أشواق مليباري - السعودية

نجمة تشع وتختفي

نظرت بدهشة إلى السماء من خلال زجاج النافذة.

كانت نجمة عالية تومض بنورها الأحمر وسط الظلام. التفتت إلى أختها الكبرى مستلقية على أريكة وهي تتصفح مجلة بين يديها بلا اهتمام. تميل برأسها طربا ذات اليمين وذات الشمال، وفي أذنيها سماعة صغيرة متصلة بجهاز.

هزتها من كتفها وقالت لها: "أنظري إلى تلك النجمة الحمراء".

أومأت الأخت الكبرى برأسها بلا اكتراث.

"إنها كبيرة جدا، تشع وتختفي".

أومأت مرة أخرى دون أن تنظر إليها.

"إنك لا تصغين إليّ". قالت الأخت الصغرى.

حملت لعبتها وغادرت الغرفة بامتعاض.

في مكتبه جلس الوالد أمام الحاسوب يستطلع أخبار المساء وهي تناديه:

"بابا. بابا. هناك نجمة حمراء تشع في السماء. بابا".

أجابها وعيناه مسمرتان إلى الشاشة:

"نعم. نعم نجمة حمراء، ربما كانت طائرة يا عزيزتي".

"لا ليست طائرة، إنها لا تتحرك من مكانها"

"نجمة

"نجمة حمراء كبيرة للغاية".

"أهّا. ربما تكون مستعراً أعظم".

"ماذا؟"
أجابها وعيناه إلى الشاشة: "تنفجر بعض النجوم، حينما يُستنفد مخزونها من الوقود الذي يُحدث التفاعلات النووية بداخلها، فتلقي بغلافها إلى الفضاء وتتكون حولها سحابة كروية براقة من "البلازما" وتتلون بالأحمر وبالأزرق أيضا".

"تنفجر؟"

"أجل يا حلوتي، تنفجر وتموت. ببساطة المستعر الأعظم هو نجم ميت".

حدقت الصغيرة بوالدها، اخترقت نظراتها (الزمان والمكان)، وسرحت بخيالها وعينيها إلى فضاءات بعيدة، كون غارق في ظلمات سرمدية، ونجوم تسطع وتتوهج، ثم تنفجر وتتلاشى.

عاد الأب يتحدث وهو منشغل بشاشته: "ربما يكون النجم قد انفجر منذ ملايين السنين، وما زالت أشعته تصل إلينا، فسديم السرطان مثلا نتج عن انفجار هائل رصده الفلكيون الصينيون والعرب وشعوب أميركا الأصليون، وهو مازال يشع حتى الآن. هل فهمتِ الآن يا حلوتي؟"

حينما التفت إلى حيث كانت تقف ولم يجدها، هز رأسه وهمس: "جيل غريب، دائماً في عجلة من أمره لا يصبر حينما يسأل، ولا ينتظر الجواب".

في المطبخ وقفت الأم تغسل أطباق الطعام وهي تدندن بأغنية قديمة يحفظها الجميع.

جذبتها الصغيرة من طرف ثوبها: "ماما. ماما".

رفعت الأم حاجبيها، ونظرت إليها وهي ما زالت تترنم بالأغنية، كأنما تدعوها لتشاطرها الغناء.

"ماما اسمعيني. ماما توقفي أرجوك".

توقفت الأم عن الغناء وابتسمت لها. "نعم يا حبيبتي؟"

"في البعيد نجمة تشع وتختفي، تنفجر وتتطاير كما الألعاب النارية، وحولها نجوم أخرى.
ماما لماذا يموت النجم؟ بابا يقول إن النجوم كجدتي، تموت هي الأخرى".

تنبهت الأم إلى العينين الحزينتين الغارقتين في الحيرة، ولم يغب عنها القلب الصغير الذي تفطر حزنا قبل شهور لفراق الجدة الحنون. جففت يديها. انحنت واقتربت من طفلتها" فكرت قليلا ثم قالت:

"اسمعي يا صغيرتي، بعض النجوم ترسل ضوءا ضعيفا لا يُرى، فهي وإن كانت هناك لا يدرك وجودها أحد، وفي الكون نجوم أخرى تشع في السماء كالمصابيح المعلقة، ينبعث ضوءها يغمر الفضاء الرحب من حولها، وحين تموت تختزن كل ما بقي من طاقتها لتتحول إلى هالة من الأضواء الملونة، تطلقها لتعبر المسافات والأزمنة، لا شيء يوقفها عن الاستمرار في ذلك السفر الطويل. النجم العظيم لا يتوقف عطاؤه، ولا يخبو ضوءه، ولا ينتهي جماله. ما نراه من هذا النجم هو ماضيه، حين يكون الماضي جميلا، يكون الحاضر كذلك، ويكون المستقبل أجمل".

ارتسمت على وجه الصغيرة ابتسامة الرضا. طوقت أمها بذراعيها، وطبعت قبلة على خدها، وغادرت المطبخ.

نادت الأم ابنها البكر بعدما انتهى من تناول الطعام، وكان يسمع ويراقب ما يجري فكلّفته إحضار بعض صناديق التموين من الفناء.

خرج الفتى على الفور، وفجأة تنبه وهو يحمل الصناديق إلى ضوء أحمر يومض عاليا جدا فوق المباني المجاورة. أخرج هاتفه المحمول من جيبه. نظر إلى شاشته، وإذا إشارة قوة الإرسال تضيء بمستوياتها الثلاثة. استبشر ودخل الدار ينادي مبتهجا:

"أمي. أبي. مفاجأة سارة: برج الاتصالات الجديد بدأ يعمل".


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3253806

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC