة أخرى، وإذ بك تتركه مورابا لتعود فتفتحه لنا على مصراعيه.

كنت أعتقد أنّ الطريق بيني وبينك مليء بالحواجز، ولكن اكتشفت عكس ذلك.

زهور أوركيديوم جديد. كان المطر يهطل بغزارة، والسّعادة أيضا كانت تهطل بغزارة. استيقظت نشيطة وارتديت ملابسي. كنت أنيقة ذلك اليوم مثل قلبي الّذي عادته الحياة، فأنا على موعد عشق أنيق رسمته في خيالي. وضعت بعضا من عطر الأوركيد، ومضيت في طريقي إلى ذلك الموعد مع الذي أصبح صديقا لي.

يومها لم أختر سوى المكان، أمّا الوقت فكنت أجهله. ولم أكن أعلم أن القدر سيجعله ضيفا عزيزا يأتي متى يشاء ويذهب متى يشاء.

وأخيرا جاء، كان مفرطا في أناقته ووسامته، قبل وجنتيّ، عانقني كما تعانق قطرات المطر ذرّات الهواء.

حلمي توقف عند هذه اللحظات، وربع عمري مضى وأنا أنتظر هذا الحلم وذلك الموعد الخرافي. أصبحت تلك الهادئة الحنونة الصغيرة التي تملأ قلبها بأحاديث المساء وصوت الصباح، أحدّث نفسي كأنه هو من يحدثني، وأغني له أغاني العشق الحزين. لكنه يجعلني أفرح حينا، و يكسّر كل ما فيّ أحيانا.

بتّ أسأل نفسي: أي لعنة حلت عليّ وجردتني من طفولتي؟ كيف أتحول إلى امرأة تخلق موعدا للحبّ وتحدّد له مكانا أصبح على أهبّة الانتظار مثلي، أمّا زمانه فهو مجهول ورهن الصّدف والأقدار؟

لم يحن اللقاء بعد، انتظرته بين أفكاري وأحلامي ومصادفات الذاكرة التي لم أحظ بها سوى في كلماتي.

أصبحت أخاطب نفسي متى سترحل؟ متى سأتعرّى منك؟ هل سأهجر أقلامي وأبقى معك؟ ضجيج في قلبي وفي الذاكرة صخب مميت، متى سأشفى من موعد لم يأت بعد؟ أي ضيف أنت؟ أخفيف الظل أم ثقيل يجول في القلب والذاكرة؟

أحاول أن تكون ذلك الضيف الثقيل الذي لا شفاء منه ولكن لا أدري كيف؟ ربما أفشل، وربما أبقى أميرة أحلام في الذاكرة. تراءى الوهم، وخرجت الشمس، فركت عينيّ فوجدته أمامي. اعتقدت بأنّي كنت أحلم ولكنّها الحقيقة: هو أمامي. شدّني بقوّة إلى صدره، قبّل رأسي بحنان وقال لي: "أنت هي حبيبتي".

ابتسمت كطفلة. همس في أذني "أنت دلّوعتي"، ثمّ أمسك بيدي ورفعها إلى قلبه، شدّ عليها قليلا وقال لي: "أنت هنا، بين طيات هذا القلب".

ودّعته ومضيت إلى بيتي وانتظرت موعدا آخر، في يوم خرافيّ آخر، لمزيد من القبلات على قارعة الطريق، في نفس المكان الذي لا زمان له.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3257402

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC