ذكاء قلعه جي - سورية

جدتي والجامع وعبق الياسمين

لبست معطفها الأسود، وأحكمت ربط برانيلها (*) حول رأسها ثم شدته بقوة لتتأكد من إحكام ربطته، ثم مدت يدها إلى طبق الياسمين، وقبضت منه قبضة، ودستها في صدرها.

ثم قالت لي: "هيا لنذهب".

سألتها ببراءة الأطفال: "إلي أين يا جدتي؟"

"سنذهب إلي الجامع الكبير. لقد نذرت أن أقرأ ثلاثة موالد على روح سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم".

"الجامع الكبير؟"

وكدت أطير من الفرح، فلطالما سمعت عنه، ولطالما رأيت جدتي تعقد برانيلها ميممة شطره، وكم رجوت أمي أن تسمح لي بمرافقتها. وباختصار كان ذهابي إلى هناك حلم حياتي.

أسلمتها قيادي وانطلقنا في مشوار طويل سيرا على الأقدام، مجتازين أزقةً وشوارع كانت تبدو لعيني متشابهة، شوارع ضيقة مرصوفة بحجارة مصقولة تشع سواداً، وجدران حجرية شهباء تعلو على خط الأفق.

كانت جدتي تشق طريقها بخبرة ودراية. كيف لا وهي من رواد الجامع. إذا فرحت ذهبت، وإذا حزنت ذهبت أيضاً. ورحت طوال الطريق ألح عليها بالأسئلة عن الجامع وحجمه وشكله، وهل هناك أطفال مثلي.

كانت تجيب على بعض أسئلتي وترجئ البعض الآخر مرددة: ""سترين الإجابة بعينك بعد قليل".

وفجأة توقفت جدتي عن المسير، وهي تشير قائلة: "هذه مئذنة الجامع لقد وصلنا".

تطلعت إلى المنارة. لفت انتباهي اختلافها عن مئذنة جامع حينا، أو غيره من الجوامع التي رأيتها من قبل، كانت مربعة تزينها زخارف حجرية على طبقات متعددة، يفصل كل طبقة عن الأخرى شريط زخرفي أنيق في بساطته، ولكل طبقة منها زخرفة كتابية مختلفة في طرازها عن زخرفة وكتابة بقية الطبقات، وفي أعلى المئذنة كانت هناك شرفة يغطيها سقفٌ مقبب.

كانت المئذنة تشق عنان السماء بشموخ زرع المهابة في نفسي، وصيَر بصري أسيراً لها لا أريد أن أحيد عن رؤيتها، وصرت أكثر شوقاً لأن أصل الجامع لأراها عن كثب فحثثت الخطى رغم تعبي.

ودخلنا الجامع من باب جانبي يقع في بداية سوق على طرفيه دكاكين تصدر منها أصوات طرق غير متناغم، قالت جدتي إنه سوق النحاسين. كان المدخل مرتفعاً مهيباً، وقبل أن نتخطى عتبته خلعنا أحذيتنا وحملناها في كيس من القماش المطرز أحضرته جدتي خصيصا لذلك.

وما أن عبرنا قنطرة المدخل حتى صرنا في ساحة كبيرة بهية الحسن تمتد على اليمين، وعلى اليسار. كان هناك رواق طويل حفل بالكثير من الناس: منهم من جلس يسبّح، ومنهم من قام يصلي، وشعرت برغبة عارمة بالجلوس، فقد أخذ من التعب كل مأخذ، ولكن جدتي استمرت في المسير باتجاه وسط الساحة، ولم تأبه لطلبي أن نجلس، ولا حتى لإشارة يدي المسترحمة، بل راحت تدفعني أمامها دفعا ً لنصل إلى بركة ماء تتوسط المكان وتنثر الظل بجانبها لكل من أراد أن يبترد ويرتاح.

غسلت جدتي وجهي بالماء البارد، وشربت وأشربتني، فشعرت براحة كبيرة وأن النشاط والحيوية قد دبا في من جديد، ثم رفعت جدتي رأسها، وهي تشير بيدها صوب شيء في الأعلى وهي تقول: "انظري هذه هي المئذنة التي أعجبتك".

كانت المئذنة تنتصب بشموخ إلى جوار الباب الذي دخلنا منه. وشعرت أنني لا أنظر فقط باتجاه المئذنة بل كأني أحلق في الفضاء الفسيح الذي يحيط بها، وكأني انضممت إلى سرب طيور كانت في الأعالي هناك قرب تلك القناطر المزخرفة.

وفتحت ذراعي أقلد حركة الطيور وأنا ثابتة في مكاني، ونظري ثابت هناك في الأعلى، وأقترب أكثر وأكثر من تلك التفاصيل الجميلة التي نفذت من الحجر على كل طبقة من طبقاتها.

كانت متعة لم أرد الانصراف عنها، ولكن قبضة يد جدتي القوية أحكمت على معصمي، وراحت تسحبني خلفها وهي تقول: "الآن تعالي لنرى المشايخ. انتبهي إنهم عميان لا يرون".

وعدنا إلى حيث دخلنا، وانتبهت أنه كان حول الباب الذي دخلنا منه عدد من الرجال الشيوخ الذين يحملون العصي في أيديهم، وأعينهم شبه مغمضة، ولا أدري كيف أنني لم انتبه لوجودهم ساعة دخولنا من الباب رغم كثرة عددهم.

المسجد الأموي في حلبوانخرطت جدتي في الحديث مع المشايخ بينما كنت أنا أسبح في عالم آخر، فقد استحوذ ذلك المكان البديع على انتباهي، بفضائه الفسيح وساحته الممتدة. وجذب انتباهي ذلك التداخل البديع في أرض الساحة بين اللونين الأبيض والأسود بتصاميم زخرفية جمعت بين البساطة والانسجام، فقسمت الساحة لمربعات كبيرة كل قسم رصفت الحجارة فيها بتصميم خاص، القاسم المشترك بينها جميعا ذلك التناوب والتداخل بين الأبيض والأسود، وتلك الأناقة والبساطة التي استطاعت أن تحول المكان إلى تيه من الجمال والإبداع، وتهت فيه وأنا أتابع حركة اللون المتعرج والمتداخل بانتظام فوضوي رائع، وصرت أشعر بأنني صرت جزءاً من كيان الجامع النابض جمالاً وحياة. كما أن حركة رواد الجامع في الدخول والخروج من بواباته المتعددة، جعلت من ساحة الجامع قلباً ينبض بالحياة والحيوية.

وشدتني يد جدتي التي كانت ما تزال تقبض على كفي الصغيرة وهي تقول: "تعالي نجلس نستمع للمولد".

وجلسنا في الرواق على يسار المدخل الذي دلفنا منه في مكان تركت لي جدتي اختياره، وصار المسجد أمامنا بكامله، ساحته ببلاطها وتداخل الأسود مع الأبيض فيه، وبركة الماء المنحوتة من الحجارة والمغطاة بسقف مقبب، والناس إليها صادرٌ ووارد يشربون كما شربنا ويغسلون وجوههم كما غسلنا، بينما كانت واجهة القبلية تتصدر المشهد كله بأقواسها الأنيقة التي تزدان بزخارف حجرية.

واستطعت أن أتبين ملامح المكان أكثر وارسم له صورة في ذهني: مدخل على اليمين من حيث دخلنا وآخر على يسار يصعد له بدرجات. عرفت فيما بعد أنه ينفتح على السوق من الأكياس والحمولات التي تثقل كاهل الداخلين منه.

استراحت جدتي في جلستها في الرواق المظلل، ونسمات الهواء تهب وتدفع حر الشمس المشرقة، وراحت تنقل حبات المسبحة بين أصابعها ولسانها يتمتم بالتسبيح والصلاة على النبي، وعيونها نصف مغمضة، ترهف السمع لشيخها وهو يتلو نشيدا يمدح فيه الرسول صلي الله عليه وسلم، بينما كنت أنا مشغولة بمراقبة الداخل والخارج من الطرفين، أتابعهم بنظري وأحياناً من فرط فضولي وشغفي تنساق خطاي وراءهم، فيردني صوت جدتي منبهاً محذراً، فأدرك أن عينها لم تغب عني، رغم ما يبدو من انشغالها بالتسبيح.

تلك الزيارة التي لم أنسها، ظلت ذكراها محفورة في ذهني رغم تقادم العهد، كانت فاتحة علاقة قوية بيني وبين الجامع، فقد صار الذهاب إليه من أجمل المتع عندي، فلم أفوت أي فرصة لمرافقة جدتي كلما ذهبت، ثم عندما كبرت صرت أذهب مع أسرتي لصلاة التراويح، وكم ذهبت بعد ذلك برفقة صديقاتي لمشاهدة فرقة المولوية وهم يقومون برقصاتهم التعبدية في ساحة المسجد في مساء الخميس، أو لنحضر دروس الشيخ السلقيني أو غيره من مشايخ حلب.

لم يكن الجامع الكبير فقط مكاناً دينياً للعبادة، فهذا الصرح الذي ورث مكاناً تحمل كل ذرة من ترابه إرث حضارة إنسانية، فقد كان مركز التجمع والعبادة لكل الشعوب والملل التي تعاقبت على المدينة منذ فجر التاريخ إلي اليوم. ثم شاء له الله أن يصير مسجداً جامعاً شيده بنو أمية ليكون عنوان انتصار إسلامي ثقافي.

والجامع في التاريخ الإسلامي على مر العصور لم يكن قط مجرد مكان للصلاة بل إن جوامع المسلمين شهدت حلقات العلم، وعقدت فيه الألوية، واستقبلت فيه الوفود، وما هذا الجامع إلا امتزاج الإرث الإسلامي العريق، والتراث البشري الذي تعاقب على هذه البقعة من الأرض التي أراد لها الله أن تكون مباركة، فكانت.

وصار جامع حلب الكبير مركزاً ثقافياً يفتح ذراعيه لكل أطياف الفكر والثقافة، يستقبل كل المسلمين بكل توجهاتهم، وهناك داخل القبلية يستقبلك مقام زكريا عليه السلام، الذي يقصده العامة للتبرك به ونذر النذور له، وعلى بعد أمتار من الضريح كانت تعقد حلقات فقهية لكبار المشايخ والعلماء يفتون فيها ويؤكدون بأن التبرك بالقبور يخرج من الملة، وأن طلب العون من الأموات كفر.

أما بالنسبة لي فالجامع ليس مجرد معلم حضاري أو مبنى أثري، وذكرياتي عنه ليست حوادث عابرة، إنه جزء من نبض روحي، وانطلاق فكري، لقد ارتبط عندي بذكرى جدتي، وما أن رحلت عن الحياة حتى صار الجامع وما يلوذ به هو عنوان لتلك العلاقة الفريدة التي تربط بين جدة وحفيدتها.

لقد كانت لي الصدر الحنون الذي ألجأ إليه كلما ضاقت بي الحياة، فتحيط رأسي بذراعيها ثم تلصقه بموقع القلب عندها حيث تفوح رائحة الياسيمن المخبأ في صدرها، فاستطيب البقاء هناك حيث العبق والحنان في نفس المكان.

تزاحمت تلك الصور كلها في فكري وأنا أرى صورة حديثة للجامع الأموي وقد هدمت منارته، وعاث الخراب في كل أرجائه. لم أستطع أن أدقق في الصورة. كانت أقوى من أنظر لها. أعرضت عن النظر، وكأن زجاجاً محطماً ذر في عيني. حاولت الهروب من التفكير. تمنيت لو أنني ما زلت تلك الطفلة، وتمنيت لو أن ذراعاً حنوناً يحيط بي وصدراً يضمني تنبعث منه رائحة الياسمين.

= = = = =

(*) شكل من الحجاب كان سائداً في الستينيات.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3108841

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC