غانية الوناس - الجزائر

متى ستنبضين بالحيـــاة مجددا؟

غانية الوناسباتنة مدينة تقع شرق الجزائر. يطلق عليها اسم عاصمة الأوراس، وهي المدينة الّتي شهدت انطلاق أول رصاصة في ثورة التحرير الكبرى.

متى سنستعيد هوية هذه المدينة التي غاب عنها وجهها منذ زمن بعيد، ولم تعد تعرف نفسها أو تتعرف إليها؟ إنك تمشي بشوارعهـا كل يوم ولست تشعر بشيء اتجاهها. لا تحس بشيء يجذبك إليها أو يشدك إلى نبضها، لا شيء يربطك بها مطلقا، لا هوية تستشعرها وأنت تمر بأحيائها، وعبثا تبحث عن نفسك بين كلّ أولئك النّاس الّذين يملئونها ضجيجا وصخبا، فلا تجد نفسك ولا الآخرين حتى. الكلّ غارق بمتاعب حياة لم تعد ترحم أحدا. الكلّ يجرّ تعبه وراءه كلّ صباح، ويحمل جبلا من الهموم فوق رأسه.

ومدينة كانت رمزا للتاريخ والثورة ذات زمن لم تعد تتعرف إلى ذاكرتها، متحف للمجاهد مبعثر هناك في مدخل المدينة، مهمل على جانب الطريق لا يتذكر أن يزوره أحد سوى في عيد الثورة وعيد الاستقلال، تزيّنه الأعلام فقط يوم الاحتفال وبعدها يعود إلى سكونه الدائم، إلى سباته الذي لا توقظه منه حركة النّاس وهم يرتادونه شوقا إلى التاريخ المنسيّ هناك في دهاليز الذاكرة. ومن سيرتاد متحفا والناس ما عادت ترتاد سوى الأسواق والمطاعم؟

وأنت تمشي بشوارعها تتعثر صدفة بالتاريخ يسألك: لما لم يعد له مكان هنا بيننا؟

لا شيء يعترف به؛ لا شيء يعترف بوجوده؛ لا شيء مطلقا، وأفكار تجتاح قلب باتنة لتقلبها رأسا على عقب، فلا تعود تعرف نفسها ولا من يسكنها، فكيف ستتعرّف إلى تاريخها إذن؟ أين الثورة التي ولدت ذات نوفمبر هنا؟

لا شيء يتعرّف إلى صوت الثورة هنا، فقد أضعنا روحها وضاعت منّا البوصلة التي كانت تشير دائما إليها، أضعنا كلّ شيء بينما تزاحمت المحلات والمطاعم لتحتلّ كلّ شبر منها.

تواصل جولتك بينما تهمس الثقافـــة فجأة في أذنك: "وأنا يا سيدي؟ لما لست هنا بينكم؟ لما لم أعد أسكن مدينتكم؟ لما لم يعد يعرفني الناس هنا؟" فتضحك وتضحك وقلبك يشعر برغبة في البكاء حزنا وقهرا. لا تعرف أتضحك من سؤالها، أم أنك تبكيها سرا حتّى لا تراك؟

مهلا يا سيدتي، عذرا منك أيتها الغريبة عنّا، فأنت ما زلت غائبة عن هذا المكان، لا زلت وحيدة هناك تترقبين متى يفسحون لك مجالا لتتربعي على عرش المدينة الفارغة منك منذ زمن بعيد.

عذرا يا سيدتي فهم يصنفون الثقافة عندنا في مهرجان للغناء كلّ صيف، هكذا نفهم الثقافة هنا وهكذا نعرفك عندنا، لا شعر هنا لا نثر لا كتّاب لا روائيّون، لا قصص لا أدب لا رسم لا نحت؛ لا فن. . لا معارض بالمرّة. بعض بقايا الثقافة ما زال يحملها على عاتقه مسرح عتيق ما زال يقاوم ويكافح كي لا يموت كما مات كلّ شيء آخر.

هل تراني أبالغ فيما أقول، أم لعلّي متشائمة حدّ اليأس، أم أنّي لفرط ما مشيت بها لم أعد أعرفها جيدا وما عدت أتعرّف إليها؟

لعلّي كذلك، لكنّي بصدق أشعر بالحزن حيّالها، أشفق عليها وأشفق على نفسي، وأشفق علينا جميعا، مدينة كهذه كان لابد أن تكون منارة متّقدة لا تنطفئ أبدا، كشمس تشرق لا تعرف غروبا مطلقا.

جعلوك جامدة أيتها المدينة، أفرغوك من كلّ شيء وبتّ غريبة لا يعرفك أحد، بتّ طرقا وبنايات فقط. بتّ خريطة فحسب، وغابت عنك روحك السابقة، كأنّهم أبدلوك بشبح مدينة ميتة منذ عصور.

أنتهي هنا فقد ضاقت بي الكلمات، سأقف هنا لعلّي ذات يوم أراك كما يجب أن تكوني، لعلّه سيأتيني ذات جيل جديد يوم لأراك فعلا كما تستحقين.

نافورة في مدينة بتنة


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3102483

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC