د. يسري عبد الغني عبد الله - مصر

تراثنا الأدبي بين الوحدة والتنوع

تراث متصل:

يمثل تراث الأمم ذاكراتها الجمعية الخالدة على مر العصور، وهي ذواكر أبنائها النابغين في شتى مجالات الفكر الإنساني وإبداعاته.

فتراث الشعوب هو حصاد عقولها، وعطاء نفوسها، ورحيق تجاربها الصافي، تهديه إلى أجيال الإنسانية جمعاء، مما لهم به صلة واجبة، وحاجة شاملة، ومن ثم يغدو تراث أية أمة بالنسبة لها القوة الدافعة للتقدم والرقي، والبوابة السحرية نحو التطور والنهوض والانطلاق والاستمرار.

تعكس هذه الحقائق أهمية تراث الأمم عامة، وضرورته لها باعتباره الطاقة المحركة الدافعة لكل عمليات البناء والإبداع، ارتكازًا إلى أسانيد رصينة من الفكر والثقافة، ولا نكون على درجة من المبالغة إذا قلنا أن النهار يزداد وضوحًا مع التراث العربي الإسلامي على نحو خاص، لحقيقة الدور الذي قام به في ريادة العالم واستنارته، يضاف إلى ذلك ما يتمتع به من خصوصية، ومن ثم كانت الحضارة العربية أساسًا جذريًا لأغلب فروع المعرفة الحديثة، ومدخلاً رحبًا للبحث والعلم والإبداع.

وقد وجهت إلى الفكر العربي الإسلامي حملات غير منصفة، خاصة من الغرب، بهدف تصويره على نحو من القصور والتأخر، أو الضعف والتبعية، والغرض من ذلك تشويه هويتنا متخذين تأثر الفكر العربي بالحضارة اليونانية والإغريقية ذريعة إلى ذلك، والحق أنه إذا كان الفكر الإنساني قد أشرق فجره في الشرق ثم تبلورت معالمه في ثقافة اليونان وحضارة اللاتين، فإن الدور الذي أتيح لنا أن نقوم به في خلال أكثر من تسعمائة عام، كان حين احتضنا هذا الفكر كله وحميناه، ترجمة ومراجعة وإضافة، حتى بدأ يؤتي ثمراته المرجوة بالفعل، وحين أسلمناه إلى الغرب مرة أخرى، كانت هذه القوائم الأساسية التي تكونت ونمت وما تزال مصدر القوة في الثقافة والحضارة العالمية القائمة الآن[1]

وبالرغم من تلك الحملات المجحفة، فإن جملة من كتاب الغرب المنصفين قد تصدوا بكل قوة لدحضها وتفنيد مزاعمها الباطلة بما أماطوا به اللثام عن جوهر الفكر الإسلامي ودوره المطرد في مولد الحضارة العالمية ونمائها، وحاجة الإنسانية إلى عناصر هذا الفكر ومقوماته المتفردة بما يقوم عليه من تلاحم وثيق بين المادة والروح.

وقبل أن نذكر رأي بعض أهل الإنصاف للحضارة العربية الإسلامية من كتاب الغرب ومفكريه، نشير على أن العديد من الاكتشافات العلمية سبق العرب إليها، وعلى سبيل المثال لا الحصر: الساعة الدقاقة، والساعة الزوالية، والبوصلة، والأمصال النافعة في الوقاية من الجدري والحصبة وعلاجهما، واستخدام المخدر في إجراء العمليات الجراحية، وغير ذلك من إنجازات طبية وعلمية لا يتجاهلها أهل الإنصاف[2].

=1= ليبري

يقول ليبري: لولا العرب لتأخر عصر التجديد في أوربا لعدة قرون، وفي الوقت الذي كان فيه الشعراء والأدباء والفقهاء يقومون بأدوارهم في نهضة العرب الروحية والنفسية والخلقية، كان العلماء في كل الميادين يقومون بقسطهم الوافر في البحث والنقل والتجويد، ففتحوا في العلم أبوابًا جديدة.

=2= برنارد لويس

يقول برنارد لويس: إن أوربا تحمل دينًا مزدوجًا للعرب ؛ فقد حافظ العرب على التراث الفكري العلمي الذي خلفه اليونان وتوسعوا فيه، ونقلوه إلى أوربا، ومن العرب نقلت أوربا طريقة جديدة في البحث، هي: طريقة تضع العقل في أعلى مكانة.

=3= رامبو

يذهب رامبو إلى أن العرب لم يكونوا مجرد واسطة نقلت إلى الشعوب الجاهلة في أفريقيا وأسيا وأوربا اللاتينية معارف الشرق الأدنى والأقصى، وصناعته واختراعاته، بل أحسنوا في استخدام المواد المبعثرة التي كانوا يلتقطوها من كل مكان.

=4= جوستاف لوبون

يذهب جوستاف لوبون إلى أن القرون الوسيطة لم تعرف الأمم القديمة إلا بواسطة العرب، وأن جامعات الغرب عاشت أكثر من خمسمائة سنة تدرس كتب العرب في مختلف العلوم والفنون. ويؤكد على أن العرب هم الذين مدنوا أوربا في المادة والعقل والإبداع،ن كما أن العرب هم أول من علم العالم كيف تتفق حرية الفكر مع استقامة العقيدة، ويرى لوبون: إن البعض يرى أنه من العار أن تكون أوربا مدينة في خروجها من دور الهمجية للعرب، ولكن من الصعب أن يحجب مثل هذا الأمر أو بمعنى آخر من العار أن تحجب الحقائق الواضحة المقررة.

لقد مضى الكثيرون من علماء الغرب والشرق ومفكريهم في تتبع كثير من إنجازات العرب، وسبقهم واكتشافاتهم في مجالات المعرفة المختلفة: في الطب والكيمياء والفيزياء والرياضيات والفلك والفلسفة والجغرافيا وعلمي الحيوان والنبات، وكثير من الصناعات مثل: الورق والسفن والزجاج، إلى آخره.

ويتأكد من هذه الشهادات، وغيرها، للغربيين أنفسهم، ومن غيرهم ممن تعمقوا في دراسة التراث العربي، ودانوا بفضله وسبقه، أن الحضارة العربية في فترة اتقادها وتوهجها قد رادت العالم في حقبة من أحلك عصوره وأضعفها، مما يدعونا إلى الإعزاز والزهو، ويبعث فينا الثقة بالنفس، تلك الثقة التي كادت أن تنمحي نتيجة لما نمر به في بعض بلادنا من أوضاع متردية.

إن الدارس لأثر حضارتنا العربية في العالم يجب أن يتسلح بروح التأمل و النظر التي تساعده على معرفة الدوافع والعوامل التي هيأت لذلك المجد العريق، هذا المجد الذي يحثنا على الاستيعاب الدقيق والفهم الأمثل الواعي لذلك التراث الزاخر، ليتجدد الأمل مرة أخرى في استعادة ذلك الماضي الذهبي، وإعادة صياغة الواقع المعاصر والمستقبل المرتقب برؤية موضوعية عقلانية شاملة وطموح مخترق لكل الصعاب والمعضلات، وتحد جماعي فعال في إنتاج أنماط من سلوك الذات في فاعلياتها النشطة.

ولا يمكن أن يتأتى ما أشرنا إليه سابقًا إلا باستحداث آليات دينامية بناءة في إطار مناقشة صراع الوجود وحوار الحضارات والثقافات، ومن هنا تتضاعف ضرورة توثيق الارتباط بتراثنا العربي في هذا المناخ الشرس الذي تحاول فيه قوى عالمية طاغية طمس هويتنا، وسحق ذواتنا، وفرض ثقافتها الأوحد أو ثقافة التخلف والعودة إلى الوراء إن لم نتبع ثقافتها، ولسان الحال يقول: ها نحن نتبع غيرنا بعد أن كنا القائدين، ونفني في ذواتهم بعد أن كنا متميزين، وتغشى أعيننا وقد كنا المبصرين.

ويتمتع الأدب العربي بميزة واضحة ومهمة، وهي: وحدة هذا التراث العريق بما تعنيه الوحدة من ترابط وتماسك واستمرارية، جعلت من أدب ستة عشر قرنًا حتى يومنا هذا أدبًا واحدًا يمتد في الزمان إلى تلك الحقب الجاهلية البعيدة، ويكون له من العمر ما لا يتوافر لأدب أمة أخرى.

فإذا كان مبدأ الارتباط بالتراث أمرًا تشترك فيه شعوب دنيانا جميعًا فإنه بالتراث العربي أوكد، وذلك لأن ارتباط تلك الشعوب غير العربية بتراثها ليس على سبيل التوحد والاستمرار، ولا يشكل أكثر من حقبة في تاريخها، إذ لم يتوفر لها ما قدر للغة العربية من العوامل التي هيأت لذلك التوحد، وهي في مجملها: الدين، واللغة، والموروث المعرفي العام.

إن اللغات التي حفظت التراث القديم في حضارات الأمم الكبرى هي في مجملها لغات تعيش منعزلة مغلقة على نطاق ضيق من الانتشار والمشاركة في معطيات حضارات اليوم، وأقدم الآداب الأوربية اليوم، وإن كانت ترجع في بعض أصولها ومصادر الاستمرار فيها إلى الآداب اليونانية والرومانية فهي لا ترتبط في وحدة دين ولغة ومنهج فكر[3].

إن أقدم نص أدبي، في أية لغة أوربية معاصرة، لا يتجاوز القرن الثاني عشر الميلادي بأي حال، وما قبله فآداب بلغات أخرى اندثرت أو تلاشت، أو أصبحت تاريخًا يدرس، وحتى هذه الآداب الأوربية تطورت لتصبح على ما هي عليه الآن. أما الأدب العربي فأقدم نص فيه يعود إلى مطلع النصف الثاني من القرن الخامس الميلادي، أي له من العمر أكثر من ألف وخمسمائة عام كاملة، ولا يجد القارئ صعوبة في فراءته أو فهمه[4]، وسنذكر لك فيما يلي مثالين يؤكدان على ما ذهبنا إليه.

شاعرة تصور مأساتها:

نقول: لقد كان بين القبائل في العصر الجاهلي تنافس وصراع، وكانت الحياة عندها سلسلة لا تكاد تنقطع من الغارات والمعارك، وقد سجل التاريخ الجاهلي معارك مشهورة سميت (أيام العرب).

والأبيات التي سوف تطالعها بعد قليل تصور لك إحدى هذه المعارك، وتنفرد بتصوير مأساة مما كانت تنجلي عنه.

وها هي جليلة بنت مرة بن ذهل من شيبان، والذي ينتهي نسبها إلى قبيلة بكر، وقد تزوجت من وائل بن ربيعة، المعروف بكليب، وكان كليب قد بلغ درجة كبيرة من الغنى، والقوة، والكبرياء ؛ حتى لقد منع أن ترعى إبل غيره في أرض له، أو أن تشرب من الماء الذي ترده إبله، وحدث أن مرت هذه الإبل وهي في الطريق إلى الماء بناقة البسوس بنت منقذ التميمية، ورآها كليب فغضب ورماها بسهم فقتلها.

ثارت ثائرة البسوس، وغضب لغضبها جساس ابن أختها، وأخو جليلة بنت مرة، فتحين فرصة من كليب، فقتله، ونشبت بذلك بين بكر وتغلب حرب ظلت فيما يقول الرواة أربعين سنة، وسميت (حرب البسوس).

ولما اجتمع نساء الحي في مأتم كليب وفيهن جليلة زوجة القتيل وأخت القاتل رأت أخت كليب في بقاء جليلة بينهن شماتة وعار، فقالت لها: يا هذه، اخرجي عن مأتمنا، فأنت أخت واترنا (الذي قتل قتيلاً منا)، فخرجت حزينة مهمومة، ويقال أن جليلة تقوض بيتها وسيادتها، وراحت تتنقل مع قومها من بكر مدة حربهم مع تغلب، وتوفيت سنة 538 م، ولنقرأ معًا أبيات جليلة بنت مرة الشاعرة التي تصور مأساتها: 

يابنة الأقوام إن شئتِ فـلا — تعجلي باللوم حتى تسألي

فإذا أنت تبينت الــــذي - - يوجب اللوم فلومي واعذلي

إن تكن أخت امرئ ليست على - - شفق منها عليه ففـــعلي

جل عندي فعل جساس فيــنا - - حسرتي عما انجلت أو تنجلي
 
فعل جساس على وجدي به - - قاطع ظهري، ومدن أجلي

***

يا قتيلاً قوض الدهر بــه - - سقف بيتي جميعًا من عـل

هدم البيت الذي استحدثته - - وانثنى في هدم بيتـي الأول

***

يا نسائي دونكن اليـوم قد - - خصني الدهر برزء معضـل

خصني قتل كليب بلـظى - - من ورائي ولظى مســـتقبل

يشتفي المدرك بالثأر وفي - - درك ثأري ثكل المثــــكل

إنني قاتلة مقتولـــــة - - ولعل الله أن يرتاح لــــي[5]

ولعل القارئ الكريم يلاحظ في هذه الأبيات التي قالتها جليلة بنت مرة أنها تستخدم لغة عربية فصيحة وواضحة في نفس الوقت، ولا نبالغ إذا قلنا أنها تشبه لغتنا العربية المعاصرة، وما أقربها إلى الخطاب الأنثوي البليغ، لكل ما فيه من تأثر وعاطفة متحرقة على أخ لها في مأزق شديد، وحيرتها البالغة بين أخيها القاتل وزوجها القتيل.

ولهذه القصيدة منزلة خاصة لدى الأدباء ونقاد الأدب، فهي قصيدة تعبر تعبيرًا حيًا صادقًا عن عواطف امرأة وجدت نفسها فجأة ضحية لنكبة من نكبات التهور والطيش، قضت عليها وعلى آمالها، وأدت إلى دمار قبيلتين يربط بينهما رباط القربى والصهر، كما نلاحظ أن أفكارها مترابطة، تسلم فيها الفكرة إلى الفكرة، وكلها في موضوع واحد، كما نجحت جليلة في توضيح موقفها من الجريمة البشعة التي ارتكبها أخوها، وفي تصوير رابطة الأخوة التي لم تستطع مقاومتها، يضاف إلى ذلك أن صورها معبرة، والجميل فيها أنها وإن لم تلجأ إلى الخيال كثيرًا فقد أجادت في تصوير الواقع، ثم تأتي ألفاظها الحلوة السهلة، المعبرة عن روح المرأة ومشاعرها.

دعوة إلى السلام:

من القصائد الخالدة التي ذاعت في العصر الجاهلي، وعرفت باسم المعلقات، معلقة زهير بن أبي سُلمى المزني، والتي بدأها بقوله:

أمن أم أوفى دمنة لم تكــلم - - بحومانة الدراج فالمتثـلم؟

وقد قالها زهير في مدح رجلين من سادات العرب، هما: هرم بن سنان، والحارث بن عوف، اللذان قاما بالصلح بين قبيلتي: عبس وذبيان، بعد حرب داحس والغراء التي استمرت بينهما زمنًا طويلاً، وخلفت وراءها كثيرًا من صور البؤس واليتم والدمار.

وسبب هذه الحرب: أن قيس بن زهير سيد بني عبس كان له جواد اسمه (داحس)، وأن حمل بن بدر من ذبيان كانت له فرس تسمى (الغبراء)، وكان من عادة العرب في الجاهلية أنهم يعقدون للسباق حلقات يتراهنون فيها على الخيول الكريمة، وحدث أن تراهن قيس بن زهير، وحمل بن بدر على داحس والغبراء، وجاء وقت السباق، وخاف حمل أن يسبق داحس فرسه، فلجأ إلى حيلة دبرها مع بعض فتيان قومه، إذ أمرهم أن يكمنوا في طريق داحس، ويضربوا وجهه إذا جاء سابقًا، وفعل الفتيان ما أمروا به، فسبقت الغبراء، وشاع الخبر، وانكشفت الحيلة، وعرفها قيس بن زهير، فغضب وغضبت لها عبس كلها، واتسعت هوة الخلاف بين القبيلتين حتى انتهت إلى هذه الحرب الطاحنة التي ظلت فيما يقال أربعين عامًا، حتى تقدم هذان الرجلان، وهما من قبيلة ذبيان فأصلحا بين القبيلتين، واحتملا ديات القتلى، وقد بلغت ثلاثة آلاف بعير.

وكان ذلك منهما صنعًا كريمًا، هز زهير بن أبى سُلمى شاعر الحكمة والسلام، فأنشأ فيهما معلقته التي نسوق لك فيما يلي بعض أبياتها.

يقول زهير بن أبي سلمى:
 
فلا تكتمن الله ما في نفوســـكم - - ليخفى ومهما يكتم الله يعلم

يؤخر فيوضع في كتاب فيدخــر - - ليوم الحساب أو يعجل فينقم

وأعلم ما في اليوم والأمس قبلــه - - ولكن عن علم ما في غد عم

رأيت المنايا خبط عشواء من تصب - - تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم

ومن لم يصانع في أمور كثيـــرة - - يضرس أنياب ويوطأ بمنسـم

ومن يحمل المعروف من دون عرضه - - يفره ومن لا يتق الشتم يشتم

ومن يك ذا فضل فيبخل بفضـــله - - على قومه يستغن عنه ويذمم

ومن هاب أسباب المنايا ينلنــــه - - وإن يرق أسباب السماء بسلم

ومن يجعل المعروف في غير أهلـه - - يكن حمده ذمًا عليه وينـــدم

ومهما تكن عند امرئ من خليقــة - - وإن خالها تخفى على الناس تعلم [6]

ولعلنا قد لاحظنا في هذه الأبيات ما امتاز به زهير من عقل، وحكمة، وحب للسلام، ونزعة للتدين، وما اشتهر به من ضرب الأمثال، ونقد المجتمع والتعريف بشيء من أحواله، كما نلاحظ معاني زهير الكريمة الواضحة البعيدة عن الإسفاف، والتي لا غموض فيها ولا إبهام.

كما يمكننا أن نعرف بعض ما تميز به أسلوب زهير من خصائص مثل جزالة اللفظ، ومتانة التركيب، مع نقاء العبارة، وبعدها عن التعقيد والإغراب، كما نجد أخيلة الشاعر منتزعة من البيئة الجاهلية، شديدة الاتصال بها، والصور ناطقة بالحياة، نابضة بالحركة، يكاد القارئ يرى ما فيها ماثلاً أمامه

تراث زاخر:

وكما يمتد هذا التراث في الزمان فيتصل بمصادره ونصوصه الأولى بقدر هائل من التشابه والتجانس، فإنه ينداح كذلك في المكان ليحتضن أدب كل البيئات التي اتخذت اللغة العربية لسانًا لها، وحدبت على آدابها ومعارفها الغزيرة التي تنتهج بلاغة كتابها المقدس المعجز، وتنهل من معينه العذب الذي لا ينضب.

ومما لا شك فيه أن الجزيرة العربية كانت قلب الدعوة الإسلامية السمحاء، ومنبع فكرها الشامل المستنير، ولكن مع اطراد الفتوحات الإسلامية التي لم يكن لها هدف إلا نشر الحب والخير والعدل والنور، واتساع نطاق الدولة العربية، انبعثت حركات المد الفكرية بإطلال الثقافة العربية على حضارات الشعوب الأخرى وثقافاتها العريقة الراقية، في الوقت نفسه الذي أقبل فيه أبناء هذه الشعوب على الامتزاج التام بالعربية والعروبة، واكتساب السليقة اللغوية الصافية، إذ يتحقق لهم بذلك كثير من الغايات: المعنوية والفكرية والمادية[7].

ومن ثم فقد بزغت عندئذ مراكز حضارية متعددة في معظم البلاد المفتوحة، وأصبحت تضاهي المدينة المنورة ودمشق وبغداد بما يضيفه علماؤها وأدباؤها إلى الكيان الثقافي العربي من ملامح، وما يستحدثونه من قيم التطور والنهضة، ومن هنا ظهر كثير من مفكري الإسلام الذين انحدروا من أصول غير عربية.

إن الأمم التي دخلت في الإسلام لم تظل هي نفسها كما كانت من قبل، فقد تحولت بفعل البيئة الجديدة والفكر الجديد إلى قوم جدد. وعلى وجه الإجمال فإن الحضارة العربية التي أنشأها العقل الموصوف بالسامي قد امتدت من الأندلس إلى الصين. وقد انصهرت فيها خلاصات الثقافات وعصارات الحضارات، وحولتها إلى كيانات جديدة، وأنشأت فيها حضارات عرفت بالإيجابية والبناء[8].

يتضح من ذلك أن الفكر العربي قد حقق وجوده التاريخي بصورة تكاملية عبر عصور متلاحقة وأقاليم متقاربة ومتباعدة، فتكاثفت أصداؤه واحتشدت تجاربه، واندفع الجميع في سباق محمود نحو التجاوز والتحدي، مع مراعاة الالتزام بثوابت التراث وأصوله.

هذا، ويأتي الدين الإسلامي في مقدمة عوامل توحد تراثنا الفكري، إذ يمثل كتاب الإسلام المعجز (القرآن المجيد) أساسًا للمعارف، وركيزة للنهضة والتطور الهادف البناء.

وقد احتاج المسلمون دائمًا إلى تنظيم حيواتهم المختلفة، وذلك وفقًا لقيم الإسلام الحنيف ومثله العليا، ومن ثم تعين على الأدب العربي أمران:

الأمر الأول: شدة الارتباط بالتراث، لما يزخر به من تمثل هذه القيم والأصول.

الأمر الثاني: الصدق في مواكبة روح الدين وموازاة مبادئه المنظمة لكافة النشاط الإنساني في المجتمع.

ويتبع عامل الدين عاملاً آخر وثيق الصلة به، ألا وهو الموروث اللغوي أو اللغة الواحدة المشتركة بين أبناء هذا التراث وهي اللغة العربية الفصحى التي ارتبطت بالقرآن الكريم.

وقد عدت العناية باللغة العربية، من الوقوف على أسرارها، وتذوق جمالياتها، والبراعة في الأداء بها، مرتقًا أوليًا لازمًا لفهم ألفاظ الذكر الحكيم، ومحاولة استكناه مواطن إعجازه، وفي هذا يقول شيخنا/الجاحظ: للعرب أمثال واشتقاقات وأبنية ومواضع كلام يدل عندهم على معانيهم وإرادتهم، فمن لم يعرفها جهل تأويل الكتاب والسنة والشاهد والمثل، فإذا نظر في الكلام، وفي ضروب من العلم، وليس هو من أهل هذا الشأن هلك وأهلك الناس[9].

ومن ثم فقد احتشد اللغويون والمفسرون والرواة والشعراء منذ عصور الأدب الأولى في طلب مادة اللغة العربية ونصوص الأدب العربي: شعرًا ونثرًا، وحفظها وجمعها، ثم عكفوا على درسها من وجوه مختلفة: أدبية ونحوية وتاريخية ودينية واجتماعية، حسبما يشع كل نص من مسائل وقضايا تتعلق بالشكل أو المضمون أو حتى ببيئة النص وراويه، وقد هيأ ذلك للغة العربية نفسها الحفاظ على مقاصدها وقواعدها خاصة، وقد امتلكت من عوامل القوة ومظاهر العبقرية ما لا تحظى به غيرها من اللغات، إذ لا شك أن كثيرًا من لغات الأمم تحظى بمزايا وعبقريات، في جانب الفصاحة أو الإعراب أو الاشتقاق أو غيرها، بيد أن الاعتبار هنا لاجتماع ذلك كله للغة واحدة (اللغة العربية) واطراده فيها[10].

ومن أهم مظاهر هذه القوة والعبقرية مواكبة اللغة العربية للنهضة المعرفية على مدى تاريخها الطويل واتساعها لمصطلحات العلوم والفنون بالقياس أو الاشتقاق أو التعريب، وما يتيح ذلك من مرونة في الاستخدام اللغوي، وقدرة على التواصل والتداول في مجموعات اجتماعية أو ثقافية متباينة، فهيأ ذلك كله للغة العربية أن تجري على الألسنة عذبة رقراقة حتى بين الأجناس الأخرى التي تعربت فكرًا ووجدانًا وبغض النظر عن عقيدتها الدينية، نظرًا لسماحة الإسلام وفلسفته في احترام عقائد الآخرين[11].

ومثلما أضافت هذه المحفزات تاريخًا ومساحة ورواجًا، فقد أضافت إلى سعة مدخرها من المخزون اللغوي الثقافي والفكري والعلمي، وعليه نقول هنا: إن الكتابة العربية ليست هي اللغة العربية، وإنما هي مرحلة تالية لمرحلة اكتساب اللغة، فهي مجرد أداة ووسيلة لحفظها، واكتساب اللغة العربية لا يكون إلا بتوظيفها واستخدامها واستعمالها في مجالات الحياة المختلفة، فيتجدد البناء الجسمي للغة، وتنمو وتتطور، وتواكب كل جديد علمي وتكنولوجي، فاللغة مثلها مثل جسم الإنسان وعقله لا ينمو ولا يتطور إلا إذا أمددناه بالماء والغذاء، فهو كائن حي لا بنفسه وإنما بغيره، أي بما نمده به من ماء وغذاء[12].

فاللغة العربية كانت دومًا من أكثر عوامل التوحد والوحدة بين الشعوب الناطقة بها، إذ شرفت بكونها لغة القرآن الحكيم أفاض عليها ببشره وقداسته فحفظها من الاندثار أو الضمور ومنحها العمار والخلود واكتسبت بذلك سيرورتها وحيويتها لدى أكثر من مليار مسلم في أنحاء المعمورة الأرضية (حوالي خمس سكان العالم )، يضاف إلى ذلك استيعابها الواسع لمعطيات العصور ونتاجها الحضاري والتكنولوجي الهائل، وبخاصة في القرنين الأخيرين ( أي التاسع عشر والعشرين الميلاديين)، وما صاحبهما من تقدم مذهل، ولغة بهذا الرقي والحيوية والثراء جديرة أن تكون لشعوبها وعاء تراثها وأداة حضارتها التي حافظت على رموزه، ونقلتها بأعلى قدر من البلاغة والبيان.

ويمثل الموروث المعرفي منذ نشأة الدولة الإسلامية إلى الآن عاملاً مهمًا ومظهرًا جديرًا بالتأمل والاهتمام في توحد أصحاب التراث العربي جميعًا، إذ جمعهم تحت لوائه فكرًا ومنهجًا وغاية حياة، نجد ذلك في: التفسير والفقه والحديث والشعر والخطابة وعلم الكلام، وغير ذلك من العلوم التي اتصلت لدى الأجداد العرب بوشائج وثيقة من التتابع أو التفاعل، فالتراث الإسلامي المتداول على نطاق جمعي سواء بين صانعي هذا التراث أو قارئيه، يكشف عن توحده في ذاته، بترابط موضوعاته، وتداخل علومه ومعارفه بعضها ببعض، كما يكشف عن نزوع إلى إيثار معايير التشابه والتوحد، وأن هذا التراث يمارس دوره في توحيد أجيال الأمة، بما كون من ذاكرة: عقدية ولغوية ومعرفية واحدة[13]. 

لقد أدت هذه العوامل (الدين / اللغة / الموروث المعرفي العام) إلى توحد ما بين بيئات هذا التراث المختلفة وتحوله إلى رابطة أقوى من الدم والعرق، وهي رابطة العروبة والإسلام، فجعلت لهذه الأمة تراثًا ذا وحدة عضوية متماسكة خاصة، وذلك لما يتمتع به من قابلية على الاسترفاد والتنافذ، ويعنينا هنا التراث الأدبي بكل أنواعه وأشكاله، والذي تعطر بأريج هذه الوحدة، وأفاء بظلالها التي جعلت من دلالة مصطلح الأدب العربي كيانًا واحدًا يشمل أنواعه وعصوره وبيئاته المختلفة، ولا يؤدي هذا إلى تفتيت أجزائه أو انعزال بين إبداعاته، ولكنه تقسيم منهجي مؤقت تقتضيه ضرورة التجزئة ليسهل علينا عملية الدراسة، والوقوف على السمات والتطورات العامة[14].

وبمعنى آخر، التعدد من أجل الوحدة والبدء بالجزئيات وصولاً إلى الكليات، ولعل هذا يذكرنا بمنهج الإقليمية في الأدب العربي والذي يهدف إلى الوصول لعملية تكامل للأدب العربي حتى يتسنى لنا نقده ودرسه وتحليله، وبالطبع فإن من أوائل الذين دعوا إلى منهج الإقليمية أستاذنا الشيخ / أمين الخولي أمين الأمناء (رحمه الله)، وذلك من خلال كتابه المهم (فن القول).

تواصل متوازن:

تحيلنا مسألة وحدة تراثنا الأدبي العربي عبر الزمان والمكان إلى قضية من أهم قضايا الانشغال بالتراث وتوصيف الارتباط به، وهي مدى ترسمنا لهذا التراث من ناحية، وسعة استيعابه لروافد التجديد والتغيير من ناحية أخرى، وهي ما أطلق عليه قضية: الأصالة والمعاصرة، أو القديم والحديث، أو الموروث والوافد، ولن نتتبع في هذا المقام إذ يقصر عن ذلك ويحيد عن هدفه المعارك الفكرية والأدبية العديدة التي استعرت حول هذه القضية، ولكن الذي يعنينا هنا أمر آخر، نحسبه لازمًا ومهمًا في تحديد علاقتنا بالتراث، وهو أن الاحتفاء بالتراث واستلهامه لا يعني أن نقلده تقليدًا ساذجًا، أو نحاكيه مكررين لنماذجه ونصوصه، بل ما نريده بحق هو الانتماء الواعي إلى رموزه المميزة، التي تصقل الفكر وتهذب الوجدان وترهفه، لينطلق كل مبدع بعدها إلى التحليق في سماء الإبداع والابتكار والتحديث على هدي من عراقة الأصول دون فناء فيها أو تماه، وفي نفس الآن نرتقي بذوق الناس، ونأخذ بوجدانهم وأحاسيسهم ومشاعرهم إلى الرقي والسمو بعيدًا عن التفاهة والتسطيح والتبسيط المخل الذي يسيطر على حياتنا بوجه عام في أيامنا الراهنة.

نقول: إنه بالمثل لا ينبغي لكائن من كان ممن يكتنفهم ثراث هذه الأمة الانسلاخ عنه بدعوى ثباته وعدم معاصرته لمستجدات الواقع والحياة، فالعيب فينا نحن وليس في التراث، ولنعلم جيدًا أن وحدة التراث لا تعني جموده وتحجره، واستقراء شواهده تدل على أن قيمه الثابتة تحمل في طياتها وخصائصها عوامل الحيوية والتطور والتجدد لما يتسم به من سماحة ورحابة أفق وقدرة على تقبل الآخر والحوار معه.

نؤكد على أن ما سبق أتاح لتراثنا الفكري والأدبي أن يتواصل مع كل ما يكون طريفًا وجديدًا من فكر وإبداع ما دام منسجمًا مع روح قيمنا وثوابتنا، وطبيعتهما الخاصة، مشكلاً من كل ذلك في النهاية وجدانًا متوحدًا من المحيط إلى الخليج العربي ليدعم هويتنا القومية، وكياننا المشترك بتوحده عبر الزمان طوال ستة عشر قرنًا مضت إلى الآن، وتشعبه في المكان عبر أنحاء العالم الإسلامي الممتدة، وبيئاته ومراكزه الحضارية المتعددة في بلاد الجزيرة العربية، وبلاد الشام، والعراق، ومصر، وإيران، والمغرب العربي، وموريتانيا، والأندلس (فردوسنا المفقود). والله ولي التوفيق.

= = = = =

الهوامش

 

[1] أنور الجندي، أضواء على الفكر العربي الإسلامي، الدار المصرية للطباعة والنشر، القاهرة، 1966، ص 19

[2] أنور الجندي، أضواء على الفكر العربي الإسلامي، المرجع السابق، ص ص 29 – 39

[3] صالح جمال بدوي، في خصوصية وحدة الأدب العربي، مكتبة نهضة الشرق، القاهرة، بدون تاريخ نشر، ص 12

[4] الطاهر أحمد مكي، دراسة في مصادر الأدب، الطبعة السابعة، دار المعارف، القاهرة، 1993، ص 7

[5] إبراهيم عابدين وآخرون، الأدب والنصوص (العصران الجاهلي والإسلامي) وزارة التربية والتعليم المصرية، القاهرة، ص 21

[6] الحسين بن أحمد بن الحسين الزوزني، شرح المعلقات السبع، مكتبة ومطبعة محمد على صبيح وأولاده، القاهرة، 1968، معلقة زهير بن أبي سُلمى المزني، ص ص 86 106

[7] محمود فهمي حجازي، اللغة العربية عبر القرون، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1997، ص 45

[8] أنور الجندي، أضواء على الفكر العربي الإسلامي، مرجع سبق ذكره، ص ص 94 _ 96، بتصرف من عندنا.

[9] الجاحظ، كتاب الحيوان، تحقيق: محمد عبد السلام هارون، دار الجيل، بيروت، 1985، 1 / 153.

[10] صالح جمال بدوي، في خصوصية وحدة الأدب، مرجع سبق ذكره، ص 23

[11] أميمة عبد الرحمن ومنال غنيم، من مصادر التراث الأدبي، كلية الألسن، جامعة عين شمس، القاهرة، 2008، ص 22

[12] محمد علي الملا، اللغة العربية: رؤية علمية وبعد جديد، مكتبة نهضة الشرق، القاهرة، بدون تاريخ، ص 20

[13] صالح جمال بدوي، في خصوصية وحدة الأدب العربي، مرجع سبق ذكره، ص 42

[14] أميمة عبد الرحمن ومنال غنيم، من مصادر التراث الأدبي، مرجع سبق ذكره، ص 23 وكذلك: صالح جمال بدوي، في خصوصية وحدة الأدب، مرجع سبق ذكره، ص 10.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3102483

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC