د. رانيا كمال - مصر

مصر: ثورة أم انقلاب؟

مصر: ثورة أم انقلاب أم تصحيح مسار؟

رانيا كمال بعد مسافات طويلة من الزمن، غنية ومثمرة بحركات التغيير، ابتداء بمفكري النهضة العربية وكتابها وعلمائها، نجد أنفسنا بحاجة دائمة – وبخاصة في هذه الأيام – إلى إعادة النظر والمراجعة لكل تلك التراكمات السياسية والفكرية التي يختزنها تاريخ الدول العربية المعاصرة.

لقد مثل الجمود والاستبداد السياسي أهم مظاهر وأسباب الأزمة البنائية في النظام العربي، حيث لم يكن هناك مشروع فكري متجانس، بل تنوعت المشروعيات الفكرية والأيديولوجية، كما اصطدمت القوى الاجتماعية المهيمنة، ولكنها جميعها اتفقت على سمة الاستبداد "انظر محمد السيد سعيد، 2004"[1].

ومن الواضح أن الاستبداد كان أساس الأخطاء الداخلية والخارجية، ومن هنا انطلق النقد الديموقراطي لأنظمة الحكم العربية منذ وقوع نكبة 1967، وبدا لفترة أن بعض أنظمة الحكم العربية قبلت الاستجابة جزئياً لهذا النقد، وهو ما أظفر عن تدشين تجربة التعددية المقيدة في بعض أنظمة الحكم العربية وعلى رأسها مصر منذ منتصف عقد السبعينات، ومع ذلك لم يتمكن من إنجاز تحول ديموقراطي حاسم "انظر محمد السيد سعيد، 2004"[2].

حيث كان الفشل في تجديد هياكل أنظمة الحكم العربية والعجز عن إدماج أجيال شابة والتدهور الاقتصادي والاجتماعي، ومن خلال ذلك زادت جاذبية الأيديولوجيات الشمولية وخاصةً المستندة على مرجعية أصولية في قراءة النص الإسلامي، وبعد تصدعات طائفية وإثنية خطيرة تنتشر في التكوين الاجتماعي والثقافي بعدد كبير من الدول العربية "انظر محمد السيد سعيد، 2004"[3].

لقد اشتركت جميع الدول العربية في الديموقراطية الشكلية، حيث تجري انتخابات وتكون برلمانات وتوجد قوى وتنظيمات سياسية، وتوجد حرية تعبير نسبية لكن كل هذا لا يساوي ولا يحدث تطوراً سياسياً لأن جوهر التطور السياسي لم يُحدث تداول للسلطة، أي يتغير الحكام فتتغير السياسات والأفكار.

وعندما نتحدث عن المجتمع المصري واستبداد السلطة فيه، وعن رضوخ المواطنين لهذا الوضع والتعايش معه، فإن هذا الوضع يعتبر طبيعياً، كأنه يُورث لأنه جينات تنتقل عن طريق التنشئة والتربية الاجتماعية والقيم السائدة، فمن يحكم يستبد، ومن يُحكم يخضع لهذا الاستبداد، وقد أدى الاستبداد والظلم الاجتماعي وخنق الحريات وتراكم الفساد إلى حافة الانفجار التي صنعت ثورة 25 يناير (كانون الثاني).

بعد ذلك تولى المجلس العسكري الحكم، رأى الكثيرين في أن إجراء الانتخابات البرلمانية في موعدها رغم ما تعانيه البلاد من انقلاب أمني وانقسام سياسي قد استهدف إضعاف الصحوة الثورية في الميدان واختطاف تداعياتها، إلا أن الإقبال الجماهيري غير المسبوق في الانتخابات، ونجاح المؤسسة العسكرية في تنظيم وتأمين جولتها الأولى، فضلاً عن فوز اتجاه الإسلام السياسي في المرحلة الأولى للانتخابات وكافة القوى السلفية بها في تطور مفاجئ، واحتلالها المركز الثاني، كل ذلك أدى لتغير المشهد السياسي وأظفر عن بلورة استقطاب واضح داخل البلاد ظهرت معالمه في غلبة الطابع الطائفي على الانتخابات بصفة عامة، وفي حدوث انقسامات في صفوف القوى الإسلامية في اتجاهاتها المختلفة بينها وبين القوى الليبرالية واليسارية، وفضلاً عن تفرق الشارع بين القوى الثورية وقوى الاستقرار "انظر سعيد رفعت،2011 "[4].

إلا أن هذا قد أثبت قوة تواجد اتجاه الإسلام السياسي وفاعلية دوره الاجتماعي والدعوي وسط الجماهير، وبينت هشاشة موقع القوى السياسية التقليدية، وضعف فلول النظام السابق في التربة الشعبية، وأيضاً هناك غياب قوى الثورة عن الساحة السياسية رغم وجودها المكثف في الميدان "انظر سعيد رفعت،2011 "[5].

وتواجد الإسلام السياسي بهذه القوة لأنه لم يكن وليد اللحظة، بل يرجع إلى أواخر القرن التاسع عشر مع مفكري جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، حيث يدعو الإسلام السياسي إلى تبني المرجعية الإسلامية للتحرر من الهيمنة الأجنبية وذلك بالرجوع إلى القرآن الكريم باستعمال التراث الإسلامي بالاجتهاد العقلي المستقل، واستعمال اللغات الوطنية، ومن خلال هذه الدعوة كان على المسلمين أن يكتشفوا النبض الحي في دروس دينهم، ويتبنوا رؤية نقدية لتحرير أنفسهم من حالة الاغتراب الناجمة عن الاستعمار.

أما حسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين في مصر، فقد عرف الإسلام السياسي أنها حركة تسعى إلى تحقيق أهداف العودة إلى الإسلام، إصلاح اقتصادي واجتماعي بتطبيق الشريعة وتأسيس دولة إسلامية على المدى البعيد "انظر طارق رمضان، 2013"[6].

فالدعوة هي الوسيلة الإنسانية الرقيقة التي من شأنها الارتقاء بمفاهيم وقيم الناس، وترشيد سلوكياتهم، وبالدعوة تقوم الحضارة، فما من حضارة إلا ولها دعوة ودعاه "انظر ثروت الخرباوي، 2012"[7].

كما "كان للتعاطي مع السياسة نتيجتان متناقضان على الإخوان في مصر. كما أشرت سابقا، فإن حنفي قال إن انخراط الإخوان في الحركة الوطنية المصرية، والقتال في فلسطين، ومقاومة النظام الإقطاعي في مصر، ساهم في شعبية وجاذبية الإخوان. أما الانخراط في السياسة الداخلية فقد وضع الإخوان على مسار صدام مع السلطات الحاكمة أثناء المرحلة الملكية ثم الجمهورية"[8]. (انظر عدلي الهواري، 2013).

وتنقسم جماعة الإخوان المسلمين من حيث الهيكل التنظيمي إلى مناطق وأقسام، يعمل الأخ (العضو) في الجماعة من خلال منطقته، ويعمل كذلك من خلال أي قسم من الأقسام، وأشهر أقسام الإخوان قسم الطلبة، وقسم المهنيين، وقسم أساتذة الجامعات، وقسم الدعوة، وقسم التربية، وقسم الأخوات الذي تم تفعيله حديثاً.

وظلت بعض الأقسام بعيدة عن عيون أفراد الجماعة لا يعرف أحدٌ عنها شيئاً، وكان أخطر هذه الأقسام وأكثرها أهمية هو قسم الوحدات، وهو الخاص بأنشطة الإخوان داخل الجيش والشرطة "انظر ثروت الخرباوي، 2012"[9].

"ولم يتمكن الإخوان أثناء حكم مبارك، خليفة السادات، من الحصول على وضع قانوني. وتعرض أعضاؤها للاعتقال والسجن. وعندما كانت الحكومة تقرر إجراء انتخابات، كانت تتخذ إجراءات للسيطرة على من بوسعه الترشح للانتخابات"[10]. (انظر عدلي الهواري، 2013).

ولقد استطاعت جماعة الإخوان المسلمين أن تقدم نفسها للجماهير على أنها تحمل فوق أكتافها الحل الإسلامي، كما أنها تطرح نفسها للكافة باعتبار أن أفكارها بل وكيانها كله هو طريق الخلاص للأمة وهي تقدم نفسها باعتبارها راعية الحل الإسلامي هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، من المعروف أن العالم العربي يتميز بالاستخدام السياسي للمشاعر الدينية الذي بمقتضاه يتم الحفاظ على العقيدة، ومن هنا فقد تمكنت الجماعة من الفوز في الانتخابات البرلمانية.

وفي أواخر شهر مايو 2012، أجريت ثاني انتخابات تعددية في تاريخ مصر، والأولى بعد ثورة 25 يناير، وقد تنافس فيها على منصب رئيس الجمهورية ثلاثة عشر مرشحاً، وحسم الأمر في النهاية بأن جولة الإعادة ستكون بين محمد مرسي، مرشح حزب الحرية والعدالة وجماعة الإخوان المسلمين، والفريق أحمد شفيق، آخر رئيس وزراء يعينه حسني مبارك قبل رحيله.

وقد اعتبر كثير من المصريين هذا الاختيار مريراً، ورأى البعض أن يختار الجانب السلبي بعدم المشاركة أو إبطال الصوت داخل اللجنة الانتخابية، وفي النهاية نجح مرشح حزب الحرية والعدالة، محمد مرسي، صاحب مشروع النهضة، وبدأ بحلف اليمين كرئيس للجمهورية في 30/6/2012، في ميدان التحرير أمام جميع القوى والاتجاهات السياسية قبل أن يؤدي يمين القسم رسمياً صباح يوم السبت 1/7/2012 أمام المحكمة الدستورية نتيجة لحل مجلس الشعب بقرار من المحكمة.

وقد رفع هذا أسهمه كثيراً لدى الشعب، وقد كان يمتلك فرصة تاريخية وذهبية ليوطد حكم الإخوان، إلا أنه ارتكب خطأين يعتبران من أسوأ الأخطاء، أولهما قرار إلغاء حل مجلس الشعب في يوم 7/7/2012، والقرار الثاني في 22/11/2012 يقضي بمنع حل الجمعية التأسيسية لوضع الدستور، وأن تحصن قرارات رئيس الجمهورية مما يجعلها نهائية ونافذة ولا يمكن الطعن عليها أمام أي جهة قضائية "انظر جمال الدين حسين، 2013"[11].

وعلى الرغم من أن الثورة تعني "عملية تغيير شامل للأوضاع القائمة، وإنشاء أوضاع جديدة وفقاً لرؤى ومطالب القائمين بها، ويتضمن هذا بالضرورة قطيعة كاملة مع الماضي أو الوضع القائم قبل الثورة "انظر سامح السيد، 2011"[12].

إلا أن هذا لم يحدث بل وأصبحت الكثير من الفئات الاجتماعية على اختلاف مستوياتها تنظر إلى الماضي وتتغنى بأمجاده وأيامه، حيث أن الحاضر لم يحمل لهم الخلاص من الأوضاع المؤلمة، فمن المعروف أن "الرجوع إلى الماضي سوف يحمل في طياته عملية تزيين لوقائعه، وذلك بإخفاء عيوبه والمبالغة في حسناته" "انظر مصطفى حجازي، 1976"[13]. مع العلم أن الماضي لم يكن أيضاً يحمل في طياته أي خلاص من الأوضاع المؤلمة لأنه لو كان كذلك لما كانت الثورة.

وقد توالت المظاهرات المليونية في عهد الرئيس مرسي حتى أنها وصلت إلى 23 مظاهرة، إلا أن المظاهرة الأخيرة في 30/6/2013 كانت الحاسمة، حيث خرجت جماهير غفيرة من المصريين، في سياق تحركات ساهمت فيها حركة تدعى "تمرد". وطالب المتظاهرون بإسقاط النظام. بعد ذلك أعطت القوات المسلحة مهلة 48 ساعة لكل الأطراف للتوصل إلى اتفاق.

وكانت المفاجئة خطاب الرئيس مرسي يوم الثلاثاء 2/7/2013 والذي كان مخيباً لآمال الكثير من المصريين، فقد ركز الخطاب على الشرعية التي منحها إياه الشعب عن طريق الانتخابات، ولكنه أغفل أن الشرعية تتعلق بالنظام السياسي ولا تتعلق بالدولة، حيث أن الشرعية تكمن في أن النظام يحصل على شرعيته بحسن إدارة الشأن العام الذي يتعلق بتحسين حياة المواطنين ومشاركتهم في القرار وإحلال نظام للعدالة والمساواة فيما بينهم بإرادتهم وموافقتهم وتمكينهم من الاختيار، لذا فإن الأزمة في هذا الخطاب هي أزمة كفاءة النظام، فهي تعتبر سقطت من تلقاء نفسها لأنه لم يحققها. كما أن الشعب صاحب الشرعية وهو الوحيد الذي يمتلك تقرير هذه الشرعية من عدمه. كذلك طرح في خطابه مبادرة اعتبرها الكثيرون متأخرة جداً.

وفي يوم 2/7/2013 صدر بيان من الجيش المصري بعد اجتماعات ومشاورات مع القوى والأطراف السياسية والدينية، وكانت أهم النقاط التي طرحها الفريق عبد الفتاح السيسي تعطيل العمل بالدستور بشكل مؤقت؛ وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة على أن يتولى رئيس المحكمة الدستورية العليا شئون البلاد خلال المرحلة الانتقالية لحين انتخاب رئيس جديد.

ولكن في النهاية السؤال الذي يطرح نفسه هو هل حركة 30/6 ثورة أم انقلاب عسكري؟ البعض قد اعتبرها ثورة. والبعض الآخر يراها انقلاباً عسكرياً. وهناك فريقٌ ثالث اعتبرها تصحيحا لمسار ثورة 25 يناير.

وفي النهاية فإنني أرى أن ثورات الربيع العربي تحولت تدريجياً إلى ربيع إسلامي لأن الشعب هو من قام باختيارهم في انتخابات حرة نزيهة، إلا أنه في مصر قرر الشعب أن يثور ضد من اختاره بمحض إرادته، فالشرعية التي اكتسبها الرئيس السابق محمد مرسي أسقطها الشعب لعدم كفاءة النظام. وأرى أيضا ثورة فها ملامح انقلاب عسكري، لأن الإرادة الشعبية لم تكن لتنجح لولا مساندة الجيش ووقوفه إلى جانبها.

= = = = =

الهوامش:

[1] محمد السيد سعيد، مفارقات صور المستقبل العربي، مجلة شؤون عربية، العدد 117، 2004، ص 32-33".

[2] نفس المرجع السابق، ص 32.

[3] نفس المرجع السابق، ص34.

[4] سعيد رفعت، الربيع العربي بين إحباطات الداخل وإشاعات الخارج، مجلة شؤون عربية، العدد 148، 2011، ص 10.

[5] نفس المرجع السابق، ص 10.

[6] محمود الذوادي، مجلة العربي، العدد 657، أغسطس 2013، ص 190، في: طارق رمضان، الصحوة العربية والشرق الأوسط الجديد، 2012.

[7] ثروت الخرباوي، سر المعبد: الأسرار الخفية لجماعة الإخوان المسلمين، دار نهضة مصر، نوفمبر 2012، ص 32.

[8] عدلي الهواري، بحث: جماعة الإخوان المسلمين، مجلة "عود الند" الإلكترونية، www.oudnad.net ، العدد 86، أغسطس/آب 2013.

http://www.oudnad.net/spip.php?article846

[9] ثروت الخرباوي، مرجع سابق، ص 32.

[10] عدلي الهواري، مرجع سابق.

[11] جمال الدين حسين، سقوط دولة الإخوان، رقم الإيداع 15016/2013، ص 69-80.

[12] سامح السيد، حصاد الربيع العربي في عامه الأول، مجلة شؤون عربية، العدد 148، شتاء 2011، ص 17.

[13] مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، علم النفس، الدراسات الإنسانية (بيروت: معهد الإنماء العربي)، 1976، ص 162.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3102483

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC