شهرة بلغول - الجزائر

كتابة التاريخ من منظور نسوي

كتابة التاريخ من منظور نسوي: دراسة في رواية آسيا جبار "بعيدا عن المدينة"(*)

(*) عنوان الرواية بالفرنسية (Loin de Médine)، والمدينة المقصودة هي المدينة المنورة.

شهرة بلغولصدرت رواية "بعيدا عن المدينة" لآسيا جبّار سنة 1991 كقراءة للوضع السياسي الذي عايشته الجزائر آنذاك، أي ما يصطلح على تسميته بالعشرية السوداء، حيث مثّل صعود التيار الإسلامي حدثاً غير مسبوق في تاريخ الجزائر الحديث، فتحت تأثير الأزمة الاقتصادية الخانقة التي عرفتها الجزائر في هذه الحقبة خرج الشعب في مظاهرات شعبية حاشدة احتجاجا على ما آلت إليه أوضاعه الاجتماعية، إلاّ أنّه قوبل بأعمال عنف وقمع من طرف النظام أسفرت عن سقوط أكثر من 500 قتيل في ما يعرف بأحداث أكتوبر (تشرين الأول) 1988.

في هذه اللحظة من التاريخ برز الإسلاميون طرفاً وحيداً معارضاً للنظام، مقترحًا نفسه بديلاً أمثل، وعمل هؤلاء على تقديم تصور حول إسلام أحادي الرؤيا خدمة لمشروعهم السياسي، يستند بالدرجة الأولى إلى الالتزام بحرفية النص الديني كمنطلق أساسي لقراءة الواقع، ضمن فهم للإسلام تصفه كارين بورجيه بأنه "إسلام أرثوذكسي" أي الذي "يعرف من خلال نصين: أولهما القرآن الذي يمثل السلطة المطلقة بحكم أنّه كلام الله، ليأتي فيما بعد الحديث"(1).

شكّل هذا التصور تهديدا صارخاً للمجتمع كونه يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، نافيا الشرعية عن كل التصورات المخالفة. وقد مثّل موضوع المرأة أحد النقاط الشائكة، حيث حاول دعاة التطرف تضييق الخناق حولها وقصر دورها في أن تكون زوجة، منجبة للنسل، راعية لشؤون أسرتها، مستندين في ذلك إلى مرجعية دينية لا تقبل النقاش على حد تقديرهم.

إنّ مثل هذا الموقف يدعو إلى التساؤل: ما هو المبرر الموضوعي الذي جعل هذا التصور للإسلام، وللمرأة تحديداً، يكتسح سائر أنواع الخطابات؟ إحدى الإجابات عن هذا التساؤل يجدها المرء لدى محمد أركون في كتابه "الفكر العربي" إذ يقول: "لا يرجع ذلك كلّه إلى الإسلام كما يدّعي كثير من الذين يجهلون مفهوم الخطاب الاجتماعي، فالمجتمع هو المتكلم المعبِر عن قضايا أعضائه على حسب مرتبة كل منهم من مراتب السلطان والكسب والعرفان. إذا قال قائل أن الإسلام عبارة عن تعاليم إلهية منزّلة على جميع العباد نقول نعم [...] إلاّ أنّ التعاليم الإلهية لا يعرفها الإنسان ولا يتقيد بها إلاّ عن طريق التفسير والتأويل والرواية والاستنباط، وهي كلها عمليات بشرية يقوم بها العلماء الذين هم أعضاء من المجتمع ومشاركون في تاريخ المجتمع كسائر الناس"(2). وبالتالي "هناك أطر اجتماعية تُكيِّف وتوجِّه وتختار الخطابات الممكنة في مجتمع من المجتمعات، هناك خطابات ممكنة جارية وخطابات ممنوعة مرفوضة "(3).

وعلى هذا الأساس اشتغلت آسيا جبار في روايتها "بعيدا عن المدينة"، حيث عملت على استحضار النصوص التاريخية الأولى (التأسيسية) والمتمثلة في تاريخ الطبري وابن سعد وسيرة ابن هشام، لا من أجل الاستعانة بها لإثبات رؤيتها وإنّما لإعادة قراءتها وتفكيك خطاباتها وفق رؤيه تتمحور أساساً حول إخراج الحضور النسوي من دائرة التهميش والتغييب وإحلاله المكانة التي رأت الروائية أنه لطالما كان جديرا بها.

سعت آسيا جبار إلى خلق حوار مع المؤرخين الأوائل للعصر الإسلامي الأوّل، حيث رأت أن حضور النساء في نصوصهم جاء بشكل عابر، مبهم، وفي كثير من الأحيان يُصوِّر المرأة في شكل ضحية(4)، يصرف عنها كل فاعلية أو تأثير مباشر على مسار الأحداث جاعلاً إياها مجرد ديكور أو خلفية يتأثث بها مسرح الحياة آنذاك، وبالتالي فإنّ جملة من الأنساق قد أسهمت في تشكيل هذا الخطاب التاريخي الذي اكتسب الشرعية المطلقة عبر تقادم الزمن. ومن أبرز هذه الأنساق نجد النسق الذكوري الذي شكّل وبلا منازع الخلفية التي سيطرت على الذهنية الفكرية للأمة الإسلامية طيلة عصور من الزمن. وعليه فإنّ آسيا جبّار قد حاولت قراءة تلك النصوص في دوائرها المعتمة للكشف عن الوجه الآخر لذلك الماضي، لا باعتباره حقيقة مطلقة وإنّما بوصفه مجرد احتمال قائم بين احتمالات أخرى ممكنة الحدوث.

المصادر التاريخية المعتمدة في كتابة الرواية:

استحضرت آسيا جبّار في كتابة نصها الروائي كلا من سيرة ابن هشام وطبقات ابن سعد وتاريخ الطبري، إلاّ أنّ حضور هذا الأخير قد جاء طاغيا على خلاف سابقيه، حيث ورد ذكره 23 مرة، في حين أنّ الإشارة إلى غيره جاءت في شكل عابر وضمني في كثير من الأحيان، وكمثال عن ذلك فقد استحضرت الكاتبة رواية ابن سعد حول تولي أبي بكر للخلافة والخطاب الذي ألقاه على مسامع المسلمين(5).

إنّ استحضار الروائية لهذه النصوص التاريخية كان بالدرجة الأولى من أجل مساءلتها وخلق حوار معها، ومعارضتها في أحيان أخرى للكشف عن الحلقة الضائعة أو المغيّبة في خطاباتها، وهو ما يخلق نوعَا من خرق أفق الانتظار لدى القارئ الذي تعوّد على أن تكون الغاية من استحضار أي نص تقوية الحجّة وتأكيد وجهة نظر معينة، في حين أنّه يصادف هنا بنص يكتب على نقيض ما يتناص معه، نص يكتب في دائرة المُغيّب من تلك النصوص: إنّها كتابة على أثر كتابة.

ولعل آسيا جبار قد انتبهت إلى تقنية تخدم هذا التوجّه ألا وهي وضع أقوال المؤرخين بين مزدوجين، وهو ما يوحي بأنّها مجرد ناقلة لذلك الخطاب دون أن تتبنى أو توافق على ما يقول، بل على النقيض من ذلك نجدها تشكِّك فيما رواه المؤرخ إلى حد بعيد يجعلها تلحق تلك الرواية بتحليل نقدي ورؤيا مغايرة(6).

إنّ نص "بعيدا عن المدينة" هو نص مسكون بهاجس الشك والاحتمال، نص يعارض كل ما هو ثابت في النصوص التاريخية ليعيد رسم واقع أكثر إشراقا فيما يخص دور المرأة وحضورها الفاعل عبر صفحات التاريخ الإسلامي. إنّه بكل بساطة نص يبحث في المسكوت عنه في التاريخ الإسلامي، ليتّخذ من النقطة التي يتوقف عندها المؤرخ حافزَا للبدء في كتابة نص موازٍ يعيد تأثيث ذلك التاريخ مستعيناَ بعنصر الخيال.

تبدي آسيا جبار تحفُّظها بشأن ما يقوله المؤرخ بطرح جملة من الأسئلة التي تفتح المجال لتصور احتمالات أخرى أكثر واقعية، ذلك أّنّ الصورة التي يعطيها المؤرخ تبقى باهتة وناقصة بفعل تحكّم المنظور (النسق) الذكوري في توجيه ما يورده من أخبار، وتبقى وسيلتها في ذلك هي فتح المجال أمام التخييل لملء تلك الثغرات وإضاءة البؤر المعتمة في تلك النصوص، فلو عدنا إلى قصة الملكة اليمنية حسب رواية الطبري لوجدنا أنه يضعنا في الجو العام الذي برزت فيه ردّة "أسود" وكيف أنّه استطاع أن يقضـي على "شهر" (حاكم اليمن) ويتزوج زوجته بحكم أنّها غنيمة من غنائم الحرب، ليعزو فيما بعد إلى جيش المسلمين بقيادة "فيروز" فضل القضاء على هذا الدعي(7). ويورد الطبري في الختام وقع هذا النصر على نفسية الرسول عليه الصلاة والسلام حيث يقول: "أتى الخبر النبي صلى الله عليه وسلم من السماء الليلة التي قُتِل فيها العنسي ليُبشِّرنا، فقال قُتِل العنسي البارحة، قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين، قيل: ومن هو؟ قال: فيروز. فاز فيروز"(8).

يلاحظ من خلال هذه القصة الحضور الطاغي للعنصر الذكوري الذي برز بوصفه الطرف الفاعل الوحيد في تحريك مجريات الأحداث، في حين أنّ صورة الملكة اليمنية كانت باهتة، سلبية، عاجزة عن تغيير مصيرها، إذ لم تتعدى كونها غنيمة من الغنائم التي يستأثر بها المنتصر. وانطلاقاَ من هذا الطرح التاريخي شرعت آسيا جبار في فتح مجال الشك والتساؤل حول ما بقي غامضاَ. وتتساءل أولاَ عن سبب زواج أسود من الملكة اليمنية في الوقت الذي كان بإمكانه أخذها كسبيَّة (ص 20)، فتطرح جملة من الاحتمالات دون أن تتبنى موقفا محدداَ:

"لماذا تزوجها؟ هل فقط لكونها جزءا من الغنيمة، هو ذلك البدوي الذي لا يزال مغطى بالغبار، هي الأكثر شباباَ وجمالاَ بين النساء، فريسة مدهشة؟ لكن كان بإمكانه أخذها دون أن يتزوجها، ربّما لم تبد أي مقاومة، برؤية محسوبة العواقب أو بفضول، أو ربّما كما افترض الطبري "بسبب الخوف" الخوف من أن يغادرها سريعاَ"(9).

تهتدي آسيا جبار إلى تصورٍ يبدو أكثر واقعية وهو أنّ الملكة اليمنية أرادت المجد، بظنها أن أسود رسول حقيقي "أسود "الأسود" منتصر وزيادة على ذلك يدّعي النبوة برز أمامها، لقبه إضافة إلى انتصاراته جمّلت صورته في نظر الأرملة التي جفّت دموعها سريعاَ"(10).

ثم، واعتماداَ على عنصر الخيال، تعيد آسيا جبار تأثيث تفاصيل هذه القصة "الخيال يكون بتصور..." (ص 20)، فتُحدث بذلك قلباَ في ما يخص الرؤيا أو المنظور، من أجل إعادة تفسير وتأويل المعطى التاريخي، كما يشرج جمال الشيباني: "إنّها تدعونا للدخول في إطار التخييلي، هذا الإطار نفسه الذي سمح للروائية بوضع المرأة في موضع القوة، في الواقع منذ اللحظة التي نرفض فيها أن تكون هذه المرأة قد خضعت عن خوف"(11).

شيئاَ فشيئاَ تبتعد آسيا جبار عن أصداء المعطى التاريخي وتغوص في عالم من الخيال كما شاءت له أن يكون. وسعيا منها لتفسير موقف الملكة اليمنية والمتمثل في إقدامها على التآمر ضد الدعي، تهتدي إلى مبرر يبدو أكثر إقناعاً وذلك برده إلى كونها قد جُرِحت في كبريائها وطموحها: "لقد تزوّجْته لكونه نبياَ مثل محمد ... شاهدته كل يوم، أشعر بالحقد اتجاهه"(12). وتحت وطأة الخيبة ثارت الملكة ساعية وراء الثأر لأنوثتها المجروحة من قبل بدوي أسود وثني "دجّال"، فحاكت بذلك تفاصيل المؤامرة بمهارة أنثى جُرِحت في الصميم.

لقد دفع هذا التصور آسيا جبار لكي تتناص مع التوراة في قصة جوديث، المرأة اليهودية التي أنقذت قومها من الهلاك الحتمي حين أقدمت على قتل حاكم بابل. لكنها سرعان ما تهتدي إلى الفارق النوعي بينهما، إذ تضيف قائلة: "الوقت لم يحن بعد للمخيلة العربية للرفع من مصائر شخصيات مثل هذه أو لاختراعها، على الأقل في تلك النصوص الأولى"(13).

لقد فضّل الطبري أن يعزو سبب هزيمة "أسود" إلى كونه قد لُعن من قبل الرسول عليه الصلاة والسلام، وبسبب وقوعه تحت تأثير النشوة (الخمر)، فمحا بذلك كل تفصيل عن "الملكة اليمنية" لِيلُف الغموض مصيرها فتختفي في دائرة النسيان، في حين أنّ آسيا جبار تعطي الصدارة والفاعلية للعنصر النسوي حين تجعله المُحرِّك الأساسي للوقائع لا مجرد ديكور يتأثث به مسرح الأحداث، وسيلتها في ذلك الاستعانة بالخيال الذي يسمح لها بسحب تلك النساء من الظل وإحلالهن تحت الضوء الذي حسب الروائية لم يغادرنه مطلقاَ.

كمثال آخر عن هيمنة النسق الذكوري في توجيه الخطاب التاريخي تُسلِّط آسيا جبار الضوء على قصة سجاح، المرأة التي ادّعت النبوة ومُسيلمة الكذّاب. حسب النص التاريخي للطبري تبرز رِدّة سجاح في فترة عرفت ارتداد الكثير من القبائل العربية بسبب رفضها لدفع الزكاة في عهد الخليفة أبي بكر، فادّعت النبوة واستطاعت في وقت وجيز أن تجمع بطون العرب حولها من تغلب وربيعة. كما وادعتها قبائل أخرى كتميم، فنتج عن ذلك تحالفها مع مالك بن نويرة لمقاتلة أبي بكر، وبعد أن انحلّ حلفها اهتدت إلى غزو اليمامة، فأنبأها قومها بما يدعيه مسيلمة، وعن ذلك يقول الطبري:

"ولمّا رجع الهُذيل وعقة إليها واجتمع رؤساء أهل الجزيرة قالوا لها: ما تأمريننا؟ فقد صالح مالك ووكيع قومهما فلا ينصروننا ولا يزيدوننا على أن نجوز في أرضهم، وقد عاهدنا هؤلاء القوم. فقالت: اليمامة، فقالوا: إنّ شوكة أهل اليمامة شديدة وقد غلُظ أمر مُسيلمة، فقالت: "عليكم باليمامة ودُفّوا دفيف الحمامة، فإنّها غزوة صرّامة لا يلحقكم بعدها ملامة". فلمّا بلغ هذا النبأ مسيلمة هابها فأهدى لها ثمّ أرسل لها يستأمِنها على نفسه حتّى يأتيها"(14).

يتّفق الدّعِيان على الزواج الذي يستمر مدّة ثلاث ليالٍ، لينصرِف بعد ذلك كل إلى شؤونه، فكان مهرها آنذاك أن أسقط مُسيلمة عن قومها صلاة العشاء والفجر. ويُنهي الطبري قصتها دون ذكر تفاصيل واضحة عن مقاومتها أو مصيرها "لتبقى سجاح في بني تغلب حتّى نقلهم معاوية عام الجماعة في زمانه [...] وجاءت معهم وحسُن إسلامها"(15).

لقد بدت شخصية سجاح حسب رواية الطبري شخصية ضبابية التكوين، حيث ورغم إقراره بالقوة التي مارستها على أتباعها بفعل موهبتها الفذّة المتمثلة في سحر الكلمة والإتيان ببديع الكلام، إلاّ أنّه لم يرسم لنا تلك الشخصية بشكل واضح ودقيق يمكِّننا من تصور الخطر الذي مارسته على الإسلام، فنحن مثلاَ لا نعرف عمرها ولا شكلها الخارجي ولا تفاصيل حياتها قبل وبعد هزيمتها. ليس هذا فحسب، بل يضيف الطبري ما يدحض به ما يمكن أن نتصوره عن كونها حالة استثنائية بين بنات جنسها حين يُصوِّرها امرأة افتتنت بجمال مسيلمة الذي كان، حسب تعبير الطبري، شاباَ بهي الطلعة.

كيف لامرأة بسطوتها وسحرها الذي خلب ألباب العرب أن ينتهي بها المسار خاضعة لفتنة رجل شاب؟ يبدو هذا الطرح منذ الوهلة الأولى سطحياَ يسهُل دحضه بالنظر إلى ما سبق ذكره من تفاصيل، الأمر الذي يثير تساؤلات عدّة حول سبب انعدام الحِس النقدي لدى الطبري. إذا أردنا أن نتعمّق هذا الطرح بقراءته من خلال أبعاد أخرى، يمكننا أن نهتدي ودون عناء إلى أنّ الطبري قد وجد أنّ ذلك التّصور ينسجم مع الذهنيّة السائدة، وهي كون المرأة ذلك الكائن الضعيف والعاطفي الذي يتأثّر بسرعة أمام الجمال، وبالتالي فسجاح، ورغم ما قيل عنها، لا تمثِّل في آخر المطاف سوى نموذجا للمرأة التي مهما بلغت أمجادها تسقط أمام سطوة الرجل.

غلاف رواية لآسيا جبارتلغي آسيا جبّار هذا الطرح جملة وتفصيلا بتحليلها لشخصية سجاح، وذلك بفتح مجال التأويل، إذ ترى أنّ فتنتها التي أخضعت قبائل العرب تنفي مبدئيا أن تكون سجاح قد افتتنت بجمال مسيلمة، إذ كان بإمكانها أن تجد بين العرب من هو أكثر جمالا وعزّة لإرضاء أنوثتها، لكنّها ورغم ذلك بقيت دون زواج(16). إنّ هذا الأمر يدفع ضمنياَ إلى التساؤل والبحث عن الدافع الحقيقي وراء هذه الزيجة، أو بعبارة أخرى: "عماّ كانت تبحث سجاح بزواجها من مسيلمة؟"

تغوص آسيا جبار داخل نفسيّة بطلتها للكشف عن مكنوناتها ودوافعها الحقيقية وراء هذا التصرف، فرأت أنّ سجاح كانت تهدف من خلال ذلك إلى مقابلة هذا الدعي كنِدٍ، لأنّها لطالما حلمت بلقاء محمد، لا كجزء من حريمه بل كندٍ له، إذ أنّها على يقين من أنّها تمتلك معجزة تضاهي معجزة محمد: "لقد قرّرت أن تسمي "إلها" هذا اللّهب الشعري الذي يضطرم داخلها"(17). ولا تتوقف جبار عند هذا الحد بل تتساءل عن موقف مسيلمة اتجاه سجاح التي لم يذكر المؤرخ، الطبري، أي مؤشر حول مظهرها الخارجي. وفي الوقت الذي يؤكد فيه الطبري افتتان سجاح بمسيلمة، تذهب آسيا جباّر إلى النقيض من ذلك: "إنّها هي، على عكس رواية الطبري، التي وجب أن تشعر أنّ رغبتها متوقِّدة، ومسيلمة لِم لا يخضع مثل غيره من الرِّجال تحت تأثير قريحتها الشعرية؟"(18).

وتعود آسيا جبّار من جديد إلى جزئية زواج سجاح من مسيلمة قصد رسم تفاصيل هذا السيناريو بشكل يمكّنها من رسم ملامح شخصيتها حسب منظورها الخاص، إذ يقرر الطرفان عقد زواجهما في خيمة بعيدة عن رِباطهما، فبالنسبة لسجاح فإنّ غايتها قد تحققت وهي الالتقاء بشبيه محمّد كندٍ له، أمّا مسيلمة فتواجده بعيدا عن حصنه يُقلِّص من حجمه، ويجعل منه رجلا عاديا. وتنتهي جبار إلى الإقرار بفرضيّة موضوعيّة حسب تقديرها ألا وهي أنّ مسيلمة كان خاضعا لسطوة سجاح. لقد نام بعض الساعات أو ربّما ساعة واحدة، هي كذلك، لكن الرجال العشرة حول الخيمة يضمنون سلامتها.

تعود سجاح إلى معسكرها دون أن تأتيهم بشيء جديد، فلا مهر ولا حِلف قد أُبرِم مع مُسيلمة، ولهذا السبب يقرر حلفاؤها الانصراف عنها شيئا فشيئا: "امرأة كانت نبيتنا، لقد ركضنا نحوها، لكن غيرنا من الرجال كان لهم أنبياء"(19). إنّ سبب انصرافهم عنها هو شعورهم بالخجل لجلبهم إلى ذلك المكان من أجل "موعد غرامي".

من خلال هذا التصرف يمكن استخلاص خاصية من خصائص التفكير العربي الذي لا يزال شائعا، ألا وهي أنّ الإنسان العربي يأنف من أن تتولّى امرأة قيادته لأسباب تتعلّق بطبيعتها البيولوجية، إذ يلاحظ أنّ ما حدث مع سجاح كان مبرره الوحيد هو مقارنتها بالرجل، ففكرة أن تخضع لها قبائل العرب وجدت ما يسوِّغها، فكأنّها كانت تمارس فعلاَ ذكورياَ، أمّا أن تُقيم علاقة مع رجل فذلك لا يجد سوى تبريرا واحداَ وهو أنّها قد خضعت له، لذا فهي بذلك لا تختلف عن غيرها من النساء ولا مبرر للبقاء تحت لوائها.

تنتقد آسيا جبّار المنحى الذي يسلكه المؤرخ في سرده للأخبار وذلك بسعيه إلى التقليص من حضور المرأة وإحجامه عن تقديم صورة واضحة عنها كما هو الحال بالنسبة للشخصيات الذكورية، كما يشرح جمال الشيباني: "إنّ المقاربة الأولى التي تقوم بها آسيا جبّار لأعمال المؤرخين تكمن في طريقتهم في توجيه التاريخ بهدف تقليص دور النساء أو تقديمه في صورة سلبية، التركيز على السلبيات أو وضع الذكور موضع الصدارة هو بقصد إسقاط ذكرى تلك النساء في دائرة النسيان"(20).

المؤرخ في حقيقة الأمر ما هو إلاّ صوت من أصوات النظام السائد (سواء تعلق الأمر بالجانب السياسي أو الاجتماعي)، وبالتالي لا محالة من أن ينطق بلسان المجتمع الذي يحيا فيه، فيقيِّد ما يسعى النظام لإبرازه ويحيل إلى الظِّل ما يتعارض أو ما تتحفّظ السلطة عليه. وكمثال عن ذلك تنتبه آسيا جبار إلى جزئية في غاية الأهميّة وهي أنّ حضور فاطمة رضي الله عنها في كتب المؤرخين لا يتعدّى وصفها "أُماَ للحسن والحسين"(ص 61).

وتلجأ جبار إلى صحيح البخاري، كمصدر آخر، لتتمِّم تشكيل صورة فاطمة، وكأنّها بذلك تحاول إثبات ما مفاده أنّ الاستناد إلى مصدر واحد غير كاف للوقوف على الحقيقة الكاملة، فما يبدو على أنّه الحقيقة، هو في حقيقة الأمر ما أرادت السلطة آنذاك تقديمه على أنّه كذلك. ويرى جمال الشيباني أن آسيا جبّار من خلال هذا العمل "تُسائل المؤرخ بحثا عن تفسيرات للكشف عن غياب الانسجام وانعدام الموضوعية في كتاباته بالاستفادة من هامش الحريّة الذي يتيحها عنصر التخييل"(21).

إنّ رواية "بعيدا عن المدينة" حسب رأي فريال جبوري غزول: "نص يعيد تأثيث صفحات التاريخ الإسلامي بأن يجعل من الهامشي في كتب المؤرخين مركزاَ فاعلاَ ومحركاً لما حوله، وذلك بالاستناد إلى رؤيا ومنظور مغاير، بذلك يتم تفعيل الاجتهاد الذي تمّ تعطيله منذ القرون الأولى، فآسيا جبار تجاهد مجاهدة الصوفي لتستكمل ما خفي من خلال استقراء وتأويل الآثار المكتوبة مع شحذ قدراتها الحدسيّة لتجسيد فجر الإسلام، فالعمل مشحون بهمة سالك وتفاني مريد"(22).

تساؤلات حول المصادر:

لقد صرّحت آسيا جبّار ومنذ الصفحات الأولى بأنّ هذا العمل جاء نتيجة الاطِّلاع على جملة من المصادر التاريخية المتمثِّلة في تاريخ الطبري وطبقات ابن سعد وسيرة ابن هشام.
كما أشارت إلى فضل الشاعر العربي، نور الدين الأنصاري، الذي ساعدها على الغوص في لغة المؤرخين الأوائل وتلمّس شعريتها، فالأمر لم يكن ليتأتّى لها بسهولة نظرًا لكونها تكتب باللغة الفرنسة (كاتبة فرانكفونية) لا تمتلك من زاد اللّغة العربية سوى النزر القليل. وقد صرّحت بذلك في مناسبات عدّة: "لقد غصت في تفكيك تلك النصوص كلمة كلمة، فصلا بعد فصل[...] كنت بحاجة إلى سماع لغتي الأم في إيقاعها وتحفظها وفي ثغراتها أيضا"(23).

إنّه لمن الصعب على من هو بعيد عن حقل اللغة العربية أن يدرك أسرارها ويسبر أغوارها، فكيف إن كانت هذه اللّغة تعود إلى عصورها الأولى؟ إنّ الأمر أشبه بمجابهة المستحيل.

إنّ هذا الطرح يضعنا أمام جملة من الاحتمالات، فمن الممكن أن تكون الكاتبة قد استعانت بشروحات الشاعر نور الدين الأنصاري حول تلك المصادر التاريخية واكتفت بصياغة ما رسخ في ذهنها بطريقتها الخاصة وهو ما يجعل تقيُّدها بحرفية النص التاريخي أمرا مستبعدا.

لعل هذا الاحتمال يجد له مسوِّغا في العديد من أجزاء الرواية، فعلى سبيل المثال لا الحصر نجدها تشير في ذكرها لقصة الملكة اليمنيّة إلى أنّ الطبري قد أغفل ذكر أيّ تفصيل عنها حتّى أنّه لم يأت على ذكر اسمها أو الإشارة إليه: "التاريخ لم يترك لنا اسم الملكة اليمنيّة، يُفترض أن تكون ابنة أمير"(24). لكنّنا لو عدنا إلى تاريخ الطبري سنجد إشارة صريحة إلى اسمها، فهو "أذاد"(25). وهو الأمر الذي ينفي عودة آسيا جبار إلى هذا المصدر. يبرز في هذا الصدد احتمال آخر لا أراه مستبعدا، بل على العكس من ذلك أكثر رجحانا ومعقولية، ألا وهو استعانة الكاتبة بنسخة مترجمة إلى اللّغة الفرنسية عن تاريخ الطبري.

إنّ الترجمة كما يصفها أهل الاختصاص حسناء خائنة، فنقل تاريخ أمّة من لغة إلى لغة أخرى ينطوي على اختلافات عن النص الأصلي، نظرا لطبيعة كل لغة وضوابطها وتقاليدها الخاصة، فضلا عمّا تعلّق بالجانب الأيديولوجي. وإذا عدنا إلى تاريخ الطبري تحديدا، فإنّنا نجد أنّ ترجمته إلى اللّغة الفرنسية قد مرّت عبر وسيط لغوي آخر وهو الفارسية(26). إنّ ما نقلته آسيا جبار في مواطن عديدة يتعلّق بالنسخة المترجمة من تاريخ الطبري، فمثلا نجد أنّ ما يتعلّق بعدم الإشارة إلى اسم الأميرة اليمنيّة وما نقلته عن تفاصيل قتل "أسود" يكاد يكون حرفيا من النسخة الفرنسيّة(27).

وكمثال آخر عن ذلك يمكن العودة إلى ما ذكِر حول "حادثة الإفك"، إذ تروي جيار على لسان السيِّدة عائشة رضي الله عنها أنّها انتظرت قدوم من يبحث عنها إلى أن نامت (ص 282)، لكن الطبري في النسخة العربية يقول إنّها اضطجعت على الأرض دون أن تنام.
إنّ دلالة الكلمة في سياق اللّغة الأصلي قد خلقت نوعا من سوء الفهم وهو ما أدّى إلى تحريف المحتوى التاريخي.

السؤال الذي يُطرح وبإلحاح في هذا الصدد هو "لماذا لم تصرِّح الكاتبة بأنّها قد استعانت بنسخة مترجمة من تاريخ الطبري رغم أنّها قد ذكرت المصادر التي استعانت بها في بداية هذه الرواية؟

يمكن أن نخلص إلى فكرة مفادها أنّ الكاتبة وفي الوقت الذي تتهم فيه المؤرخين بتوجيه التاريخ حسب رؤى وأنساق معينة، نجدها تمارس الفعل ذاته، حين تغضّ الطرف عن تفاصيل وجزئيات تتعارض مع الرؤيا التي تسعى إلى تأسيسها، أو حين تحجم عن الإفصاح عن المرجعية التي استندت إليها بشكل واضح وصريح.

= = = = =

الهوامش والإحالات:

1= Carine bourget : Coran et tradition islamique dans la littérature maghrébine, édition Karthala 2002 .p. 74.

2= محمد أركون. الفكر العربي. تر: عادل العوّا. منشورات عويدات، بيروت-باريس، ط3، 1985، ص 13.

3= المرجع نفسه، ص16.

4= Carine bourget : Coran et tradition islamique dans la littérature maghrébine. p. 72.

5= Assia Djebar : loin de Médine, édition Albin Michel, 1991 . p. 15.

6= ibid. p. 19.

7= أبو جعفر محمد بن جرير الطبري. تاريخ الطبري،تاريخ الرسل والملوك. تحقيق: محمد أبو الفضل ابراهيم، دار المعارف، مصر، ج3، ط2، د ت. ص 185-236.

8= المرجع نفسه، ص 236.

9= Loin de Médine. p. 20.

10= ibid. p. 20.

11= Jamal alsheibani: réécrire l’histoire au féminin, les enjeux idéologiques et poétiques de la narration dans Loin de Médine, thèse de doctorat/spécialité littérature française comparée, université de Cergy-pontoise, 2009. p 54.

12 –Loin de Médine. p. 21.

13= Ibid. p. 28 .

14= أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: تاريخ الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج3، ص 267-271.

15= المرجع السابق، ص 275.

16= Loin de Médine .p. 47.

17= Ibid. p. 46.

18= Ibid. p. 47.

19= Ibid. p. 49.

20= Jamal alsheibani: réécrire l’histoire au féminin. p. 56.

21= Ibid. p 59.

22= فريال جبوري غزول. "الرواية الصوفيّة في الأدب المغاربي"، مجلة البلاغة المقارنة، الأدب والأنثروبولوجيا في افريقيا، العدد 17، 1997، ص 42.

23= Assia djebar : discours de francfort pour le praix des libraires allemands.

http://www.assia djebar.net /prize/assia_praix.htm

24= Loin de Médine. p. 19.

25= تاريخ الطبري، ج 3، ص 232.

26= Tabari :les quatre premiers califes, traduite par Hermann zotenberg, volume1, Sindbad, paris, 1980. p9.

27= Ibid. volume 4. p 15.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3035610

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC