عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

هدى الكناني - العراق

أشواق وحنين

جاءني متخما شوقا وحنينا، ودقات قلبه تسمع عن بعد ميل، وحبات العرق تتلألأ على جبينه النادي.

تأملته وتشبعت كل خلايا عيني برؤياه، وقد غاص القلب في الأعماق وعاد وارتفع إلى الحنجرة، فأفرد شوقي إليه القلوع، ورفع مرساته وأبحر في شرايين دمي والعروق.

وجيب القلب يدعوني للارتماء في أحضانه، وكبرياء الأنثى وخِدرها يمنعاني، وأنا بين قلبي وعقلي تمزقني الآهات.

تسمّرت في مكاني محاولة استرجاع مرارة لقائي الأخير معه، وعدم استجابته لتوسلاتي ودموعي، وكيف لملمت أشلاء كرامتي وسحبت حبال خيبتي، وقد أشاح بوجهِه عني.

عليّ أن أحاول استحضار تفاصيل حزني، ودموعي، ووجعي، ومرارات علّمت قلبي أسى حينها. ولم يكن ذلك بإمكاني، فما برح القلب خافقا بحبه ولا يتذكر إلا فرحة اللقاء.
وأنا ما فتئت أحثه وأؤنبه: "ما بك لا تتذّكر الجفاء والوجع وما فات من أحزان؟" ولكني يئست من أن يفعل قلبي ذلك.

رأيته يدنو، فإذا بقلبي يكاد يثب من بين الضلوع، ودقاته تتسارع وتضج تمردا وأنينا. حاولت الهروب. كم وددّت ذلك! بيد أن قدميّ لم تطاوعاني.

اقترب مني دون أن ينبس ببنت شفّة، بل اقترب أكثر وأكثر، حتى استنشقت أنفاسه اللاهثة، ويا لعذوبتها!

تلاقت النظرات، وبالكاد كنت أتنفس؛ غرقت في بحر عينيه اللجيّ. أمسك بيدي فسلبني كل مقاومة، وبدأت كل معاقلي تنهار واحدا تلو الآخر. فتراجعت ونسيت خطبتي العصماء.

قربني إليه، فتهاويت في أحضانه، فتلاشى كل ما حولي. انتحر الوقت. تكسرت الساعات. توقف الزمان ولم أعد أسمع إلا وجيب قلبينا وهمس روحينا.

تمتمت: "إذا كان حضنه لي، هو كل الدنى، فما حاجتي للعتب والخصام وإعلانِ العصيان؟"


همسات قلب

لكثرة ما زفرت أنفاسي الحارة على الزجاج البارد وكتبت اسمك، ولكثرة عدد أيام وشهور وسنين الانتظار، ما عدت أحس بالوقت، فلم يعد الخميس يستهويني لأن الجمعة ستأتي بعده.

وما همني أي يوم سيأتي. لم التوق للقادم من الأيام؟ لقد تشابهت كلها. كل المذاقات أصبحت مرّة، والكلمات كلها جوفاء؛ فلقد امتلأ الجوف قيحا ورملا وحزنا.

أنا مللت انتظار فارس مغوار يأتيني من أقصى البقاع لينتشلني من ضعف كهذا، ووحشة حام حولها الصدأ، فاستقرت في شرايين الحياة، فحلت ضيفة ثقيلة على شفاه تاقت لأن تنشد أغنية، فبحت النبرات.

كم عددنا نحن الأميرات الحالمات اللاتي اغتالت الأقدار جدائل شعرهن الممدودة توقا وأملا لحلم تاه في طريق الوصول إلى أبوابهن، وذبح قربانا لإله وثني لا وجود له؟

أنا حرة؛ فلقد نما لي جناحا نسر، وحلقت بعيدا، عاليا إلى ابعد النجوم. لن انتظر قادما يأتيني لينفض غبار الهموم عن سنوات عمري، فلقد اكتفيت من انتظار أمل قد يأتي وقد لا يأتي. لن أكون حبيسة أقبية رغبة أو نزوة أو حياة مهينة بلا وقار و كرامة؛ فلقد نما لي جناحان.

لن أرتكب جريمة أمل أو أقترف جناية أمنيات. ما عدت هشة ألوذ بصدفتي كالمحار. أنا شهرزاد. ما عدت أحكي حكايات. أنا ما سكتّ خوفا، بل قايضت عمرا ودهرا موجوعا؛ قايضته بالحرية.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3178432

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC