مي العيسى - بريطانيا

ترجمة: درب الآلام

أدناه مقتطف مترجم من مسرحية عنوانها "درب الآلام". المسرحية يؤديها ممثل واحد. كتبها ومثلها ديفد هير. أخرجها ستيفن دالدري. عرضت في الثالث من أيلول (سبتمبر) 1993 في مسرح رويال كورت، لندن.

مي العيسىيوّد الجميع أن يعرف سبب وجودي هنا. وضمن الحديث أتطرق إلى القول إن لي مسرحية تُعرض في مسرح الكامري. "آه المسرح! المسرح! حسناً إذاً أنت تعرف بعض الأشخاص الأقحاح من اليساريين". ويقودنا خبر موعدي مع ابن مناحيم بيغن المشهور، بَنْي، للرجوع إلى موضوع رابين وزوجته لِيّا ("قبيحةٌ، قبيحةٌ جداً هذه المرأة لأن تُرى" يُعلّق أحدهم قاذفاً قذيفة مبكرّة) وهو وما عرفه عن اغتياله.

فُجأة، يتحوّل الجوّ إلى بُغضٍ تامّ. ويصيح رون زوج مريم العجوز بأنّ الجميع على علم ان القاتل قد رتّب له عميل محرّض من الحكومة ما قام به. فعملية الاغتيال بأكملها هي مؤامرة لتقويض الحزب اليميني والمستوطنين. وتصبح سارة مهذارة بالندّ "رون، رون، عليك أن لا تلفّ الحقائق. حدث وإن اتفقت مع نظريتك إلاّ أنّها لم تُثبت بعد".

ولكنّ رون يثور الآن حول كيفية عدم تمّكنك من الوثوق بأحد، ثمّة عملاء في كلّ مكان، لذا يقترح داني بلباقة أن نترك المكان. في الشارع بعد ذلك، يخبر داني زوجته أن تُهَدِّئ من روعها: "كوني هادئة عندما تتحدثين".

"أنا هادئة. هادئة جدّاً".

ولكنني قد تعلمت شيئاً مهماً، وهو أنّ لا شيء يُقلق المستوطنين أكثر من فكرة أن موت رابين هو خطأهم. فقتل قائد يهودي على يد يهودي ينقل صورة ساخرة لصميم معنى وجودهم. ولكن لا يملك مستوطنان استراتيجية واحدة كي يدحضها. لذا فهم يختارون ما يروق لهم مفككين الحدث بالقوّة النصّية ذاتها التي يطبقونها على التلمود. الشخص الأول: لم يكن بإمكان نتنياهو معرفة وجود العميل السرّي المزدوج في زحمة تلك الليلة لأن التقرير يخبرنا… الشخص الآخر: نعم، ولكنّ التقرير الرسمي ذاته قد حررته عناصر موالية لـ… وهكذا.

وفي الوقت نفسه، وبجانبي، سارة التي لا تنفكّ تفكيراً بسيرة رابين. "يا ديڤِد، عليك أن تفهم بأن رابين لم يأتِ من بيت محترم، لم يكن مخلصاً لزوجته لِيّا رغم أن الصحافة لا تخبرك بالطبع". وأُصدقكم القول، صرت الآن مُتعباً سَئماً قليلاً –فالجهل والفَزَع يُشكّلان تنويعة (كوكتيل) غير سعيدة- وعلى مائدة الغذاء أحاول أن أتجنب كلمات مِقداحة مثل رابين أو الإنجيل. ولكن في آخر الوجبة، نجلس على مقعد القضاء. تُفسّر إحدى بناتهم مقطعاً من نصٍّ إنجيليّ. تحكي لنا القصة الرئيسية –شيء ما حول شيخ جليل (بطريرك) عليه أن يذهب إلى مكان ما ليتزوج –وتُقدّم شخصيةً لفتاةٍ سنها يتراوح امّا ثلاث سنوات أو أربع عشرة. تقول: لم يتفق حاخامان على سنّها بتاتاً.

وبالحال يبدأ النقاش. تقول سارة، لا يمكن للبنت أن تكون في الثالثة من عمرها إذ أنها لاحقاً في القصة تُزوّد عشرة جِمال بالماء. "هل جرّبت في حياتك إرواء جمل؟ الدِلاء ثقيلة جداً ويحتاج كلّ جمل إلى أربعة دِلاء على الأقلّ. فكيف تتمكن ذات الثلاث سنوات من ذلك؟" وتقلّب ابنة أخرى عينيها بحركة تجاه السقف –هي غير المتدينة- ويصيح أحد الأبناء بأن البنت أنجبت أطفالاً: "هل لكِ أن تُخبريني بأنّ لها أطفالاً وهي في الثالثة"؟

وفُجأة يصرخ جميع من على المائدة، وأنا جالس باستغراب فقط –مستغرب بمعنى التعجّب- فلِمَ لا يطرأ لأحد إطلاقاً أن القصة قد تكون وبكلّ بساطة خطأ، قد يكون الراوي نقلها سهواً، ولكن لا، هذا الإنجيل، لذا يجب أن يكون صادقاً، ولذا فيجب أن يكون الخطأ خطأنا إن لم نفهمها ولذا نجلس هنا –هل بإمكاننا التوقف للحظة عن الصراخ رجاءً؟- لنتجادل فيما لو كان بإمكان فتاة في الثالثة حمل أربعين دلواً من الماء لإرواء جِمالها.

من يتحدث عن المستوطنين أحسن من بَني بيغن؟ بعد مضي عدة أيام، ها هو ينتظرني في الوقت المحدد في الكنيست في القُدْس في الكانتين ذي الجوّ الديمقراطي حيث بمقدور أناس مثلي ومثل سيغال وكيث أن يختلطوا بأمثاله من الأعضاء المنتخبين من البرلمان. وحين أبدأ بسؤاله عن نتنياهو، يتشنج. "ليس هذا ما تتحدث عنه هنا. أنت هنا لتتحدث عن الانتداب البريطاني". يُخرِج مفكرة إلكترونية وينقر بغضب على مفاتيحها. "أنظر. ديڤِد هَير: 2:15 الانتداب".

أبلعها بصعوبة وأقول إنّ فترة الحكم البريطاني تجذبني بالفعل، وفي إحدى المراحل أردتُ أن أبحث فيها ولكن ذلك –كيف أصوغها؟- أنا كاتب. لا أستطيع دائماً التنبؤ باهتماماتي. واهتماماتي قد تعمقت. لا يزال بيغن معبساً. هو رجلٌ نحيل، ذو سلوك يبدو نوعاً ما متواضعاً ومتحدياً في الوقت نفسه. عيناه سوداوان كالكاڤيار. "هو نزاع عائلي وأنا لا أتحدث عن العائلة أمام الغرباء". أقول لسوف يعينني لو أنه شرح لي السبب وراء ما تعنيه له الكثير: هذه الأراضي المستلبة. لماذا تسبب له معاهدة أوسلو هذه الإساءة القصوى والأذى العميق؟

يحدّق بي. ويقول إنه سيجيبني خلال التعليل الذي كان يحاول أن يفسره لمسألة رسالة بالعبرية القديمة الأسوأ تعقيداً والمدوّنة على حجرٍ طيني يعود إلى زمن هدم الهيكل الأول في 687 ق.م. وما قد جذب اهتمامه هو مدى التآلف المباشر الذي بدا مع الحجر الطيني. "كان بلغة كتاب الملوك (Book of Kings) وكتاب صامويل (Book of Samuel). الشعر النثري فيه أرقى قليلاً من الذي أتداول يومياً إلاّ انني شعرتُ بالراحة التامة معه. فعندما ذكَر الحصاد، بإمكاني رؤية الحصاد. أعرفُ المناخ. أعرف الرائحة والفصول. لقد قرأتُ كتباً عن هذا الحجر ولكنّه أكثر قرباً لي من أن يقرّبه أيّ غريب لي. هذا التقارب الذي أحسسته كان مثيراً للدهشة.

"أترى يا دَيڤِد ما تدعوه بعاطفة هذه الأماكن، هي بالنسبة لي، تأريخ شعبنا بعينه. في هذه الأماكن، نشعر بأن هذه هي إسرائيل، هذه نحن. معظم الأمور الهامة في التاريخ اليهودي دارت أحداثها على مدى عشرين ميلاً من القُدْس. حتى اننا نتمكن من معرفة الصخر الذي حارب داوود عليه قدماء الفلسطينيين (Philistines) وذاك المكان حيث بشّر فيه آيموس[1] (Amos). من اللامعقول أن نُحرم من حقنا في العيش هنا والسير هنا، من أن نوجد حيث حكم ملوكنا وقضاتنا والأهم من هذا كلّه أن نسير في منحدرات التلال حيث استُنبأ أنبياؤنا. هذه لنا لأنها نحن. نصاب بالشلل بدونها".

أقول نعم، أتفهم هذا –هذا التوق، هذا التوق الروحاني ذو الألفي سنة للعودة إلى الديار- إلاّ أن وقتي الذي أمضيته في المستعمرات عكّر [تفكيري]. فقد قابلت أناساً يختارون الخطر، يختارون العيش في منطقة الخطر بل ويرفضون التغلب على هذا الخطر عن طريق مفاوضة أنفسهم للخروج منه. أليس هذا ضربا من الجنون، العيش دون إدراك للمستقبل؟ "أن تعني أن نترك الأرض، فلا. ولطالما حذّرت "أعط الأرض ولن تحصل على سلام. لن تحصل على الأمان".

كان الناس يقولون، حسناً، هي مقامرة تستأهل الدخول فيها. والآن ليَروا النتائج. قُتل مئتان وستون شخصاً منذ أوسلو وجُرح الآلاف، كلّ هذا لأننا كيّفنا أنفسنا مع حلفاء من الإرهابيين والسفّاحين كلما وهبتَ أراضٍ أكثر يزداد الإرهاب. كلّ هكتار تُسلمه لمنظمة التحرير الفلسطينية أو الجهاد الإسلامي يصبح حصناً حصيناً لهم. ما يتوجب علينا مواجهته هي الاحتمالية المشؤومة لتشجيع دولة إرهابية تجاورنا تماماً.

"عندما ترى جائزة نوبل للسلام مُدّبسة على صدر رجل لم تزل خرائطه لا تُصوِّر دولة إسرائيل، تعلم حينها لا شيء تستطيع عمله. فالضبع لا يُغيّر بقعه". أقول: هذا جنون. أين الأمل؟ أين الطريق قُدُماً؟ "الأمل الوحيد الآن" -يرتشف قهوته- "هو تضييع الوقت. لا يمكن أن يكون عرفات هو الحلّ على الإطلاق لأنه سيكون المشكلة دائماً. وما دام جيراني العرب يختارونه، فليس ثمّة أمل بأي شكل من الأشكال".

"يعلم الناس هذا. يعلمونه ولكنهم لا يودون مواجهته. يحومون حوله قائلين "إيه، كم ستكون الأمور مُرضية لو انحلّت بطريقة ما"؟ يعرفون الحقائق بيد انهم يرفضون طرح الاستنتاج. لن يحقق شيئاً".

فاجأنا بيغن جميعاً وخذلنا في الوقت نفسه بتضلعه الثقافي وبتشاؤمه المعقّد المُثبِط للهمّة. وقد دخلتْ سيغال بحالة من حالات الصمت كما لو أن جهد الإنصات دون المقاطعة قد أثبط من عزيمتها. وأمّا كِيث فلم يعد قادراً على السيطرة على نفسه. فالفصاحة الإسرائيلية تُذّكرة دائماً باليانصيب. يدور كِلاهما حول الأرقام. يقول: لاحظ الذبذبات التي معها 48"، 67"، 73"، و93" تستمرّ بالظهور.

بالطبع انّ بهجة كِيث قد يعود سببها إلى أن هذا اليوم هو اليوم الذي سيخلص فيه مني. إذ حالما أعبر من إسرائيل يجب أن أحصل على متعهدين جُدد من القنصلية البريطانية حيث ننتوجّه اليوم نحو الجنوب عبر إيريز (Erez) منطقة العبور إلى غزّة.

لا شيء يهيؤك لصدمة العبور. لقد ذكر أحد الكتّاب ان السياقة من إسرائيل إلى قطّاع غزّة كأنّها الانتقال من كاليفورنيا إلى بنغلادش. إذ أنك تعتاد أشدّ الاعتياد على الطرق السريعة الواسعة وسهولة الانسياق في إسرائيل حتى انّ منظر الغبار، الغبار المفاجيء، زوبعة بُنّية كبيرة فظيعة من الأوساخ الخالصة، لا شيء سواها، ينذرك بحقيقة انك على أبواب مجتمع يكسب شعبه ثُمن بالمائة بالضبط من نقيضها من الأرقام التي تكسبها إسرائيل.

بدأتُ وكِيث الرحلة على أقدامنا عابرين القطاع الكونكريتي الذي يفصل البلدين. لوهلة بدا وكأنّه فيلماً من أفلام جون لُوْ كارَيْه (John Le Carré)، حين حملنا حقائبنا مارّين محاذاة الأبراج المسلحة حتى الطريق الفسيح الخالي. وتماماً وفي منتصف الطريق، كما في الأفلام، أُمسَك، وأُلقى في سيارةٍ تنتظرني لأُساق فيها سريعاً، لكن، عليّ أن أعترف من قِبَل فتاتين ودودتين انگليزيتين.

سبب هذه العُجالة، كما تبيّن، أن سوزانا وپولين، البديلتان الجديدتان، قالتا لي توّاً انني في غضون عشرين دقيقة سأقابل حيدر عبد الشافي. وهو أكثر السياسيين شعبية في غزّة، وانه لشيء من الغموض يُكنِّفُ موافقته لقائي إذ انه لا يرى أحداً. تملؤني هذه الأخبار بالذعر الذي هو ببساطة تامة استعماري النزعة. فلشهورٍ ترّكز فكري على إسرائيل وإسرائيل فقط. والآن أندفع نحو التمييز الفذّ لأكون في مقابلة رسمية مع أحد أهم الساسة الموّقرين، وأنا، أكاد لا أعرف شيئاً.

= = = = =

[1] نبي يهودي عاش في القرن الثامن قبل الميلاد (المصدر: إنكارتا أون لاين).


موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3435134

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC