إبراهيم قاسم يوسف - لبنان

يومَ التقاها على الغدير

حينما أقبلَ الربيع، كانَ "الدّوري" في عزِّ الشباب، ولم يكنْ قد نَسِيَ بعد وصايا أبيه، فاتخذَ من شجرةِ الحورِ أرجوحةً ومنتجعاً يؤمّه وقتَ القيلولةِ والنوم، أو يلجأُ إليه كلما فاضَتْ به عاطفةٌ طارئة، ألهَبَتْها في نفسِه مراهقة جريئةُ العينين قادَتْهُ إلى المعصِية، حين لمحَها عصراً تفلِّي ريشَها عاريةً وتَغْتَسِلُ في مياهِ الغدير. فطارَ إليها بلا صواب، كالمٌهْرُ الأعمى يعدو ويَتَخَبَّطُ في الطريقِ. لكنه في اللحظاتِ الأخيرة كَبَحَ رغبتَه خوفَ الفضيحة، فراحَ يتجسَّسُ عليها خلسة، ويراقبُها تنفضُ جناحيها، وتحتجبُ عن الأنظارِ وسطَ أزهارِ السوسن والنسرين. هكذا علقتْ في نفسِه، واجتاحتْ مشاعرَه فألهمتْه قصيدتَه الأولى، وفي مطلعِها يقولُ بلهفةٍ وأسىً عميق (1):

أنا يا عصفورةَ الشّجنِ - - - مثلُ عينيكِ بلا وطنِ

سهرَ ليلاً طويلاً في معبدِ الحُبِّ يصلي، ويستلهمُ قصيدتَه من سحرِ عينيها. بذلَ في نظمِها جهداً كبيراً، وبدَّلَ مراراً وتكراراً في مفرداتِ القصيدة وأبياتِها وأوزانِها. كانَ كلما أعادَ قراءتَها وجدَ فيها من جديد عيباً أو ملاحظة، إلى أن شعرَ بالرضى عمّا كتب، فراحَ يترَنَّمُ بها عند أذانِ الفجر، حينما سمعَه عندليبٌ في الجوار، فأثنى كثيراً على اللحنِ والكلام، لكنّه أنكرَ عليه إداءَه ونشازَ صوتِه، ونصحَه أن يمتهنَ هوايةً أخرى بعيداً من الطربِ الأصيل.

لكنَّ الدوريّ خلافاً لرأي العندليب، كانَ قد نظمَ قصيدتَه وسكبَ فيها مشاعرَه ولحنَّها. وطفقَ ينتظرُ الفرصةَ المناسبة ليغنِّيها ويُسْعِدَ بها قلوبَ الآخرين. انتظرَ طويلاً حتى أرهقَه طولُ الانتظار، وعندما أقبلتِ الفرصة؛ كان يحطُّ على شريطٍ شائك في سورِ حديقةٍ ملأى بأشجارِ الخوخِ والتِّين، حينَ أسعفَه حظُّه وساقتْ إليه الأقدارُ طفلاً يحملُ حقيبته ويمضي باكراً في طريقِه إلى المدرسة، فتنحنحَ العصفورُ وراحَ يغرِّدُ بلا استئذان.

كادتِ الأغنيةُ تبلغُ نهايتَها والطفلُ يبتعدُ ويمضى في حالِ سبيلِه، فلم يلتفتْ إليه أو يكترثْ لما يُنشدُه العصفور. قالَ في نفسِه: ربّما كانَ الغلامُ بليدَ الذهن، أو مشغولَ الخاطرِ فلم ينمْ ليلتَه وهو يفتِّشُ عن حلٍ لمسألةٍ حسابيةٍ معقّدَة، "كأن يكونَ الصِّفْرُ رقماً مفرداً أو مزدوجاً أم هو يلتزم الحياد". لعلَّه ما زالَ يفكرُ في المعادلةِ العقيمة حتى هذه اللحظة.

هكذا برَّرَ العصفورُ لنفسِه فشلَه، وإهمالَ الطفلِ لأغنيةٍ تعبَ في نظمِها وتلحينِها، فأحسَّ بالخيبةِ والمرارةِ والأسف، حينما عجزَ أن يستوقفَ الطفلَ أو يلفتَ انتباهَه ليقف ولو لحظةً قصيرة، ويشنِّفُ أذنيه بالغناءِ العاطفيِّ الجميل، فيسمع بديعَ ما نظمَ ولحَّنَ وأنشد. لكنَّه لم يفقدِ الأمل، وعلّلَ نفسَه بأن تتاحَ له فرصةٌ أخرى، بعدما يعدِّلُ في اللحنِ والكلام ويتمرنُ على إداءٍ أفضل.

لهذا ابتدأ في تعديلِ الأغنية وفقَ تصنيفاتٍ موسيقية وأبعادٍ معينة، فتوسَّلَ لحناً آخرَ ومقاماً مختلفاً من مقاماتِ الشوقِ والحبِّ والعتاب، وتحوَّل من "الراست" في بدايةِ اللحنِ الأول إلى "الحجاز" في اللحنِ الثاني، على أن يقفلَ غناءَه "بالصبا". هذه المرَّة؛ بذلَ ما في قدرتِه من معرفةٍ واسعة وخبرةٍ دقيقة، في علمِ الموسيقى والكلام، وقامَ بتعديلٍ كبير على الأغنيةِ كلاماً ولحناً وإداء. قَلبَها رأساً على عقب وتحوَّلَ من البحرِ "المقتضب" إلى "المديد"، فهذا الوزنُ شديد التأثيرِ على السامع وساحرِ الإيقاع. ثم طفقَ ينتظرُ فرصةً أخرى يحالفُه فيها حظ أوفر.

كانتْ لم تشرقِ الشمسُ؛ حينما حطَّ على غصنٍ من أغصانِ شجرةِ "الكينا" في باحةِ دارٍ للعجزة، ليستقبلَ الصباحَ، ويتمرَّنَ على إداءِ الأغنية، عندما شاهدَ عجوزاً يتوكأ على عصاه منخفضَ المنكبين، يمشي الهوينى ليستريحَ على مقعدٍ في الجوار، فقالَ العصفورُ في نفسِه، هذا الرجلُ بأشدّ الحاجةِ إلى الترفيه، ويستحقُّ غنائي لينعمَ بعد هذا العمرِ الطويل ببعضِ الراحةِ والسلام. ثم انطلقتْ عقيرتُه وراحَ يشدو بالغناء، باذلاً ما في وسعِه ليسعدَ قلبَ الرجلِ العجوز.

لكنَّ الرجلَ العجوز لم يلتفتْ ولم يأبَه له، فلم يرفعْ رأسَه أو ناظريه، وانصَرَفَ ينكتُ الأرضَ بعصاه وينشِّزُ بصوتِ العصا على الغناء، والعصفورُ المنكسرُ المهزوم؛ بكى قلبُه وراحَ يفتِّشُ من جديد عن عيبِ الأغنية وأسبابِ الفشل، فقالَ في نفسِه: في هذا العمر يصابُ معظمُ العجزةِ بالطرش. وهذا العجوزُ لعله مصابٌ بالصمم وعمى العين. هكذا أقنعَ العصفورُ نفسَه مرةً أخرى، وطارَ إلى خميلةٍ قريبة يفتشُ فيها عن مستمعٍ جديد.

كانتِ الخميلةُ كالمقهى تعجُّ بالعصافير، ترتادُها الطيور من كلِّ صنفٍ وصوتٍ ومقام. وهناك أذهلتْه المفاجأة؛ حينَ التقى بالمراهقة إيَّاها تلكَ التي رآها وأيقظتْ مشاعرَه، وخفقَ لها قلبُه يومَ التقاها على الغدير، "فتعطلتْ بينهما لغةُ الكلام"، واقتصرَ الحكيُ على الإشارة والعتابُ على العيون.

تلك كانتِ البدايةُ الجديدة بينهما، فانطلقَ يغنِّي لها على سجيتِه، بصوتٍ دافئ تيَّمَه الغرام في يومِ السَّعدِ، يومَ التقاها تستحمُّ على الغدير. أتى على نهايةِ الأنشودة "والدُّورِيَّة" العصفورة، تواكبُه وتردِّدُ معه ترنيمةَ اللقاء بحرارةِ المدنفِ المشتاق، وتراودُه بعينِ العاشقِ الولهان. هكذا قرَّرَ العصفورُ أن يقترن بها، ويكوِّن معها أسرتَه الجديدة كما أوصاه أبوه. لهذا فقد اختارا لبناءِ العشِّ غصناً على شجرةِ "الكينا" في دارِ العجَزَة، غصناً عاليا، لا يطالُه الصبية الأوغاد.

= = = =

(1) أبيات من مطلع القصيدة:

أنا يا عصفورة الشَّجَنِ - - مِثْلُ عينيكِ بلا وَطَنِ

بي كما بالطفلِ تَسْرُقهُ - - أوَّلَ الليلِ يَدُ الوَسَنِ

واغْتِرابٌ بي، وبي فَرَحٌ - - كارْتِحالِ البحرِ بالسُّفُنِ

أنا لا أرْضٌ ولا سَكَنٌ - - أنا عيناكِ هُما سَكَني

(2) يعتقد أن القصيدة من نظم شيخ من جنوب لبنان اسمه علي محمد جواد بدر الدين، وهي في رأيي إحدى أجمل القصائد المغناة. نظمَها صاحبُها، ثم أنكرَها خوفاً من تدنيسِ "عمامته". وعندما باعها بثمنٍ حقير، اشترطَ على الملحنِ الشاري (عاصي الرحباني)، أن يَدْفَعَ عنه تهمةَ القصيدة ونسبَها. ولا أدري كيف انتفعَ الشاعرُ بمالِ القصيدة: هل أنفقَه على الهوى فاشترى له جُبَّةً وعمامة جديدتين، أم أكلَ بالثمنِ خبزاً قَفاراً من غيرِ إدام؟



forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3421132

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC