يسري عبد الغني عبد الله - مصر

ابن المقفع وتجديد النثر العربي

عبد الله ابن المقفع: صاحب أول مدرسة في تجديد النثر العربي

يعد العصر العباسي (132 هـ 656 هـ ) عصر التطور الحقيقي في النثر العربي، حيث ازدهر هذا الفن ازدهارا كبيرا، فقد طور الأدباء الأساليب النثرية الموروثة من: خطابة ورسائل، وأضافوا ابداعات جديدة لم يعهدها العرب، مثل: فن التوقيعات، والحكايات والقصص على ألسنة الطير والحيوان، والمقامات وغيرها، نافذين من خلال هذا التجديد إلى ذوق متحضر، جاء نتيجة تأثرهم بالثقافات المترجمة إلى اللغة العربية من منابع شتى: فارسية، وهندية، ويونانية، فأضافوا لقوة الأساليب العربية وجزالتها رقة وعذوبة، وقدرة على تحليل المعاني، والملاءمة بينها وبين حياتهم الجديدة.

ومن هنا حدث تحول كبير أظهر خلاله النثر العربي مرونة كبيرة وواسعة، إذ استطاع أن يحتوي كل هذه الينابيع، وأن يتسع صدره، لقد غدا كمجرى نهر كبير ترفده جداول من ثقافات متنوعة تنوعا لا يكاد يعد أو يحصى[1].

في هذا العصر ظهر عبد الله بن المقفع، الفارسي الأصل، واسمه روزبه بن داذويه، ولد في مدينة جور الفارسية، في بيت يسار ونعمة، كان والده على دين الماجوسية إلى ان توفي، ويبدو أن الوالد كان على عناية شديدة بتأديب ابنه حتى أتقن اللغتين الفارسية والعربية، وقد نشأ ابن المقفع بين ظهراني علماء المسلمين، فقد كان والده يعمل في دواوين الخراج على أيام الحجاج بن يوسف الثقفي.

دان ابن المقفع (المقتول حرقا سنة 142 هـ = 762 م) بالإسلام عن عقيدة وعلم، وغدا في الكهولة نابه الذكر[2]، وقد مضى يتكسب بصناعة أبيه، فاشتغل في دواوين بلاد العراق أخر زمان بني أمية، وساعده تمكنه من الآداب الفارسية على الرسوخ في اللغة العربية، فجمع بين الأدبين، وفاق الأقران والنظراء. ولذلك فقد انعكست الثقافتان في إبداعاته و مؤلفاته، وترتكز أهمية ابن المقفع في ناحيتين: الناحية الأولى ترجماته، والناحية الثانية تآليفه.

لقد نقل عبد الله بن المقفع إلى اللغة العربية تراثا ضخما من آثار اللغات الفارسية والهندية واليونانية، ولعل ابن المقفع هو أول من فتح هذا المعين الذي أغدق على العربية بالخير الكثير[3]. ومن أهم الكتب التي ترجمها (خداي نامة) في سير ملوك الفرس و(التاج) في سيرة الملك/كسرى أنو شروان و (آيين نامة) في أحوال الفرس وعاداتهم وأخلاقهم و (مزدك) في الديانة المزديكية. ومن الآثار اليونانية قام بترجمة ثلاث كتب في المنطق للفيلسوف اليوناني/آرسطو هي: المقولات، والقياس، والجدل، ومن الآثار الهندية نقل أو عرب كتابه الشهير: كليلة ودمنه. أما مؤلفات أو إبداعات ابن المقفع، فهي: أربع رسائل أدبية في موضوعات مختلفة وهي: الأدب الكبير، والأدب الصغير، ورسالة الصحابة، والدرة اليتيمة.

ومن هنا يلحظ القارئ أن أهمية ابن المقفع لا ترجع إلى أنه كان كاتبا من كتاب الدواوين الحكومية، وإنما ترجع إلى أنه كان مترجما عن البهلوية الفارسية وغيرها، فنقل إلى اللغة العربية خير ما عرفته اللغة الفارسية بالإضافة إلى آداب اللغات التي ذكرتها من قبل، مما كان له أثر كبير في الآداب العباسية، سواء منه ما اتصل بالأخلاق، وما اتصل بتاريخ الساسانيين ومن سبقوهم من ملوك إيران، وكذلك ما اتصل بأنظمة ملكهم وحكمهم للرعية[4].

ونظرا لهذه البلاغة التي امتلك ابن المقفع ناصيتها، فقد كان محل شك ونقد من علماء اللغة العربية في العصر العباسي، واختلف هؤلاء النقاد اختلافا كبيرا حول كتاب كليلة ودمنه، فالجاحظ كان في ريب من أصالة كليلة ودمنه، كما كان في ريب من نسبة باقي مؤلفاته إليه، يقول الجاحظ: ونحن لا نستطيع أن نعلم أن الرسائل التي في أيدي الناس للفرس أنها صحيحة غير مصنوعة، وقديمة غير مولدة، إذ كان من مثل ابن المقفع وسهل ابن هارون، وأبو عبيد الله، وعبد الحميد وغيلان، يستطيعون أن يولدوا مثل تلك الرسائل ويصنعوا مثل تلك السير[5].

الجاحظ كان في ريب من نسبة هذه الكتب التي زعم أصحابها أنهم ترجموها عن اللغة الفارسية، والسبب في ذلك امتلاكهم لناصية البيان، فلا حدود تفرق بين المترجم والمصنوع أو المؤلف، معنى ذلك أن رجلنا/ابن المقفع امتاز بعلو كعبه في الأدب العباسي، فهو قد بز الأدباء والبلغاء، وكتبه تدل على نفسها، فلم يعرف لمتقدم أو لمتأخر أن نقل إلى اللسان العربي شيئا في الأدب والعلم، لا تحس فيه أثر اللغة المنقول عنها إلا ابن المقفع[6].

وأديب بهذه المقدرة لابد أن يكون محط إعجاب من أقرانه من الكتاب والأدباء، والتأثر به في مختلف العصور، ومن هنا رأينا التعرض لأحد هذه الآثار الأدبية التي خلفها ابن المقفع، وذلك بالتحليل لبيان مواضع الإبداع فيها قدر الإمكان والطاقة والجديد الذي أغرى بتمثيلها في الأعمال الأدبية الأخرى.

عن كليلة ودمنة وسبب التأليف:

كليلة ودمنة كتاب لعبد الله بن المقفع ترجمه أيام الخليفة العباسي الثاني، أبي جعفر المنصور (136 هـ 158 هـ)، من اللغة البهلوية (الفارسية القديمة) إلى العربية، وقد بين في مقدمة الكتاب أن مؤلف الكتاب هو بيدبا الفيلسوف الهندي، وأن بيدبا ألفه لدبشليم ملك الهند، مع تشكك سوف نشير إليه فيما بعد. ويمتاز هذا الكتاب بأن جعله بيدبا على ألسن البهائم والطير، وهدفه من ذلك صيانة غرضه من العوام وضنا بما فيه على الرعاع، والسبب تنزيها للحكمة وفنونها ومحاسنها وعيوبها [7].

وكما بين ابن الشاه الفارسي الذي قام بوضع مقدمة كليلة ودمنة، أن المغزى الأساسي من عمل هذا الكتاب، هو إخلاص النصيحة لأولي الأمر، حيث بين ابن الشاه أن السبب الذي من أجله وضع بيدبة الفيلسوف لدبشليم ملك الهند كتاب كليلة ودمنة ؛ أن الإسكندر ذا القرنين أخضع ملوك الغرب، وسار يريد ملوك الشرق، فتوجه بالجنود نحو بلاد الصين، وبدأ في طريقه بملك الهند ليدعوه إلى طاعته،وكان ملك الهند ذا سطوة وبأس وقوة فرفض الدخول في طاعة ذي القرنين، واستطاع أن يوقع به ذو القرنين وانصرف عن الهند وخلف تابعا له عليها.

وتغيرت الهند عما كانت عليه من طاعة لرجل الإسكندر فخلعوه، واجتمعوا يملكون عليهم رجلا من أولاد ملوكهم، فملكوا عليهم ملكا يقال له دبشليم، إلا أنه بغى وتجبر لما استقر الأمر له، وكان في زمانه رجل فيلسوف من البراهمة، فاضل حكيم، يسمى بيدبا، أراد رده عن ظلمه، وإعادته للعدل والإنصاف، فقدم له النصيحة، إلا أن الملك استشاط غضبا من بيدبا واستصغر شأنه وحبسه، حتى إذا كانت ليلة من الليالي سهد الملك سهدا شديدا، وتفكر في الفلك وحركات الكواكب، وعرضت له أمور فيها ومسألة عنها، فتذكر بيدبا، فاستدعاه من سجنه وسمع له، واستغرب كلامه، وقربه إليه وصرف همته إلى النظر في كتب فلاسفة الهند، فوقع في نفسه أن يكون له كتاب مشروح ينسب إليه، وتذكر فيه أيامه، كما ذكر آباؤه وأجداده من قبله.

فقام بيدبا وتلاميذه بهذا العمل، حتى استقر الكتاب في غاية الإتقان والإحكام، ورتب فيه أربعة عشر بابا، وفي كل باب مسألة والجواب عنها، ليكون لمن نظر فيه حظ من الهداية، وضمن تلك الأبواب كتابا واحدا سماه كليلة ودمنة، ثم جعل كلامه على ألسنة البهائم والسباع والطير، ليكون ظاهره لهوا للخواص والعوام، وباطنه رياضة للعقول الخاصة، وضمنه ما يحتاج إليه الإنسان من سياسة نفسه وأهله وخاصته، ويحضه على طاعة الملوك، ثم بين حيلة الفرس في نقل الكتاب إلى اللغة الفارسية.
 
الرأي في أصالة كليلة ودمنة

اختلف النقاد في كون ابن المقفع نقل كليلة ودمنة عن الفارسية، والأرجح من وجهة نظرهم: أنه كتبه مباشرة أي أنه هو مؤلفه، وقد أقر في المقدمة أنه كتب بعض فصوله، ونقل الباقي عن غيره، أتى ذلك لينجو من تبعة ما ورد فيه، ويسلم من نقمة الملوك إذا عدوا ما فيه تعريضا باستبدادهم[8].

لكن الغريب في هذا الرأي القول بأن الرجل جمع في وضع الكتاب بين الاقتباس والتأليف لينجو من استبداد الملوك، فمن الملوك الذين كان ابن المقفع يخشاهم؟ في هذا العصر كان الملك الفارسي قد انهار على أيدي العرب الفاتحين، والشيء الآخر أن حكام بني أمية ومن تلاهم من العباسيين لم يلقبوا بالملوك، وإنما لقبوا بالخلفاء، بل يمكن اعتبار أن عبد الله بن المقفع هو المحرض الأساسي على إقامة النظام الملكي، خاصة في العصر العباسي الذي عاش فيه الخلفاء حياة الملوك بكل ما تحمله الكلمة من معان[9].

بل تعد الكتابة عن الملوك قضية جديدة فيها إبهار كبير للعربي الذي عاش حياة الصحراء الخشنة القاسية، ومن ثم بدأ يرى المجتمع بنظرة جديدة، انعكست بدون شك على حياته وعلى أدبه، والدليل على ذلك الحيرة في أصل كليلةودمنة، وإن كان البعض يرجح أنها مترجمة وليست مؤلفة؛ لأن الحديث عن قسوة الملوك دلالة على أصالة القصة.

السائح والصائغ

أختار من أبواب كليلة ودمنة باب السائح والصائغ[10]. وتحمل هذه القصة بعدين فكريين أحدهما ظاهر والآخر باطن، أما البعد الظاهر فيتضح من مقدمة القصة، عن المثل الذي طرحه دبشليم الملك على الفيلسوف بيدبا، في شأن الذي يصنع المعروف في غير أهله، ثم هذه الحكاية الطويلة التي برهن بها بيدبا على أن الإنسان بطبعه مخادع وغير مأمون، وأن البهائم أكثر وفاء منه.

أما على المستوى الباطن أو غير المباشر، فهذه قصة رمزية تحمل في طياتها قضية الطاعة للملوك والحرص الشديد في التعامل معهم، فما هذه البهائم التي أشارت إليها القصة إلا رموز للرعية بما تحمله من ملامح توضح طبقاتهم الاجتماعية، الحية تمثل أدنى السلم الاجتماعي، وهم الفقراء المهمشون الذين يعيشون على حافة المجتمع أو في سور المدينة كما تحكي القصة ولا حيلة لهم إلا العيش في الأحلام (الأوهام) ويتوهمون أشياء غير موجودة على أرض الواقع تساعدهم في تقبل مرارته، ومع ذلك فهم عند الشدة يمكن الاعتماد على مجهودهم غير المباشر، والممثل في الحيل التي يلجأون إليها لإظهار الحقيقة.

أما القرد الذي يعيش في جبل قريب من المدينة، فهو رمز للطبقة المتوسطة من هذا المجتمع، وهم الأكثرية منه، والذين لا يعنيهم من حياتهم إلا تأمين الزاد اليومي وهم يحصلون عليه بكرامة لأنه من كدهم وعرقهم، وإن الزاد بالكاد يضمن هذه الحياة الكريمة بعيدا عن التسول أو السرقة أو النهب أو البلطجة، فليست لهم أي مطامع من سلطان أو جاه، والدليل على ذلك أن الحية والببر (السبع) كانا عاملين مؤثرين في حياة الملك.

أما الببر فهو الأخطر في هذه البهائم، فهو رمز للقوة، وما تمثله من سطوة الطبقة الأرستقراطية، والتي يعمل لها الملوك والحكام ألف حساب، فهم مطلعون على مداخل ومخارج تدبير الملك، يعيشون في الأكمة (التل المغطى بالأشجار الكثيفة) بما يعني امتلاك الثروة والحياة الناعمة الغامضة والبعيدة عن الآخرين، لذلك حين يتصرفون، يمتلكون الجرأة التي تزلزل حياة الملوك، ومع ذلك فلا يخالف ظاهر هذه المخلوقات باطنها، لأنها غير مؤهلة لأدوار أخرى بحكم تكوينها.

أما بني الإنسان وهم: السائح والصائغ وابنة وابن الملك، فهم أيضا رموز غير مباشرة في القصة، تؤثر في حياة الملك واستقرار ملكه، والحيل التي يلجأ إليها الحاكم لاستقرارها.
والقصة تنتهي نهاية غير منطقية، فما معنى أن يصلب الصائغ لمجرد إبلاغ الملك عن قتل ابنته؟ إنه بهذا الصنيع لا يستحق الصلب، حتى وإن وشى بالسائح، وكان من الأولى أن يتحقق الصائغ من السائح بكيفية وصول الحلي إليه فيعرف الحقيقة، وبالتالي ينصب العقاب على الفاعل الأصلي وهو الببر، ولكن بما أن هذه القصة رمزية، فقد يلجأ المؤلف إلى الخروج عن منطق العقل، فرأيي أن الصائغ يحل محل السائح في العقاب رغم أن الإثنين بريئان.

وهذا يعني أن الرمز خرق للمألوف، ولا يقدح ذلك فيه طالما عرفنا سر هذه الأفعال غير المبررة، فلكل شخصية من الشخصيات الأربع ما يدل عليها في الواقع، فالسائح يمثل العسس (الشرطة) بما يدل عليه من استقرار الأمن في المملكة، وعليه التأكد من أمن الرعية، والنتيجة أنه قد يقع في مأزق خطرة.

أما الصائغ فهو يمثل الساسة أو الوزراء، ولذلك يسمى الصائغ أو الصانع الذي ينقل الحداث للملك، وعليه أن يتمتع بمقدار كبير من الكياسة والفطنة، ومع ذلك فالكل يكرهه والدليل على ذلك: أن الحيوانات عندما خرجت من البئر، ألحت على السائح قائلة: "لا تخرج هذه الرجل من الركية (البئر)، فإنه ليس شيء أقل شكرا من الإنسان"، ثم أكدت قائلة: "ثم هذا الرجل خاصة"، ولسان الحال يقول إن العمل مع الملوك والحكام لا يستمر إلا بالحيلة، والدهاء والنفاق.

أما ابنة الملك فهي ثروته، وابنه هو ملكه الذي يحرص عليه أكثر من حرصه على ثروته، ويستعمل كل السبل كي يظل قويا.

إن هذا الأسلوب في نقل الأدب مترجما أو مؤلفا للغة العربية يعتبر جديدا على الأذان، وجديرا بالمحاكاة من الأدباء العرب ممن قلدوا ابن المقفع، فما كانت البهائم في الأدب العربي القديم تنطق، ويكون لها هذه الحكمة حتى أتى ابن المقفع وشق للأدب طريقا جديدا.

سمات أسلوب ابن المقفع

أجمع القدماء والمحدثون على بلاغة ابن المقفع، وأنه كان من البلاغة في الذروة، حيث استطاع أن ينقل أهم ما عرفه في لغته من تراث عقلي وتاريخي وفلسفي وأدبي إلى اللغة العربية. [11]، وهذه البلاغة التي تميز أسلوبه تعددت مصادرها من حيث الأفكار والألفاظ وطريقة الكتابة.

فبالنسبة للأفكار: نجد فكره حتى في ترجمة كليلة ودمنة مستمدا من العقل أكثر من اقتباسه من الدين، حيث نجد كثيرا من الجمل التي تدل على احتكامه للعقل، مثل قوله: "يجب على ذوي العقل من الملوك وغيرهم أن يضعوا معروفهم مواضعه"، وقوله: "إن الطبيب الرفيق العاقل لا يقدر على مداواة المريض إلا بعد النظر إليه والجس لعروقه"، وقوله: "لا ينبغي لذي العقل أن يحتقر صغيرا ولا كبيرا من الناس، ولكنه جدير بأن يبلوهم".

ولم يقم فكره على الدين إلا في مواقف قليلة جدا، نذكر منها قوله: "ليس مما خلقه الله في الدنيا شيء هو أفضل من الإنسان"، وقوله: "لست أعمل لآخرتي عملا أفضل من أن أخلص هذا الرجل"، وقوله: "إسقه من ماء هذا الشجر فيبرأ بإذن الله".

معنى ذلك غلبة الجانب العقلي على الجانب الديني في كتاباته، وهذا الجانب العقلي، يقوم على: الوصايا الخلثية والاجتماعية التي ترشد الناس إلى صالح معاشهم في أنفسهم، وفي علاقاتهم بعناصر المجتمع من أهل السلطان ومن الأصدقاء ومن غيرهم[12].

ولا يكاد ابن المقفع يحيل عن هذه الطريقة في كل ما يقدم من ترجمات ومؤلفات، هذه السمة البلاغية التي امتاز بها أسلوبه لم تكن تعجب الجاحظ، فيقول: "ذكر أبو بكر الأصم ابن المقفع، فقال: ما رأيت شيئا إلا وقليله أخف من كثيره إلا العلم فإنه كلما كثر خف محمله، ولقد رأيت عبد الله بن المقفع هذا في غزارة علمه وكثرة روايته، كما قال الله عز وجل: ... كمثل الحمار يحمل أسفارا... [13]، وقد أوهنه علمه، وأذهله حلمه، وأعمته حكمته، وحيرته بصيرته"[14]. حيث رأى أن علمه الغزير أوهنه وأذهب حلمه، ونفاذ بصيرته حيره، وقد يكون مرجع هذا الاتهام ما نسب لابن المقفع من زندقة.

أما بالنسبة لألفاظه فأسلوبه شفاف، يقوم على الاسترسال العذب، بما فيه من كلمات قريبة إلى الذهن، وعبارات مبسطة حسب الأغراض والمعاني التي كان ينقلها، ويكفي أن هذا الكاتب قد ترجم أوألف آثاره الأدبية، في النصف الأول من القرن الثاني الهجري، في وقت كان الكُتاب فيه يعتمدون على التوعر اللفظي الذي يحتاج من القاريء اللجوء إلى المعاجم اللغوية، في حين أننا نجد هذا الأسلوب الذي كتب به ابن المقفع سهلا بسيطا، لا إغراب فيه، فلو قارناه مثلا بنثر الحجاج بن يوسف الثقفي، وهو خطيب مفوه ومن أمراء الفصاحة والبلاغة في عصره، نجد وعورة وصعوبة في ألفاظه، يقول مثلا في رسالة لعبد الملك بن مروان الخليفة الأموي ( 65 هـ 86 هـ)، حين نزل المطر بعد انقطاع:

"لم يصب أرضنا وابل إلا ما بل وجه الأرض من الطش والرش والرذاذ، حتى دقعت الأرض واقشعرت وأغبرت. حتى أرسل الله بالقبول يوم الجمعة فأثارت زبرجا متقطعا متمصرا، ثم أعقبته الشمال يوم السبت فطحطحت عنه جهامة وألفت متقطعة، وجمعت متمصره حتى انتضد فاستوى وطما وطحا وكان جونا مرثعنا"[15].

فعلى الرغم من فصاحة الرسالة فإنها فعلا تحتاج إلى معاجم لغوية، بعكس ألفاظ ابن المقفع التي يقول عنها شوقي ضيف (رحمه الله) بما تحمله من الأسلوب المولد، يلائم فيه ابن المقفع بين حاجات عصره الثقافية، وبين مقومات العربية وأصولها اللغوية والنحوية، وكان يدفعه هذا الأسلوب دفعا إلى أن يدرس الألفاظ ويختبرها، ويقارن بينها ويفاضل، حتى يظفر منها بما يستوفي معانيه من جهة، وما يتيح لها ضربا من البلاغة من جهة أخرى[16].

لذلك فكل جملة عنده تحمل معنى دقيقا جديدا، حيث يبدأ بإطناب وينتهي بإيجاز، وفي كل معنى نجد هذه الطريقة ماثلة، ومثال على ذلك قوله: "قد يكون في بعض البهائم والسباع والطير ما هو: أوفى منه ذمة، وأشد محاماة على حرمه، وأشكر للمعروف، وأقوم به"، وقوله: "لأنه يكون حينئذ عارفا بحق ما اصطنع إليه: مؤديا لشكر ما أنعم عليه، محمودا بالنصح، معروفا بالخير، صدوقا عارفا، مؤثرا لحميد الخصال والفعال والقول".

أما طريقته في الكتابة: فهي طريقة الكتابة الفنية، التي تأتي فيها الألفاظ على قدر المعاني دون زيادة مملة أو نقص مخل، فكأنه يزن ألفاظه بميزان، ولذلك كان كثيرا ما يقف إذا ما كتب، فسأله أحدهم عن ذلك، فقال: إن الكلام يزدحم في صدري فأقف لتخيره[17]. والدليل على ذلك عنوان حكاية: السائح والصائغ، فالسائح رمز الحدث والصائغ رمز النتيجة، الذي اختاره بدقة، كما كان رجلنا يعتمد على الجدل المنطقي في الإقناع، ومثال على ذلك قوله: "فكذلك العاقل لا ينبغي له أن يصطفي أحدا ولا يستخلصه، إلا بعد الخبرة، فإن من أقدم على مشهور العدالة من غير اختيار كان مخاطرا في ذلك".

وتعتبر حكاية السائح والصائغ جدلا منطقيا يبرهن به ابن المقفع على صحة المثل الذي قدمه الفيلسوف بيدبا للذي يضع المعروف في غير موضعه.

ويميل ابن المقفع أيضا للمبالغة في إيراد الحكم والأمثال، حتى يدعم رأيه بطريقة مختصرة دون ثرثرة فمن مبالغاته: أن الإنسان قد يأمن ابن عُرس فيدخله في كمه ويخرجه من الآخر، ولا يأمن الإنسان، كما حرص الكاتب على تبصير القارئ القديم (في العصر العباسي ) بأجواء حضارية ليست لها علاقة بالصحراء والرمال، وإنما حدثه عن حياة المدن ورسم صورة كاملة لها بما فيها من تلال وجبال وأشجار، ثم القصور وما فيها من فلاسفة وحكماء يخططون مع الحكام بطرق عاقلة كيفية مواجهة الأزمات، فيما يسمى بالسياسة الدولية، ولكي يصل الحكيم إلى هذه الدرجة عليه القراءة والاطلاع والوعي والفهم والإدراك والاستشارة دون الاعتماد على الخبرة الفردية فقط لا غير.

ورغم أن ابن المفقع تخلو كتاباته من الألفاظ الفلسفية، فإنها هي الفلسفة بعينها، حيث يعتمد على الرؤية الشاملة لأية قضية من القضايا من شتى الزوايا، ويعالج بالتالي مواطن الخلل، وهذه هي الفلسفة، التي قربها ببساطة للقارئ العربي ففهمها وساعده على سرعة تمثلها، والتاثر بها في الكتابة في شتى فنون الثقافة العربية، فلم تكن الفلسفة اليونانية مفهومة دون مثال يفك طلاسمها ويزيل جهامتها، فأتى ابن المقفع بهذا الأسلوب المشرق المتحضر، والذي عكس من خلاله طموح الحضارة الإسلامية في عصر الازدهار، فقد شعر ابن المقفع بالازدهار الذي تصير إليه هذه الحضارة، وأن لا سبيل إلى الوقوف في وجهها، وبالتالي عليه المشاركة في صنعها بقلمه، فكان آية في البلاغة[18].

بلاغة كتاب كليلة ودمنة

لقد مارس العربي القديم الفصاحة والبلاغة دون تعريف بهما أو وضع مصطلحات لهما، وفي عصر جمع العلوم، كان علماء الأمة يسألون عن هذه المصطلحات، وقد سئل ابن المقفع كثيرا عن معنى البلاغة، فكان كلامه هو البلاغة نفسها، حيث نصح أحد الكتاب قائلا: إياك والتتبع لوحشي الكلام طمعا في نيل البلاغة، فإن ذلك هو العجب الأكبر[19].

وقال: البلاغة إذا سمعها الجاهل ظن أنه يحسن مثلها، وقال: عليك بما سهل من الألفاظ مع التجنب لألفاظ السفلة، وقال: البلاغة اسم لمعانِ تجري في وجوه كثيرة، فمنها ما يكون السكوت، ومنها ما يكون الاستماع، ومنها الإشارة[20].

قال ابن المقفع ذلك قبل تأسيس علم البلاغة، لذلك يعد ابن المقفع بملاحظاته الدقيقة الثرية من أوائل الذين ساعدوا على العناية بالمباحث البلاغية التي كونت فيما بعد علما قائما بذاته.

وجاءت قصة السائح والصائغ التي أشرت إليها جامعة لهذه السمات، مع الإقلال من المحسنات البديعية المتمثلة في: الجناس، والطباق، والسجع. والإقلال الشديد من البيان المتمثل في التشبيهات، والاستعارات، والتوسع في المعاني من اعتماد على الجمل الإنشائية الممثلة في الأمر: صوت علينا حتى نأتيك، وفي النهي: لا تخرج هذا الرجل، وفي التمني: لو أني أطعت القرد والحية والببر، لم يصل أمري إلى هذا البلاء، والاستفهام: كيف كان ذلك؟

أما الجمل الخبرية القائمة على الأفعال المضارعة والماضية، والجمل الاسمية فلها السيطرة على القصة، ومن أساليب المعاني التي استخدمها: القصر، حيث يقول: لا يصطنع أحدا إلا بعد الخبرة، وأيضا الإيجاز والإطناب الذي أشرت إليهما من قبل.

والذي أنتهي إليه هنا أن سبب التأثر بابن المقفع يتمثل في أسلوبه المولد المتحضر، وبلاغته؛ وأهدافه التعليمية التربوية؛ واعتماده على الرمز والحكايات على ألسنة الطير والحيوان؛ وفلسفته العقلية والجدلية.

وللأسف الشديد فقد اتهم الرجل بالزندقة حتى قيل كذبا وبهتانا وافتراءا أنه كتب نصوصا يعارض بها القرآن الكريم، لكنه عاد فمزقها وقتل جراء ذلك، وإن كان السبب الحقيقي هو نفاذ بصيرته التي أقلقت الخليفة العباسي، أبا جعفر المنصور، فأمر بقتله، بدعوى أنه نشر تعاليم المجوسية من خلال ترجماته وأمورا أخرى، ودفعا لخطر الفرس المتزايد.

= = = = =

الهوامش

[1] شوقي ضيف، العصر العباسي الأول، الطبعة السادسة، دار المعارف، القاهرة، 1975، ص 441.

[2] محمد كرد علي، أمراء البيان، الطبعة الثالثة، دار الأمانة، بيروت، 1969، ص 88.

[3] عبد الحكيم بلبع، النثر الفني وأثر الجاحظ فيه، الطبعة الثالثة، مكتبة وهبه، القاهرة، 1975، ص 158.

[4] شوقي ضيف، الفن ومذاهبه في النثر العربي، الطبعة الثانية عشر، دار المعارف، القاهرة، 1981، ص 140.

[5] أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق وشرح/محمد عبد السلام هارون، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1948 1950، ص 3/29.

[6] محمد كرد علي، أمراء البيان، مرجع سبق ذكره، ص 91.

[7] عبد الله بن المقفع، كتاب كليلة ودمنة ضمن الأعمال الكاملة له، طبعة بيروتية، 1985، ص 9.

[8] محمد كرد علي، أمراء البيان، مرجع سبق ذكره، ص 90.

[9] منى إبراهيم، ثنائيات من النثر العباسي: بين التأثير والتأثر، كلية الألسن، جامعة عين شمس، القاهرة، 2008، ص 15.

[10] عبد الله بن المقفع، الأعمال الكاملة، مرجع سبق ذكره، ص ص 301 307.

[11] شوقي ضيف، الفن ومذاهبه في النثر العربي، مرجع سبق ذكره، ص 142.

[12] شوقي ضيف، العصر العباسي الأول، مرجع سبق ذكره، ص 512.

[13] قرآن كريم، من الآية 5، سورة الجمعة.

[14] الجاحظ، رسالة ذم أخلاق الكتاب، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، 2001، 2/ 146.

[15] الجاحظ، البيان والتبيين، مرجع سبق ذكره، 4/99 100.

[16] محمد كرد علي، أمراء البيان، مرجع سبق ذكره، ص 93.

[17] محمد كرد علي، أمراء البيان، المرجع السابق، ص 92.

[18] منى إبراهيم، ثنائيات من النثر العباسي: بين التأثير والتأثر، مرجع سبق ذكره، ص 22.

[19] الجاحظ، البيان والتبيين، مرجع سبق ذكره، 1/115 – 116.

[20] الجاحظ، البيان والتبيين، المرجع السابق، نفس الجزء والصفحة.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3224407

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC