علي سنوسي - الجزائر

تحديد النسب بالبصمة الوراثية

مدى حجية البصمة الوراثية في إثبات النسب: دراسة تأصيلية-قانونية

علي سنوسي مقدمة

إن موضوع النسب ومسألة إثباته موضوع خطير وحساس، يترتب عليه من نتائج خطيرة تؤثر على المجتمع وعلى العلاقات الاجتماعية؛ لذلك عملت الشريعة الإسلامية على حفظ الأنساب من الضياع والكذب والتزييف وجعلت ثبوت النسب حقا للولد يدفع به نفسه من الضياع وحقا لأمه تدرأ به عن نفسها الفضيحة والفحشاء وحقا لأبيه يحفظ به نسبه وولده له عن كل دنس وريبـــــــة وحتى تبنى الأسرة وتوجد القرابة على أساس متين يربط أفرادها رباط قوي متين من دم واحد وأصل مشترك.

ومعنى النسب هوإلحاق الولد (ذكر أو بنت) بأبيه وما يترتب على ذلك من الالتزامات بينهما من عطف الأب على الولد وتربيته وتعليمه حتى يبلغ أشده ومن احترام الولد للأب ورعايته في شيخوخته والتوريث فيما بينهما وكذلك حق الولد في حمل جنسية أبيه.

ولما كان نسب الولد من أمه ثابت في كل حالات الولادة شرعية أم غير شرعية فإن ثبوت أو نفي نسب الولد من أبيه لم يجعل المشرع له أسباباً إلا في حالات معينة ؛ وحالات النسب هي ثبوت النسب بالزواج وبالا قرار وبالبينة أو نفيه باللعان، أما في المجتمعات الغربية فهناك طرق حديثة يتم اللجوء إليها: مثل الزمرة الدموية أو في قياس عدد نطاف وحركته تركيزه واحدث، أما أحدث طريقة يتم اللجوء إليها في وقتنا الحاضر هي البصمة الوراثية ولان القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة قد حثتا على العلم والأخذ بكل مايثبته العقل والعلم وبالتالي يجب الأخذ بهذه الطريقة أيضا ونحن نفهم عدم ورود هذه الطريقة ضمن الطرق الواردة في الشريعة الإسلاميةللإثبات أو نفي النسب كون هذه الطريقة لم تكن معروفة في ذلك الوقت لا نه تم اكتشافه حديثاً وبالتالي ليس هناك مبرر في عدم الأخذ بها في وقتنا الحاضر بحجة عدم ذكرها في الشريعة الإسلامية.

والبصمة الوراثية هي إحدى نتائج علم الوراثة، وهوعلم جديد ظهر في بداية القرن وكان لا يزال في بعض الدول المختلفة فرعا من فروع علم التشريح في كليات الطب. وتعتبر مسألة البصمة الوراثية ومدى الاحتجاج بها من القضايا المستجدة التي اختلف فيها فقهاء العصر، وتنازعوا في المجالات التي يستفاد منها وتعتبر فيها حجة يعتمد عليها كليا أو جزئيا.

وقد شاع استعمال البصمة الوراثية في الدول الغربية وقبلت بها عدد من المحاكم الأوربية وبدأ الاعتماد عليها مؤخرا في البلدان الإسلامية ونسب أعمال الإجرام لأصحابها من خلالها في الشق الجنائي مع كونهم متحفظين على شقها في مجال النسب، لذا كان من الأمور المهمة للقضاة معرفة حقيقة البصمة الوراثية ومدى حجيتها في إثبات الأنساب وتمييز المجرمين وإقامة الحدود.

أولا: إثبات النسب بالبصمة الوراثية

وقبل أن أسهب في التعمق في كيفية إثبات النسب بالبصمة الوراثية قبلا علينا أن نحدد ماهية النسب لغةً واصطلاحاً حتى يتمكن القارئ من رصد الخطوط العريضة للموضوع:

النسب في اللغة: القرابة، وسميت القرابة نسباً لما بينهما من صلة واتصال، وأصله من قولهم نسبته إلي أبيه نسباً، ومن باب طلب، بمعني: عزوته إليه، وانتسب إليه: اعتزي.

التعريف الاصطلاحي:

تعريف العلامة البقري بقوله: هوالقرابة، والمراد بها الرحم، وهي لفظ يشمل كل من بينك وبينه قرابة، قربت أو بعدت، كانت من جهة الأب أو من جهة الأم[1]. وعرّفه صاحب العذب الفائض، بالقرابة أيضاً، ثم قال: وهي الاتصال بين إنسانين بالاشتراك في ولادة قريبة أو بعيدة.

وقد حاول بعض الباحثين المعاصرين تعريف النسب بمعناه الاصطلاحي الخاص، وهوالقرابة من جهة الأب باعتبار أن الإنسان إنما ينسب لأبيه فقط فقد قال في تعريفه: "حالة حكمية إضافية بين شخص وآخر، من حيث أن الشخص انفصل عن رحم امرأة هي في عصمة زوج شرعي، أو ملك صحيح، ثابتين، أو مشبهين الثابت للذي يكون الحمل من مائه"[2].

وبعد هذا التعريف المبسط لتكوين فكرة عامة عما تناهى إليه في تعريف النسب أحاول الإشارة بشكل دقيق وموجز إلى إثبات النسب بواسطة التقنية الحديثة أي البصمة الوراثية.

لا خلاف بين الفقهاء في أن النسب الشرعي يثبت بالفراش الطبيعي والحقيقي عن طريق مشروع بالنكاح، وكذلك إثباته بالاستلحاق[3]، والبينة بشهادة الشهود وماهومتعارف عليه بين الناس والقيافة[4]، وأخيراً القرعة حينما يتنازع طرفان على الأبوة تجرى القرعة ولكن لا يؤخذ بها.

أما العلم الحديث فقد تولى أبحاثاً مستفيضة ليتوصل إلى أنه تتابع عقد بروتينية على جديلة خاصة داخل العصى الوراثية،وكل إنسان يتفرد بنمط خاص في التركيب الوراثي ضمن كل خلية من خلايا جسده، لا يشاركه فيه أي شخص آخر في العالم، أي أن إثبات النسب بالبصمة الوراثية هودليل مادي يعتمد العلم والحس ويقوم على التسجيل الذي لا يقبل العود والإنكار بخلاف غيرها الذي يعتمد على الذمم ويقبل العود والإنكار.

وتساهم البصمة الوراثية في إثبات أو نفي النسب باعتبارها تقنية ذات قوة تدليلية قطعية في ذلك، فهي موجودة على صيغة واحدة في جميع مكونات الجسم سواء الدم، المني، الشعر أو في أي عضومن أعضاء الجسم تختلف من شخص لآخر، وتبقى ثابتة مدى الحياة إلى أن تتحلل الجثة بعد الموت، مما يمكنالطب الشرعي من معرفة النسب حتى بعد الوفاة،ومكونات الحمض النووي للأب لإثبات الأبوة، والحمض النووي للأم لإجراء المطابقة مع الحمض النووي للطفل[5].

واللجوء للبصمة الوراثية يتم عن طريق الخبرة العلمية التي يتم فيها تحديد ضرورة فحص الحمض النووي للبصمة الوراثية على أساس أن دقة ثبوت النسب أو نفيه بهذه الطريقة العلمية تصل حسب الخبراء والأطباء إلى نسبة 99%. وتقول التقارير إن تطور العلوم بشأن الحمض النووي كفيلة بالوصول به في ظرف زمني قريب إلى نسبة 100٪.لهذا يرى أساتذة القانون ضرورة تقنين جواز اللجوء للطرق العلمية القاطعة التي قد يقع تحديدها عن طريق التنظيم تمييزا لها عن الطرق العلمية الظنية ما دام أنه لا مانع شرعي في ذلك.

كما أن الباحثين استندوا في اعتماد البصمة الوراثية طبقا لما جاءت به المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية الصادرة بتاريخ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2001 فتوصل إلى أن الإسلام يقر الأخذ بالبصمة الوراثية في حال تنازع أكثر من شخص في أبوة مجهول النسب،فقد ذكرأحمد الجندي، الأمين العام للمنظمة في جريدة "البيان" بتاريخ 09/10/2001 أن ستة وعشرين باحثا شاركوا في إعداد بحث البصمة الوراثية وذلك من الناحية الطبية والشرعية وتوصلوا من خلاله إلى حجية البصمة الوراثية في إثبات النسب، وضرورة الاحتكام إليها في حالة تنازع اثنين في مجهول النسب أو عدول الأب عن إستلحاق مجهول النسب أو إنكار أبنائه وتوريث مجهول النسب، وإذا أقر بعض الإخوة بأخوته ونفاها آخرون، وفي حالة ادعاءامرأة بأمومتها بشخص ما دون دليل على ولادتها له، كما أنه ذكر أن كل إنسان ينفرد بنمط خاص في التركيب الوراثي ضمن كل خلية من خلايا جسده، ولا يشاركه فيها أي شخص آخر.

ومن هنا ندرك أن البصمة الوراثية تصلح أن تكون مانعا من قبول طرق الإثبات التقليدية دون العكس لما سبق أن بينته من شروط العمل بتلك الطرق، والتي أهمها عدم وجود ما يعارضها. كما أعتقد أن البصمة الوراثية تصلح أن تكون شرطا لقبول طرق الإثبات التقليدية لما سبق أن بينته من شروط العمل بتلك الطرق والتي أهمها إمكان صدقها عقلا؛ ومن هذا الاعتباريمكن أن نستلهم أن البصمة الوراثية التي تحدد الصفات الوراثية للإنسان، يمكن بهامعرفة صدق المدعين من كذبهم، كما أنه يمكن البحث عن أهل مجهول النسب بإجراء البصمة على المشتبه فيهم.

وبهذا تظهر فائدة البصمة الوراثية على هذا الصنف من مجهول النسب في كشف صدق الادعاء بالإستلحاق وفى البحث عن أهله من المشتبه فيهم، الأمر الذي لم يعد يصلح بعده الرجوع في الإقرار بالنسب لتيقن ثبوته بالبصمة الوراثية.

ثانيا: الآثار المترتبة على استخدام البصمة الوراثية.

حسبما قادني البحث إليه من استقصاء المعلومات والتفتيش وراء المعرفة رأيتُ أن الآثار المترتبة عن استخدام البصمة الوراثية تنقسم لشقين احدهما إيجابي والآخر سلبي.

الشق الإيجابي من استخدام البصمة الوراثية

= حالات تبديل المواليد في مستشفيات الولادة:

وهوأن يتم تسليم مولود إلى غير أبويه خطأً أو عمداً، وأيضاً في بعض حالات الطوارئ قد يتم خلط المواليد حديثي الولادة مع بعضهم البعض خاصة في حالات الإخلاء السريع. في مثل هذه الحالات يتنازع رجلان على المولود ولا يمكن للتشابه الخلقي الشديد (القيافة) بين الطفل وأحد الرجلين أن يرقى مطلقاً لأن يكون دليلاً يعتمد عليه بصورة مؤكدة لإلحاقه بأحدهما لعدم وجود القائف المتمكن هذه الأيام.

كما أن تحديد فصائل الدم تستخدم للاستبعاد فقط، ولا يمكن إثبات البنوة على أساسها حيث أنها وسيلة نفي فقط وليست وسيلة إثبات، ويمكن استعمال البصمة الوراثية لحل هذه المشكلة حيث يتم فحص الحمض النووي لأمهات وآباء المواليد وكذلك المواليد أنفسهم، وبمقارنة البصمة الوراثية بين الطفل وكلا الرجلين فإنه يمكن قطعاً نفي المولود عن أحدهما أو عن كليهما أو إثباته لأحدهما إن كان هوأباه، فالبصمة الوراثية تعتمد على التشابه والتطابق في كل ما يمكن أن يكون متوارث من الأبوين، ولا يمكن أن يكون مستحدثاً جديد.

= الحالات التي ينكر فيها الرجل أنه الأب لطفل ناتج عن زوج غير شرعي اوالاغتصاب أو الزنا:

وذلك لتبرئة نفسه من هذه الجرائم، بمقارنة البصمة الوراثية لهذا الرجل والطفل يمكن إثبات أنه الأب الحقيقي للطفل، والمذهب أن ولد الزاني لا يلحق به وإن أعترف به لحديث الفراش السابق. وأختار الشيخ الجليل تقي الدين أنه إذا أستلحق ولده من الزنا ولا فراش لحقه، وفي الانتصار: يلحقه بحكم حاكم.

= حالات الادعاء من قبل المرأة لتحقيق غاية معينة:

كالحالات التي تدعي فيها المرأة أن مولودها يخص رجلاً معيناً لإجباره على الزواج أو طمعاً في الميراث أو في أخذ النفقة، وبمقارنة البصمة الوراثية للمولود والرجل المدعى عليه يمكن إثبات أو نفي ادعائها.

= الحالات التي يدعي فيها رجلان نسب الولد المجهول النسب أو اللقيط:

من أدعى نسب اللقيط من ذكر أو أنثى ألحق به متى كان وجوده منه ممكناً، لما فيه من مصلحة اللقيط دون ضرر يلحق بغيره، أما البصمة الوراثية فهي تنتقل من الآباء إلى الأبناء وملازمة للفرد، ولوكانت البصمة الوراثية معروفة لدى الفقهاء القدامى للجأوا إليها لأنها تؤدي إلى إقامة الحجة والبينة على صدق أو كذب المدعي للنسب، وهوالغرض الذي يقوم به الشهود العدول، فلوأن البصمة الوراثية لمدعي النسب تطابقت مع الطفل الذي يدعي نسبه فهوابنه يقيناً، بمعنى أن مقارنة البصمة الوراثية لكل المدعيين والولد قد تكون ذات فائدة عظيمة في نفي النسب عن أحدهما وإثباته للآخر أو في نفي النسب عن كليهما بصورة أكيدة ودقيقة.

= الحالات التي يدعي فيها رجل نسب شاب مجهول النسب أو العكس على أساس أنه ابنه وقد فقده منذ فترة طويلة أو أن ينسب شاب نفسه لرجل طمعاً في تحقيق غاية ما:

كأن يدعي شاب نسبه إلى رجل معين فقد ابنه منذ فترة طويلة وذلك طمعاً في أخذ الميراث أو الخلوة بمحارم المدعى به،هنا ظاهر الأمر ليس كباطنه، فالدعوى قد تكون كاذبة. لذا، فإن مشكلة الأولاد مجهولي النسب واردة وقائمة بين المسلمين في هذا الزمان الذي تحدث فيه جرائم الاغتصاب والزنا. في هذه الحالة يمكن للبصمة الوراثية أن تنفي النسب إذا كانت الدعوى كاذبة فعلاً، وذلك بمقارنة البصمة الوراثية وإثبات عدم تطابقها، وفي هذا النفي منفعة عظيمة وإبقاء لمصلحة، إذ أن الإبقاء على حال جهالة النسب أولى من أن يستحل كاذب أموال وأعراض الآخرين بغير حق.

= الحالات التي تتنازع فيها امرأتان على أمومة ولد وتساوتا في البينة (الشهود):

هنا أختلف الفقهاء، فهل يثبتونه لإحداهما أو ينفى عن كلتيهما أو يثبتونه لكلتيهما. من المعروف أنه لا يمكن أن يكون للولد أُمان، لذلك يمكن نفي الولد عن إحداهما وإثباته للأخرى عن طريق مقارنة البصمة الوراثية للولد والمرأتين، وكذلك إذا أدعت أمرأه أمومة ولد فإنه بمقارنة البصمة الوراثية للولد والمرأة يمكن نفي الأمومة عنها أو إثباتها لها بصورة أكيدة.

وقد يكون للولد أُمان، إحداهما ولدته والأخرى أرضعته، وتدعي كل منهما الولد، وحيث أن أحكام النسب هي أحكام الإرضاع، وأن الإرضاع لا يغير من البصمة الوراثية للولد، لذلك يمكن نفي الولد عن إحداهما وإثباته للأخرى عن طريق مقارنة البصمة الوراثية.

= الحالات التي يتنازع فيها رجلان على مولود من أمرأه زوجة لأحدهما ومطلقة من الآخر:

كالمطلقة طلاقاً رجعياً أو بائناً وتزوجت برجل آخر وأنجبت في أدنى مدة للحمل، أو في أقصى مدة للحمل، أو تزوجت قبل انقضاء فترة العدة (كالتزوير مثلاً)، فهل ينسب المولود للزوج الأول أو للثاني أو لكليهما؟ وإذا أنجبت توأماً فهل من الممكن أن تحمل المرأة من الرجلين؟

أجمع الفقهاء على أن أقل مدة الحمل هي ستة شهور وفي عصرنا الحاضر يمكن للطب تشخيص عمر الجنين على وجه التقريب عن طريق الأشعة المتطورة واكتشاف مراكز التعظم في عظامه، كما يمكن فحص الدم ومقارنة البصمة الوراثية لمعرفة الأب الحقيقي إذا أشكل الأمر، فهذا معناه أن الحمل قد يتأخر إما بسبب الزوج، أو بسبب تأخر إطلاق المبيض للبويضة أو تناول أدوية منع الحمل التي قد تؤدي إلى انقطاع الطمث لفترة قد تزيد عن سنة أحياناً، وهذا شيء بديهي طبياً، إضافةً للحالة النفسية والاجتماعية والفردية والعرق والمناخ، إلى آخره.

لكن القول بأن فترة الحمل تمتد إلى سنتين وثلاث وأربع وخمس وسبع دون إبداء الدليل الطبي الواضح فهذا غير صحيح، فطبياً يستمر الحمل حوالي 280 يوماً بعد اليوم الأول من آخر حيضة، وفي حالة اختلاط الأمر يمكن فحص الدم ومقارنة البصمة الوراثية للطفل مع كل من الزوجين.

= إثبات النسب لطفل الأنبوب (التلقيح الصناعي):

ينشأ طفل الأنبوب عندما يتم تلقيح البويضة بالحيوان المنوي خارج الرحم، ثم تعاد البويضة الملقحة إلى درب الصفاق الخلفي للرحم لينموالجنين بشكل طبيعي حتى يحين وقت الولادة، وهذا العمل أصبح معتاداً الآن كوسيلة للتلقيح الصناعي، ولكن يشترط رضا الزوجين وأن يكون من الزوج والزوجة، فإذا حدث تلاعب، وذلك بأخذ حيوانات منوية من رجل غير الزوج أو أخذت البويضة من امرأة غير الزوجة، يمكن إثبات النسب للطفل الحادث بواسطة مقارنة البصمة الوراثية له مع الزوج والزوجة.

بناء على ما سبق، يتضح أن هذه آثار استخدامها يكون الحد الفاصل في الفصل في النزاعات الحاصلة.، ولكن لها شقّ سلبي أذا اعتمد المشرع الأخذ بها في العموم:

ثالثا: حكم استخدام البصمة الوراثية في إثبات النسب

لا يزال جمهور الفقهاء- المذاهب الأربعة – والمشرع الجزائري متوجسين من البصمة الوراثية ولا يزالون يرون أنها محل ظن وتخمين لا ترقى أبداً لمستوى الدلالة القطعية، وأن الأخذ بها كدليل ثابت مبني على أساس غير سليم وغير مقنع وهوأنها غير دقيقة وغير جازمة ليست في حد ذاتها وإنما في الظروف المحيطة بها فإن تلوثت العينة حتى بغبار ولوبشكل بسيط ومتناهي في البساطة فإنها تقلب النتيجة رأساً على عقب. هذا غير أنه لا يوجد ضمانة لعدم التلاعب بالنتيجة سواء بالخبراء وفساد الذمم أو بواسطة أخطاء بشرية أو معملية من تلوث وغيره أو خطا في الإجراءات أو الالتباس واللبس:
"فإن هناك كثير من الأخطاء المعملية سواء كانت الإضافات، أوفي طريقة الفحص، أوفي طريقة العمل أوفي الشخص نفسه أوالسلوكيات التي يسلكها الباحث أومساعد الباحث، فهناك محاذير يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار"[6].

من جهة أخرى، فإن الخطأ وارد، وما من طريق لإثبات النسب إلا وهو مظنة لحصول الخطأ في أي منها وراد، ومع ذلك فقد دلت الأدلة الشرعية على إثبات النسب بالطرق المشروعة حتى مع وجود قرائن ودلائل قد تشكك في الطرق الشرعية في حالة من الحالات لأن الأصل في الإثبات أن الولد للفراش وللعاهر الحجر، أي أن أثبات النسب يكون بالفراش [7].

وإن كان هناك شبهة فإن الفراش أصل الإثبات وإن لم يكن من ماء الزوج ولا يبطل ذلك أن الفراش دليل, ومن هذا المنطلق فإننيأبني اعتقادي على باب سد الذرائع حتى لا يشكك العامة في أنسابهم ويسهل عليهم تقديم القرينة باعتبارها أمر قطعي فيزرع الضغينة والمفاسد ويقدح في أعراض الناس.

ومن زاوية أخرى فإن البصمة الوراثية في بعض اعتقاد الفقهاء كما القيافة مبنية على الظن والتخمين، والمشرع لا يأخذ بهما وإنما يأخذ بالقرائن والدلائل. كما أن الفقهاء أتوا بأسباب غير متعلقة بالبصمة الوراثية مباشرة وإنما متعلقة بالعقيدة حيث تعللوا أن الدين جاء كاملاً مستدلين بالآية الكريمة "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا" (سورة المائدة، الآية 3)، أي أن الآية الكريمة نصت على اكتمال الدين بأحكامه التي لا نقص فيها، وادعاء وجود مكتشفات وتصرفات جديدة إتهام للشريعة بالنقص، وهذا أمر مردود عليه فقد تثبت كمال الدين بأحكامه الجزئية وقواعده الكلية، فكل تصرف مستحدث يدخل تحت القواعد الكلية وبذلك تكون الآية حجة عليهم، لأنها تشمل أحكام الوقائع الحالية والمستقبلية.

وأما دليل المعقول فمنه أن التعامل بالبصمة الوراثية تعامل في خلايا الإنسان، والإنسان له حرمة بنص الآية الكريمة "َلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً" (سورة الإسراء، الآية 70). دليل المعقول، القول بأن التعامل بالبصمة الوراثية يتعارض مع تكريم الإنسان غير صحيح، لأن الإسلام هوالذي أستن الحلق والتقصير، وحث على تقليم الأظافر وشرع الختان، وأمر بالتدواي ولو كان بتراً لعضو فاسد وفي كل ذلك إهدار للخلايا البشرية، ولا يعتبر هذا هدراً لقيمة وكرامة الإنسان.

القوانين العربية وقضايا النسب

القانون المصري يعطي مثالاً بخصوص حالات إثبات النسب وإنكاره؛ فيأخذ القانون المصري بما قررته الشريعة الإسلامية في مسألة ثبوت النسب وإنكاره ولم يخرج القانون المصري عما رسمته الشريعة الإسلامية.

المادة 15 من القانون رقم 25 لسنة 1929 تقول: "لا تسمع عند الإنكار دعوى النسب لولد زوجه ثبت عدم التلاقي بينهما وبين زوجها من حين العقد ولا لولد زوجه أتت به بعد سنة من غيبة الزوج عنها ولا لولد المطلقة والمتوفى عنها زوجها أتت به لأكثر من سنة وقت الطلاق أوالوفاة".

إثبات النسب:

القاعدة في إثبات النسب أنه "إذا استند إلى زواج صحيح أوفاسد فيجب لثبوته أن يكون الزواج ثابتا لا نزاع فيه سواء كان الإثبات بالفراش أوالإقرار أوالبينة الشرعية"[8].

كما قضت محكمة النقض في حكم آخر لها "من الأصول المقررة في فقه الشريعة الإسلامية وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة أن النسب يثبت بالفراش الصحيح وهوالزواج الصحيح وما يلحق به وهوالمخالطة بناء على عقد فاسد أوشبهه.كما أن المقرر في الفقه الحنفي أن الزواج الذي لا يحضره شهود هوزواج فاسد يترتب عليه أثار الزواج الصحيح ومنها ثبوت النسب بالدخول الحقيقي"[9].

القانون المصري والقضاء المصري مستقران على أن النسب لا يثبت إلا بالفراش الصحيح وهوالزواج الصحيح والزواج الفاسد والوطء بشبهه. كما هوفي الشريعة الإسلامية، فقضت محكمة النقض "الزواج الذي لا يحضره شهود هوزواج فاسد تترتب عليه أثار الزواج الصحيح ومنها النسب بالدخول الحقيقي"[10].

يجوز استخدام تحليل الحمض النووي (كوسيلة إثبات) في إنكار النسب بشكل يتفق مع الشريعة، فالزوج الذي ينكر نسب ابنه إنما هويقذف المحصنات، وهناك حد وجزاء للقاذف، فقررت الشريعة الإسلامية اللعان بين الزوجين في حالة إذا رأى الزوج على زوجته فعل الزنا ولم يكن لديه الدليل أربعة شهود عدل فقررت الشريعة له أن يلاعنها، وبعد اللعان لا يثبت النسب للولد للزوج الملاعن لزوجته ويثبت النسب للزوجة فقط.

أما القانون التونسي في الفصل 68 وما يليه من مجلة الأحوال الشخصية فيقول: "إذا ثبت نسب الطفل استنادا إلى أي سبب من أسباب ثبوت النسب المذكورة النص القانوني المنظم لهذه القضية فإن ذلك يمنحه حقوق الطفل المولود في إطار الزواج. فله الحق في أن يحمل اسم ولقب وجنسية والده وله الحق في النفقة والحق في الإرثٌ".

أما إذا كان الطفل مولودا من أبوين غير مرتبطين بزواج وثبتت أبوته قضائيا (بعد التحليل الجيني) على أساس الفصل الأول من القانون المؤرخ في 28 أكتوبر 1998 كما تم تعديله بمقتضى قانون 7 جويلية 2003 المتعلق بإسناد لقب عائلي للأطفال المهملين أو مجهولي النسب، فإن ذلك يخول له "الحق في النفقة والرعاية من ولاية وحضانة ما دام لم يبلغ سن الرشد أو بعده في الحالات المخولة قانونا".

أما عند المشرع الليبي فقد حسم الأمر في قانون الضمان الاجتماعي أن منح للقيط اسما ولقباً وبطاقة هوية وجواز سفر وكتيب عائلة. وسوف يتم الاستعانة بالبصمة الوراثية كتطبيق عملي لاثبات الهوية ورصد للموروث الجيني لكل عائلة في وفي المشروع الجديد المعروف بالرقم الوطني الذي "سيتم منحه منذ الولادة ولكنه يبقي غير مفعل ويتم تفعيله بعد أخذ البصمات"[11].

أما في القانون الجزائري فقد اتضح تأثر المشرع إثر التعديل الذي طرأ على قانون الأسرة بموجب الأمر 05-02 المؤرخ في 07/02/2005 التي نصت عليها الفقرة الثانية من المادة 40 وجاء فيها: "ويجوز للقاضي اللجوء إلى الطرق العلمية لإثبات النسب" هذا يعني أن القضاء الوطني الجزائري لا يتوجس خيفة من هذه التقنية، بل إنه يحاول سبر أغوارها والتعامل معها بالكيفية التي يراها تكفل له تحيق العدالة والتحقق من سلبياتها وتفاديها عبر تجارب سابقة من دول أخذت بهذه التجربة.

= = = = =

الهوامش

[1] حاشية البقري على شرح الرحبية للمارديني، ص 32.

[2] الموسوعة الفقهية، ص 14، ونقله عنه صاحب كتاب ثبوت النسب ص 10.

[3] وذلك بأن يقر المسـتلحق بأن هذا الولد ولده أو أن هذا أخوه أو أبوه وغير ذلك، وقد اشترط العلماء للاستلحاق شروطاً أبرزها أن المُقر له بالنسـب ممن يمكن ثبوت نسبه من المقِرِّ، فلوأقر من عمره عشرون ببنوة من عمره خمسة عشر لم يقبل إقراره لاستحالة ذلك عادة وعقلاً.

[4] الذي يعرف النسب بفراسته ونظره إلى أعضاء المولود.

[5] حسين علي شحرور، كتاب "الطب الشرعي، مبادئ وحقائق" ص 262، وإبراهيم صادق الجندي، تقنية البصمة الوراثية وإمكانية التحايل عليها ص 48المشار اليه في موقع اللاوراس للثقافة القانونية، شبكة المعلومات الدولية، على الرابط

http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net/montada-f13/topic-t485.htm

[6] مناقشات مجلس المجمع الفقهي في دورته الخامسة عشر، ص 8.

[7] الزواج والمظلة الشرعية للنكاح.

[8] حكم صادر في الطعن رقم 25 لسنة 46 قانون أحوال شخصية لجلسة 31/5/1978 من محكمة النقض.

[9] الحكم الصادر في الطعن رقم 100 لسنة 55 ق جلسة 27/5/1986.

[10] طعن 14/33 ق جلسة 7/12/1966.

[11] مجلة أويا: هشام الصيد الأحد، 11 أكتوبر/تشرين الأول 2009، "أول بطاقة الكترونية في الجماهيرية وإفريقيا للقائد. الاحتفال في طرابلس بانطلاق مشروع الرقم الوطني".


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3254967

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC