إبراهيم قاسم يوسف - لبنان

مغال في قناعته ج2

تركنا دار البلديّة وأكملنا طريقنا في محاذاة البحيرة باتجاه ريڤا، عبر أنفاق كانت تستخدم مصانعاً للأسلحة والذخيرة إبان الحرب العالمية الثانية، حولوها بعدما انتفتِ الحاجة إليها طريقاً تساعد على سهولة المرور في منطقة تكثر فيها الثلوج. والأنفاق المتقطعة هذه تحاذي البحيرة لبعض الكيلو مترات؛ ثم تمتدُّ طريقاً ساحلية مكشوفة يبلغ مداها ما يزيد عن خمسين كيلو متراً، تفصل سيرميوني السياحية في أقصى جنوب البحيرة عن ريڤا المدينة السياحية بامتياز في أقصى شمالها، أما عرض البحيرة فلا يتعدى الخمسة عشر كيلو متراً وعمقها لا يزيد عن ثلاثمئة متر، وتستخدم للتجارة ونقل البضائع بين سائر المدن على ضفاف البحيرة.

أما السياحة وهواية التزلج والطيران الشراعي فوق المياه فشأن مختلف ومنظرٌ أخّآذ يحمل على المتعة، ومراقبة المظلات الملونة تتأرجح بالهواة؛ وتتمايل عند الهبوط.

كنا في بداية الطريق حينما تلقى اتصالاً هاتفياً من مشفى بارباراونو في الجوار. كانت المتحدثة باربرا طبيبة نسائية تعمل في المشفى، دعته إلى زيارتها، وأصرَّت بإلحاح حينما علمت أنني برفقته وهي لا تعرفني. توسمتُ خيراً بالزيارة فقلت في نفسي ومَنَّيْتُها مرَّةً أخرى، أن يكون بينهما علاقة عاطفية. وتريد "كنَّتي" من وراء إصرارها على الزيارة أن تتعرف إلي.

حين سألني عن رأي في الزيارة، قلت له: ربما كانت الزيارة أفضل ما دام متأهباً لنداء المشفى في كل وقت، ولا ينبغي أن يتعدى بُعْدَهُ مسافة عشرة كيلو مترات كحدٍ أقصى. هكذا أجَّلنا مشوارنا إلى ريڤا، واكتفينا بزيارة باربرا في مكتبها بالمشفى.

في باحة المشفى؛ أذهلتني شجرة "بطم" دهريَّةٍ، كيف أطاحت بها عاصفة الليالي الماضية واقتلعتها من جذورها، ورمت بها ليس بعيداُ من المدخل، لتعرقلَ العبورَ إلى المشفى من الباب العام، وكان فريق من البلدية بثياب "الأورانج"؛ مجهزاً برافعة عملاقة ومنشار آلي؛ يتحضر لرفعها وإزاحتها عن المدخل وشحنها بعيداً.

قالت باربرا بعد تمهيد قصير، إنها من مدينة بريشا، عاصمة الإقليم وأكبر مدينة فيه، وإن أهل البلاد هنا لا يحبون أبناء هذه المدينة كما قالتْ، لثرائهم وسعة عيشهم، ومصالحهم التي تحكم علاقتهم بالآخرين. قلت لها ممازحاً بابتسام، وابني من يتولى ترجمة ما أقول: ما من سبب يحملني على الإحساس المماثل بالعداوة معها، ما دامت مصالحنا مختلفة متباعدة. وليس ما يحول بيني وبين الإعجاب باستقبالها وحسن ضيافتها، في زيارة عفوية قصيرة جمعتني بها. ولا مبرر على الإطلاق للإحساس بالسلبية معها، ما دمت لا أنتسب إلى هذه البلاد ولا أشعر بالغضاضة إزاءها ولا الحسد منها، وأطريت جمال وجهها وفتنة عينيها الملونتين، وقلتُ لها: من كانت عيناه تشبهان عيني "أم السيد المسيح عليهما السلام"، كما عبَّر عنهما الكثير من الرسامين في أوروبا كلها، فدخيلته لن تقلَّ عن جمال وجهه وعينيه، ناهيكَ عن أنف مرتفع يشير إلى نزعة "بورجوازية" كتمتُ وصفه في نفسي.

انفرجت أساريرها على وسعها، حينما صارحتها بجمال وجهها وعينيها. ثم انفلتتْ بلباقة وغيَّرتْ مجرى الحديث وسألتني إن كنت زرتُ ضفافَ البحيرة وإن كانت أعجبتني. وأجبتها: إن جمال إيطاليا هبة مميزة منحها الله لهذه البلاد الساحرة. لكن الناس والتطلع في وجوههم هو ما يعنيني قبل البحيرة وجمال الطبيعة، وانفرجت أساريرها بالشكر والرضى مرة أخرى. الحق؛ لستُ خبيراً في طبائع النساء فأنا لم أعرفِ المرأة في حياتي، إلاّ في واحات قليلة. لكنني تمكنتُ من التأثير في مشاعرها.

كنا نحتسي الكابوتشينو، (هذه المفردة أيضاً كنتُ أعرفها قبل السفر)، وكنتُ أجلس على مقعدٍ مسندُ ظهرِه مرنٌ ومربك، يستجيب تلقائياً لحركة الجسم كالنابض الردَّاد، يحنُّ أو يرتخي تحت الظهر فيخيل لمن يجلس عليه أنه يكاد ينقلب إلى الوراء، أو يدفع الجسم بكليته عند الانحراف أو الميل إلى الأمام. لاحظتْ باربرا ارتباكي في جلستي، وسألتِ ابني إن كان الكرسي يزعجني، وأجبتُه: وفقاً لمبدأ نيوتن فينبغي للكرسي أن يكون مريحاً.

استوقفها الاسم وسألتْ ما علاقة نيوتن بالموضوع؟ وأجبت ابني هذه المرة بالفرنسية مباشرة فقلت له:

(Toute action a une réaction égale et opposée)

وقصدت بذلك قانون نيوتن الذي يقول: "كلُّ عملٍ له ردُّ فعلٍ مساوٍ ومعاكسٍ له". وبناءً عليه، فينبغي للكرسي أن يكون مريحاً إلى أقصى الحدود. ثم سألتني إن كنت أعرف أي جزءٍ هذا من نظرية نيوتن؟ وأجبتها: هي نظريته الثالثة. لكنني سألتها بدوري إن كانت تعرف نظريتيه الباقيتين؟

أبدت أسفها لأنها لا تتذكر الكثير عن "ميكانيكيا" الحركة، ولو أن أباها كان مهندساً ناجحاً؛ يملكُ مصنعٍاً للتعدين، ساعدها في مادة الفيزياء، حينما كانت لا تزال على مقاعد الدراسة كما قالت. فاكتفيتُ بناءً على رغبتها، بشرح النظرية الأولى باختصار وحدود ما أسعفتني به الذاكرة.

غلبني الغرور والادِّعاء الكاذب بالتواضع، وشعرتُ بأنني الأقوى في المعادلة، فقلت لها بابتسامة لا تخلو من المكر والشماتة والاستفزاز المبطن: تَحَدَّثْنا عن نيوتن وقتاً طويلا، ونيوتن هذا ليس إيطاليا، وليس لكِ أن تفخري بِجمال شَعْرٍ مستعار، أو تسريحةِ إحدى صديقاتك.

قلتُ ما قلت؛ إمعاناً في التورية وفي محاولة مبيتة لاستدراجها واستفزازها، فلا يكون نيوتن سبباً في اعتزازها والتعصب له ولنظريته على حسابنا، نحن الشعوب المضطهدة المقهورة، التي أذلها الغرب واغتصب أرضها، واستعمرها وأكل خيراتها. لكنها لم تقع في الشرك؛ وأجابتني بسرعة خاطر ونشاطٍ ذهنيٍّ صاحٍ: لا أعتقد أولاً أن شعري مشعثٌ أو قبيح، أو يفتقر إلى العناية وحسن التسريح، كما لا يخفى عليّ أن نيوتن هذا إنكليزي وأنَّ غاليليو وپراندللو إيطاليان وأن ابن سينا عربي وپسكال فرنسي وأن العبقرية والنبوغ لا يقتصران على جنس وعرق ولون. هؤلاء جميعهم ملك البشرية قاطبة. وكان من الحماقة والوقاحة لو ذكَّرْتُها بموسوليني وهو يرمي في طفولته رواد الكنائس بالحجارة، وفي شبابه يستولد الفاشية والتطرف في دولة مفككة متداعية، أو بنيرون يوم أحرق روما وهو يستمتع بمنظر اللهيب والنار.

في سياق الحديث، سألتني عن أبرز المعالم السياحية عندنا، فحدثتها عن مغارة جعيتا وعن "الطوالع والنوازل" فيها (Stalagmites et stalactites)، وعن عمق يتجاوز بضعة عشرات الآلاف من الأمتار في بطن الجبل، تقطعها بالقارب في مياه مضاءة كما الأحلام، شديدة البرودة لا تتحملها اليد لأكثر من ثوان، وتنتهي الرحلة إلى الداخل بباحة فسيحة أقيمت فيها لمرات كثيرة حفلات موسيقية، استخدموا فيها الآلات النفخية فحسب، حَضَرَها آلاف المدعوين في جوٍّ كالأساطير، وتجنبتُ ما يسيء في الحديث عن المغارة حينما عاثت في تخريبها أيدي الميليشيات إبان الحرب الأهلية. ثمَّ حدَّثتها عن الأرز شاغل الدنيا ومالئ الكون كما يقول سعيد عقل، وعن حمانا وزيارة لامارتين لواديها، وعن شواطئنا التي تماديت بالكذب في الحديث عنها، فادعيت أنها نظيفة ترى حبة الرمل واضحة في أعماق مياهها.

في غفلة مني تركتني وانصرفتْ إلى الحديث مع ابني، فلم أفهم شيئاً مما دار بينهما. إلاَّ أن اسم أوريانا أثار فضولي حين تردَّدَ على لسانيهما عشرات المرات، مصحوباً بابتسام لا يخلو من الاستخفاف. وأوريانا هذه طبيبة عائلية واسعة العيون في طرفها حورٌ كأنها من عرق يمني، أو من تلك العيون الفاتنة التي وصفها يوماً ولم يَرَها بشارُ بن برد (1)، "والحق هذه المرة ربما كان على العرب وليس على الطليان".

أوريانا هذه كنتُ تعرفتُ إليها منذ أيام قليلة، وفهمتُ لاحقاً أنهما استغاباها في حديث تناولها بالنقد والتجريح لأنها تفتقر إلى الكفاءة اللازمة في مهنتها، حين خافت وأخفقت أن تعالج ابنها من حرارة ألمَّت به ليلا، فأدخلته المشفى ليشرف على علاجه طبيب آخر.

لم أصبرْ ونحن نتجاوز البابَ إلى الدرج في الطابق الأول، حتى بادرتُ ابني بالقول إن باربرا طبيبة جميلة حقاً؛ بل لطيفة وجذابة؛ متحدثة لبقة ذكية وغنيَّةٌ أيضاً، وجديرة بالتالي أن تكون زوجة مثالية له، فهل هي مرتبطة بزواج أو خطوبة أو غرام؟

أبديتُ حماسة كبيرة بالسؤال. لكنه خيَّبَ أملي، حين أجابني باستغراب لا يخلو من الدهشة والفتور: من أين له أن يعرف؟ وأنَّ الأمر لا يشْغله وثروتُها لا تعنيه، فابني مغالٍ في قناعته، "غاوٍ" للفقر، يفتش عنه في ضوءِ الفتيلةِ والسِّراج، وأنا بلغتُ من العمر ما بلغت، فلم أقرر، ولم أدرِ بعد، إن كان ابني يرضيني أم يتعبني. ولم أكتشف إن كان على حق أو كنتُ على باطل.

= = = = =

(1) يقول بشار بن برد، وكان أعمى:

إنَّ العيونَ التي في طرفِها حَوَر - - - قَتَلْننا ثم لم يُحْينَ قتلانا


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3224407

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC