أمين دراوشة - فلسطين

رحلة ونصان آخران

أمين دراوشةرحلة

وهو يلفظ أنفاسه الدنيوية الأخيرة، كان مكبلا بالسلاسل، وحراسه مع ذلك يشعرون بالخوف، حتى عندما أغلق عينيه، استمر القيد في يديه والفزع في عيونهم يصاحبه بلاهة تثير الاشمئزاز.

هو بدأ سفره ورحلته الأكثر وحدة وغربة ومتعة من الأسفل إلى الأعلى، من أدنى الأرض إلى قمة السماء.

وكان من زمن طويل قد نشأ على القيام بأشد الأمور خطورة دون خوف أو تردد، وستكون رحلته المتشعبة والمتعبة والطويلة، رحلة صوب الضوء. وعليه أن يتسلح بالصلابة والشدة ليحتمل وحشة الطريق، فقبل الشروع بالصعود عليه أن يغسل نفسه في البحر ويحدق في جوفه، وفي نفسه، ليتعلم ما يخفى عليه من تعرجات الطريق ويحمل معه من اللؤلؤ ما ينير له الدرب.

عندما انتهى، نظر إلى السماء وخاطبها، قائلا: "أيتها السماء العالية والمضيئة بملايين النجوم، ها أنا أخيرا في طريقي إليك، ولم يكن هناك صخرة سدت فضائي إلا أزلتها، فليس هناك رغبة لدي لم استطع تحقيقها".

فرد جناحيه وطفق بالطيران يجلله النور.

استحواذ

تستحوذ عليه، وفي عيونها ما يخلب اللب من العذوبة والسحر، لا شيء أجمل من الخدر الذي يسري في جسده عند ملامستها، يستنشق عطرها بهوس وشغف، يدعوها للعيش في مدينته التي تشبهها.

تقول:

والزمن الذي يفتت أيامكم؟ والعدو الذي يتقوى من ضعفكم ومن دمكم؟ لا، لا أحتمل أن تكون كل فصولي خريفاً، والمطر النجس والملطخ بالخساسة.

ليس كل الطرق تؤدي إلى روما، ويمكن لنا أن نخطف بقبضة اليد قبساً من النور دون أن تصيبنا الشهب، ونحقق نتائج مثمرة، ونوقف هرولة السنين الشرهة.

لا أريد أيضا أن انتهي كرسام لا شغل له غير رسم الطبيعة الجامدة الخرساء كما هي، فهذا يقتل الرغبة والخيال.

أريدك واحتاجك، ليصل قلبي إلى ذروة الانتشاء، وبعد ذلك ليكن ما يكون، فثمة حيوات كثيرة تنتظرنا.

أعدك لن ينجح التجار في إذبال برتقال قلوبنا، ولن يكون بوسع الغوغاء وضع حد لطموحنا.
وستعود أزهارنا النادرة المفعمة بالشوق والغرائبية إلى الحياة، وستعود جبهتك مرصعة بالياقوت والذهب.

الفشل

جلس على شرفة منزله، يشرب القهوة الساخنة، واشعل سيجارة واسترخى وسبح بفكره في السنوات الماضية وجاءته صور الأرض التي أصيبت بالعقم والتشوه، حيث الفشل يجر آخر ولا نهاية للنفق.

ضحك عندما تذكر شيئا قرأه حول الفشل والتعلم منه، إذ أنه يولد النجاح، فالفاشل الحقيقي هو الذي يخرج عن الخط المرسوم، ويغوص في اللامألوف ويخاطر ويغامر ويحلم بالفشل، فيغسل عقله بالتجارب، ويمتلك عينين حادتين كصقر، ويطبع في ذاكرته المعلومات والصور، فيصبح قادرا على الابتكار والتنوع والتكيف الإيجابي.

ولكن من غرائب الأمور في بلادي أن ترى الناجح يبقى ناجحا بمقدار، بمسافة لا يتعداها، فيكون النجاح المحدود الذي يسير في أنابيب ضيقة منذ سنوات دلالة الفشل البائس والعجز عن القفز في الفضاء والسفر إلى عوالم جديدة.

أما الفاشل الخامل والمنقوع بعجينة القنوط فيرضى بأقل القليل، والحياة تسير.

أما الفاشل النشط الذي يحاول ويثب ويتحرك ويطير ويعمل ويفعل فإنه يعاقب بالطرد من رحمة الناجحين بمساحة ملعب مقفل السقف، فيضطر إلى السفر واللعب بمكان آخر ليحقق ما سيقصر الناجحون هنا في الوصول إليه طوال حياتهم.

أما الناجحون الفاشلون فهم من ركب قطارا تعرف وجهته فبقوا فيه منذ أعوام خلت يسكرون ويدخنون ويفاوضون أنفسهم ويتعلمون معنى أن يكون الإنسان عاقرا ومسخا وخردة ويلبسون البدلات بألوان زاهية كنوع من التغيير والتجديد ولتغطية جلد مشقق وممزق بفعل الزحف من أجل الوصول إلى أهداف بليدة لا توصل إلى مكان. الغرابة تكمن في تمسكهم بأظافرهم وأسنانهم وعيونيهم وأذانهم بالاستمرار في الركوب لأنه يضمن لهم بعض الفتات وبقاء السكين فوق قطيع لا يتعلم من فشله، ومن نجاحهم المزعوم.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3253806

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC