ذكاء رواس قلعه جي - سورية

النافذة المغلقة

أشعر كأن عاصفة تهب في أعماقي، تدفعني لأن أنبش كل ما خبأته في زوايا الذاكرة، ولأعاين كل تلك التفاصيل الصغيرة التي ساهمت في رسم فسيفساء عمر أوشكت شمسه على المغيب.

وباتت تلح على مخيلتي تلك النافذة التي كانت تتوسط الجدار الكبير في غرفة معيشتنا، والتي كانت على الدوام تشكل أهم ملمح تحتفظ به ذاكرتي لتلك الغرفة، فكم اتكأت أمي على حافتها لتحادث جارتنا، أو لتستقبل ضيوفها حتى قبل أن يطرقوا بابنا.

ومن خلال تلك النافذة تعرفت على العالم المحيط بي، رأيت السماء وراقبت أسراب السنونو المهاجرة وسلمت على حمامات كان تستريح على حافتها، وكم راقبت الناس وهم يسعون على طول الشارع المزدحم كل إلى غايته، وشدتني تعابير وجوههم في ساعات فرحهم وحزنهم، وحركتهم السريعة حينا والمتباطئة في أحيانا أخرى.

أبدا لم تكن نافذتي مجرد تجويف في جدار. لقد كانت بوابة على العالم فمن خلال ذلك الاطار المستطيل كنا نتواصل مع نبض شارع كان يمثل لنا العالم بأسره، واليوم بات ذاك المستطيل لا يفارق خيالي، بل راح يتكاثر حتى غدى يؤطر كل ما تقع عليه عيناي من أشياء تحيط بي أو حتى أتخيلها، وأصبح الكون مجرد مستطيلات تتداخل، وتتقاطع، تتنافر وتتجاذب. أحاول جاهدا الانعتاق من سيطرتها ومحاصرتها ناظري، واستمر في المحاولة دون ما جدوى.

وجرتني مستطيلاتي تلك لأقطع البحار والقفار، وأعود ليستقر بصري أمام ذلك المستطيل الكبير الذي كان يتوسط غرفة جلوسنا، لأرى تلك النافذة التي كنت أنتقل عبرها خارج جدار البيت الصغير إلى ما كنت أظنه العالم. تركت المستقبلين والمحتفلين بقدومي من الأخوة وأولاد الأخوة وأولاد أولاد الأخوة، ووجدت نفسي واقفا قبالة المبنى الذي شاخت حجارته؟ تسمرت قدماي على حجارة الرصيف، وسرح بصري بتلك النافذة على جداره لأسترجع كل ذكريات طفولتي وشبابي، وحياة لم يبق منها إلا شبح الذكريات.

كان بيتنا في الطابق الأول من العمارة، شقة صغيرة في عمارة متواضعة، غرفتان للنوم وصالة لكل فعاليات، في تلك الصالة كانت تلك النافذة الواسعة تتوسط جدارها، تعلن عن وجودها بقوة وتجعل الحياة في تلك الصالة تتداخل وتتفاعل مع نبض الشارع الذي كان يشكل عالمنا، ومن تمام سعادتنا أن كان لجيراننا حديقة أحسنوا العناية بها حتى صارت عناقيدهم في متناول أيدينا، بينما تمتد الياسمينة لتلقي التحية علينا كل صباح. وتتمنى لنا ليلة سعيدة في كل مساء.

وربما تلك الحديقة تشكل السبب الآخر الذي جعل أمي تعشق الجلوس بجوار النافذة، فما أن تنهي مهامها المنزلية لتأخذ مكانها بجوار النافذة تحمل فنجان قهوتها بيدها "التي ما زالت مبتلة من أثر غسيل الصحون"، ترشف منه على مهل، وتراقبنا ونحن نكتب واجباتنا وقد تناثرت كتبنا حولنا، و صيحاتنا الفرحة تعلو في حين، ومشاجراتنا في أحيان أخرى.

لم أكن ادري وقتها مقدار صعوبة أن تدير أسرة وأن تسير دفعة التحصيل العلمي لخمسة أولاد، فضلا عن مهمات الحياة الأخرى من طعام وكساء. ولكن بعد أن كبرت وتزوجت، وسمعت تأفف زوجتي، وعايشت مشاكل أولادي أدركت كم كانت عظيمة تلك السيدة التي كانت أمي.

ولعل عظمتها لم تكن تكمن فقط في أن جعلت منا نحن الخمسة رجالا ناجحين، بل كونها فعلت ذلك بكل سلاسة، وسهولة، ولم تجعلنا يوما نشعر بأننا كنا فقراء، وأننا نعاني. بل كانت الحياة عندها دائما مصبوغة باللون الوردي المحبب، ووجهها دائما تعلوه بسمة وكأن ذلك الثغر لم يخلق إلا ليبتسم.

حتى عندما كبرنا قليلا، وصرنا نلاحظ ملامح الإرهاق بادية على وجهها، كانت تطمئن بالنا بابتسامة دافئة:

"الآن أجلس على مقعدي بجوار النافذة، فنجان قهوة مع عبق الياسمين و يذهب كل التعب".

وكم كنا نتمنى أن تمنحنا شرف إعداد القهوة لها، ولكنها كانت تصر أن تعدها لنفسها مؤكدة أن "متعة القهوة في إعدادها".

ومضى قطار العمر على نحو ما أراد له الله أن يمضي، وكبرت، عرفت أن العالم من حولنا أكبر مما أراه من خلال النافذة، وأن السعادة أكثر من شرب فنجان قهوة قرب نافذة تطل على حديقة الجيران، قررت الانعتاق وكان الرحيل. آخر ما اذكره من عالمي ذاك هو جلوسي معها بجوار النافذة، يومها قالت لي:

"تعال نشرب معا فنجان قهوة، سأعده لك. ربما يكون آخر فنجان نشربه معا".

"سأعود سريعا، وسنجلس بجوار النافذة وسنشرب الكثير من فناجين".

فهزت رأسها وهي تلتقط دمعة. كنت صادقا فيما أقول، أقسم أنني كنت أريد أن أعود سريعا، ولكن عندما تحطمت أطري، وعشت خارج عالمي فقدت الإحساس بالزمن، وتهت في شعاب حياة لا أطر لها.

طفت العالم شرقه وغربه، ونلت نصيبا من العلم ونصيبا من المال، كان طموحي كبيرا، ولم أنس يوما أمي. كانت حاضرة معي أينما كنت أراها خلف كل نافذة مغلقة، أتخيلها تجلس هناك وبيدها، المبتلة من أثر غسيل الصحون، فنجان قهوة.

ولكن أمي صدقت في كلامها وكان فنجان القهوة يوم سفري آخر فنجان أشربه معها، لم يكن يخطر في بالي أنه سيأتي يوم ولا تكون فيه هناك بجوار نافذتها تنتظرني، هي التي علمتني أن أعد لكل شيء عدته، فأحسنت إعدادي لأمور حياتي كلها إلا رحيلها: لقد جاء كضربة قاصمة أفقدتني كل أنواع التوازن.

ومارست الهروب إلى عالم النسيان، قال لي من حولي:

"هذا حال الدنيا، أجرك الله في مصيبك واخلف عليها خير منها".

وبحثت عمن يخلفها في عالمي، بحثت عنها في زوجتي وفي أولادي، منحتهم كل الحب وكل ما أملك من الحياة، وظننت لبرهة من عمري أن صدأ النسيان قد علا ذاكرتي، وأنني ارتحت من عناء الشوق الدائم لسيدة تتوكأ على جدار نافذة في عمارة قديمة تلوح لي قبل أن أعبر القنطرة إلي مدخل العمارة المظلم.

ولكن تعقيد الحياة ومشاكل الأسرة عرفتني أكثر واكثر قدر أمي، وقدر تلك البساطة التي جعلت من حياتنا جنة، ويتحرك حنيني لتلك الشقة الصغيرة، ونافذتها المشرعة وياسمينة جيراننا تهبنا عبقها من غير أجر ولا منة.

وعندما ودعني آخر أولادي ليحمله قطار العمر حيث يرى الحياة خارج إطاري، وبعيدا عن نوافذي، أدركت كم هو حجم الألم الذي سببته لها سهام غربتي. وأدركت كم كنت جاحدا وقاسيا وجاهلا

وصار الحنين ينمو داخلي، وصرت مستعدا لكي أدفع كل ما حصلت عليه من مال وعلم وتقدير ثمنا لفنجان قهوة أحتسيها بجانب نافذتها. أن اقبلها، وأقول لها لن أبتعد عنك أبدا، ولا أريد أن أرى العالم إلا من خلال نافذتك.

و ها أنا اليوم أقف في ذات المكان الذي كنت أقف فيه قبل عشرين عاما، العمارة ما زالت هناك، وياسمينة عجوز تغطي واجهة المبني وتكلل المدخل المعتم، ولكن النافذة كانت مغلقة.

تسمرت أمامها، لم انتبه لمرور الوقت، ولكن ذراعه التي أحاطت بي، وهو يهمس بحنان وحب: " تعال يا أخي لنذهب إلي بيتي، إن عائلة جديدة سكنت هذا البيت".

ولكني ازددت تشبثا بمكاني على الرصيف المزدحم، كنت أود أن أقول له: "لقد تركت الحياة، عدت لأرى من خلالها وعدت من أجل طيف لسيدة تطل عبر النافذة تمنحني نظرة فيها يتخزل كل حب العالم". ولكني لم اقل، تيبس الكلام في حنجرتي، لكن صوته المحب استمر هامسا يعيد على مسامعي ما سمعته منه لمرات:

"لقد بعنا البيت بعد رحيلها. لم يعد لوجوده ضرورة. بعناه منذ أعوام عديدة. هناك أسرة أخرى تسكن هذا المكان".

ولكن أخي لم يكن يدرك أن كل جزء من هذا المكان هو جزء منها، وهو جزء مني، فهذه الياسمينة قد شاركتنا كل أفراحنا وكم علمت عن همومنا، وذلك الشارع برصيفه وعابريه هم جزء من إيقاع حياتنا التي كانت، والتي على ذكراها السعيدة نقتات في أيامنا كلها، وذلك المدخل المظلم كم اجتزناه، ونحن نتقافز فرحا، وننادي ماما أنا الأول على الفصل، أو نحن نجرجر أقدامنا حزنا ونردد ماما لقد تشاجرت مع صديقي. وهي كانت هناك دائما كانت هناك.

كل المستطيلات التي تتوالد في مخيلتي بلا توقف تركزت الآن حول ذلك المستطيل الذي يحط بالنافذة، وصار أملي أن تنفرج تلك النافذة، لأرى ساكني البيت الجدد لعلي أرى طيفا لسيدة يحيط بها أيتام خمسة.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3257402

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC