تسنيم حسن - الأردن

ثوبي ابيض

عادت للتو بعد أن صففت شعرها واستعدت كما تستعد جميع العرائس ليوم الزفاف. بالقرب منها تقف فتاة ترتدي ثوباً أبيض ترفعه، تخفضه، تدور به وتقول بلسان ثقيل: "جميل ماما؟"

تبتسم الأم وتقول: "جميل".

تقترب منها تتفحص وجهها البريء وتقول بصوت لا يخلو من الحزن والرضا:

"آه يا ابنتي كم تمنيت أن تكوني أنت العروس، أن أزفك إلى بيتك الجديد، أميرة برفقة فارس يحميك، لكنها مشيئة الله، لكن لا عليك ها نحن معا ننتقل لبيتنا الجديد، سيكون لك أب حنون يعوضك عن حنان أبيك رحمه الله، وأخ كبير سيصحبك إلى المركز عندما يتعذر علي اصطحابك، وربما يجود علينا القدر بالمزيد من الإخوة والأخوات"، قالتها باستحياء وسارت نحو خزانتها وهي تقول:

"آه يا صغيرتي منذ أن ولدتِ وأنت تنامين بالقرب مني، واليوم ستبيتين هنا وحدك مع جدتك، وغدا سيصبح لك غرفة جديدة، في بيتنا الجديد تنامين بها بمفردك".

فتحت باب الخزانة، عندها شعرت بوخزة قوية في صدرها ودوار شديد، نظرت إلى الخلف شدها شيء ربما كانت المرة الأولى الذي تراه فيه: بروز صغير في صدر ابنتها. لم تقوَ ساقاها على حملها، تمتمت: "ابنتي تقترب من ... يا الله!"

أعادت ترتيب ما قالته مرة أخرى: حازم أخ كبير، غرفة بمفردك، نعم. نعم حازم في السابعة عشرة من عمره، هو رجل.

أمسكت برأسها الذي أوشك على الانفجار وقالت: "أي شيطان لعين نفث سمه في رأسي. لا. لا. لا يمكن أن يفعلها؛ حازم فتى مهذب وخلوق".

أدارت وجهها إلى الجهة الأخرى من الغرفة وقالت: "لكنه فتى. لا، شاب، وابنتي فتاة ضعيفة لا حول لها ولا قوة، إنها لا تستطيع التمييز".

شعرت بأن شيئاً ما يطبق على أنفاسها، وبنفثة شيطانية أخرى تذكرت ذلك العرض الذي قدمته لها إحدى الجمعيات الخيرية عن استئصال رحم ابنتها للتخفيف من حجم الأضرار التي من الممكن أن تتعرض لها فتاة بمثل حالتها وإعاقتها الذهنية إذا تم الاعتداء عليها واغتصابها.

نهضت بسرعة واندفعت نحو النافذة تحاول استنشاق الهواء فقد أصبح المكان حولها موحشاً ومخيفاً وخانقاً.

نظرت إلى ابنتها وفكرت: ليس عدلاً أن يستأصلوا رحمك. ليس عدلا، لماذا عليَّ التصديق بأن ذلك هو الأفضل لك؟ لا. لا، يا صغيرتي فجسدك الطاهر هذا أكثر حرمة عندي من نطفة تزرع فيه من أحد العابثين، فما الجدوى إن أخفينا بصمات الفاعل وتركناه يعبث بكل المقدسات؟ يا له من مجتمع قاسٍ! فكم صبي تنتهك كرامته بصمت. كيف سيحمون إنسانيته؟ كيف سيحمونك من تلك الأمراض التي قد ينقلها لك ذلك السفيه؟

عاصفة جديدة ثارت في رأسها ورغبة عارمة بالصراخ تنتابها: لماذا عليك أن تتحملي آلام جراحة لم تختاريها؟ هل ليشعر المجتمع الآثم بأنه قد أدى دوره في حمايتك؟

شعرت برعشة قوية تسري في جسدها، سقطت على المقعد القريب منها، أسندت رأسها على الحائط وتابعت هذيانها: سيخبرونك عن احتمال إصابتك بهشاشة العظام، وبنوبة هستيرية بكت وضحكت. هل تفهمين ما معنى هشاشة العظام وكيف تتجنبين الإصابة بها أيتها المسكينة؟

مسحت دمعتها وأشارت بيدها نحو ابنتها الباسمة هناك، وقالت: "لقد نسيت أن أخبرك، هناك أيضا تغير في الهرمونات..."

حاولت أن تكمل حديثها لكنها لم تستطع. غطت وجهها بكفيها وأجهشت بالبكاء. شعرت بشيء يهزها. رفعت رأسها ونظرت نحوه: "ماما، ثوبي أبيض".

قالت: "نعم، وسيبقى ثوبك دائما أبيض وجميلا".


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3380850

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC