غانية الوناس - الجزائر

أكفانُ الفراشَات

غانية الوناسكان الوطنُ حزيناً في ذلك المساءْ، وقسنطينةُ(1) كانتْ باردةً جداً كقبرٍ يفتحُ فاه لاستقبال الموتى القادمينَ من زمنِ المجهول. كلّ شيءٍ كان غارقاً في السّواد كأنّما يقيمُ حداداً داخلياً، والسّماءُ كانت تشاركهم النّحيب فراحتْ تهطلُ بمطرٍ بدا وكأنّه يغسلُ المدينة منْ أوجاعها التي تراكمتْ. لكنّ من عساهُ يغسلُ تلك القلوبَ الّتي استحالت أحجاراً تضاهِي في قسوتها صخورَ الوادِي التي تجثو بصمتِ تحتَ الجسورِ المعلّقة تلك؟

معلّقةٌ قسنطينة كجسورها السّبعة في ذلك المساءْ الحزينِ ما بينَ الحلمِ والكابوس، عروساً تلبسُ البياضَ لحظةً، وأخرى يتلطّخُ بياضها دماءً، فيغدو الفرحُ مأتماً مفتوحاً على كلّ شيءْ. كانت تبكِي في صمتٍ موتَ عصفورين من الجنّة ذهبا ليلعبا خارجاً. كانا كملائكةٍ تزيّنُ الأرضَ بأرواحها، تلتقطُ الفرحَ من هنا وهناك، تجمعها في سحبٍ لتمطرَ أحلاماً وأمنياتٍ جميلةٍ للوطنْ.

خرج إبراهيم وهارون(2) ليسعدا بربيع قسنطينة التي كانتْ تبتسمُ لكلّ القادمينَ مهما كانتْ أعراقهم. كانت تبتسمُ للجّميعِ دون استثناء حتّى لتلك الوحوشِ الّتي كانت تسكنها بملامحَ بشريةٍ وقلوبٍ لا تعرفُ طريقاً للرّحمة، فمنذُ زمنٍ لم يعدُ الموتُ ضيفاً ولا زائراً ولا حتّى عابرَ سبيلٍ في هذا الوطن، فقد اعتاده النّاسُ وألفوهُ مذ صار رفيقَ دربهمْ؛ مذ صار يأتيهم مع الشّروقِ والغروب صباحاً ومساءً كقدرٍ لا يملكونَ إلاّ التعايشَ معه. صار الموتُ يأتيهمْ أصنافاً وأشكالاً، ولكن اللون كانَ واحداً: لون الدّماءِ الّتي ما جفّت بعد.

لم يكنِ الموتُ هذهِ المرّة مختلفاً كثيراً، لكنّهم اعتادوهُ غير اختيّاري أو انتقائيّ، فلما هذهِ المرّة غيّر من عاداته وطقوسه؟ لماذا اختارَ هذهِ المرّة أن يقطفَ براعم؟ لماذاَ اختارَ أن يغتالَ البراءةَ دون سواها؟ لماذا امتدّت أنيابهُ إلى الطفولةِ تنهشها وهي التي لم تخبر بعد من الحياةِ سوى طريقَ المدرسةِ والمدينةِ والشارعِ الّذي اعتادتْ اللعب فيه؟

جاء الموتُ صغيراً هذهِ المرّة، لم تعد تشبعهُ الرؤوسُ المقطوعة والأطرافُ المبتورةُ لأبناء هذا الوطنِ. صارتْ له أحلامٌ أكبر، لذلك جاءتْ على مقاسِ كفني إبراهيم وهارون.

خرجاَ للّعب ككلّ أطفالِ الوطنْ ولم يعوداَ في ذلك المساءِ لأنّ القدرَ ضربَ لهما موعداً مع موتٍ لم يخجلْ حتّى من عمرهما الصّغير، فراحَ يخنقُ فيهما آخر الأنفاسِ بسلكٍ من حقدٍ، بعدما استفرغَ في جسديهما الهزيلينِ كلّ جنونٍ ووحشيّةٍ ومرضٍ وانحلالْ.

خرجاَ ليلعبا وعاداَ محمّلينِ في كيسٍين بلاستيكيّين، ليُسدلَ حزنُ قسنطينةَ في ذلك المساءِ أسمالهُ الثّقيلةَ على كلّ شيءْ في الوطن.

لم تجفَ بعدُ دماءُ شيماء(3) ولا جفّت دموعُ أمّ معاذ. وها هي من جديدٍ تعودُ لتفتحَ فصلاً جديداً من فصُولِ الموتِ المجّانيّ.

أيّها الموتُ المزروعُ في ديّارنا كغرسٍ يناسبُ كلّ الفصولْ، تقدّم نحونا أنّى شئت فلسنا نخافكَ أبداً، لكن رفقاً بالطّفولةِ الّتي لم تُزهر بعد.

تقدّم، ففينا المقهورون المتعبون من هذهِ الحياةِ القاسية، فينا الموجُوعون من كلّ شيءْ، من يشتاقُون سكنى السّماء، فهلاّ أخذتهمْ بدل هؤلاءِ الّذين خرجوا لتوّهم إلى الحياةِ كفراشاتٍ يحملونَ أحلاماً لوطنٍ أجملْ؟ دعهمْ يكبرون لعلّ الوطنَ على أيديهمْ يعَود وطناً للجميعْ.

= = = =

هوامش

(1) مدينة تقع شرق الجزائر معروفة بجسورها المعلقة.

(2) طفلان قتلا في قسنطينة بعد الاعتداء عليهما.

(3) طفلة هي الأخرى قتلت في سلسلة جرائم اختطاف وقتل الأطفال شهدتها الجزائر خلال الفترة الماضية.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3296033

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC