هدى أبو غنيمة - الأردن

نصان: تواصل وكم أغبط الشمس!

هدى أبو غنيمةبدا عيد ميلاد الصغير احتفالا إنسانيا اجتمع فيه أطفال من جنسيات مختلفة، جمعت بينهم مقاعد الدراسة.

أقبل الأطفال حاملين هداياهم متألقين بثيابهم الزاهية، وانشغلت الأم والجدة بالترحيب بالصغار ومتابعتهم وهم يتراكضون في الحديقة. وحينما حان وقت الاحتفال أقبل الصغير لاهثا، وعيناه معلقتان بالباب قال: "لم تأت باولينا بعد. لا أريد إطفاء الشمعات الآن".

بعد دقائق أقبلت باولينا ترافقها جدتها. وبعد إطفاء الشمعات وتوزيع الحلوى انصرف الصغار إلى اللعب، وجلست الجدتان في ركن من الحديقة للتحدث والمجاملة. لم تكن جدة باولينا تعرف من اللغات الأجنبية غير لغتها الإسبانية وعبارات المجاملة الشائعة من الإنجليزية أو الفرنسية.

تبادلت الجدتان بضع عبارات، ثم ران الصمت فتداعى إلى ذاكرة جدة الصغير قول أحد المفكرين الألمان: "ليست الجغرافيا هي الحدود بل اللغات هي الحدود".

أرادت جدة الصغير تبديد الصمت، فقطفت بضعة زهرات من الياسمينة الدمشقية المتكئة على سور الحديقة ووضعتها بين يدي ضيفتها. أومأت السيدة إيماءة الامتنان وقالت عبارات بالإسبانية الممزوجة بإنجليزية مكسرة: "إن رائحة الياسمين تذكرها ببيت جدتها في قرطبة".

نطقت اسم المدينة بحنين أيقظ حنينا. وبين سكون الحنينين، خطرت أطياف حضارة بهية، فوجدت جدة الصغير في ذلك مادة لتواصل الحديث، وعبرت عن إعجابها بالتطريز الشرقي المذهب على صدر ثوب باولينا، وأنها قد زارت قرطبة واشترت وشاحا مطرزا بتلك الخيوط الذهبية والفضية، فأشارت الجدة باعتزاز إلى أنها قد طرزت ثوب حفيدتها بيديها، وأنها قد تعلمت ذلك الفن من جدتها.

حينما حان وقت الانصراف عبرت الجدة بود حميم عن امتنانها، بينما وقفت باولينا بقامتها الممشوقة، ونسمات المساء تعبث بخصلات شعرها لتقول شكرا بالعربية. وحينما استدارت بدت برأسها المرفوع بكبرياء، وشعرها الكستنائي المنسدل على ظهرها، مهرة مطوقة بالياسمين.

= = = = =

كم أغبط الشمس!

ذرفت حياتها بجملة، قالت وهي تتأمل الشمس الملوحة بالغياب:

كم أغبط الشمس! فهي ستعاود الشروق، أما أنا فإني أغذ الخطى نحو رحلة الغياب.

قلت مازحة: قد أدركتك حرفة الأدب، لم أعرف أنك شاعرة.

غابت عيناها وراء سحابة حزن وامتدت يدها إلى صورتها، وهي ما تزال صبية يانعة وقالت بمرارة: انظري إلى هذه الصورة. يفصلني عنها ثلاثة عقود. ماذا بقي منها؟ لم أعش الحياة التي حلمت بها. افتقدت طوال عمري الشعور بالأمان. كنت من أجمل الصبايا، أحلق في فضاء الحلم بجناحي فراشة، أطللت على الحياة من شرفة ديوان شعر ورواية رومانسية، لذلك حينما اخترت شريكا لحياتي لم أكن قادرة على تقدير المسافة بين الوهم وبين الحلم، فاحترقت بلهب التجربة.

كان زواجي فخا نصبته المصالح. أحببت فيه طيف فارس تراءى لي من شرفة كتاب، وأحبني من خلال هالة الجاه والمال. وجد ضالته واجهة يقدم نفسه من خلالها إلى المجتمع. لم يعبأ يوما بإنسانيتي وظلل حياتي بالكآبة. اقتنص كل شيء: أنوثتي وإنسانيتي وأحلامي، وتركني أخوض صراع الحياة وحدي.

واجهت بشجاعة تبعات اختياري، وقاومت بعزيمتي كل المثبطات حتى لا ينهار كياني الأسري. وها أنا بعد أن أوصلت أولادي إلى بر الأمان ما زلت أفتقد الأمان.

ساد بيننا صمت صاخب قطعته قائلة:

أتدرين لماذا تشعرين بالمرارة؟ لأنك احتجزت نفسك في صورة يزدان إطارها بزهور النرجس. حسبت أنك تحتجزين الزمن ولم تلفتي إلى البعد الإنساني في تجربتك. هل تعتبرين نفسك ضحية؟ لقد قسوت عليه وعاقبته عقابا قاسيا حينما همشت حضوره ولم تساعديه على أن يتجاوز ضعفه ليكون بجانبك يساندك. صادرت دوره ونفيته إلى الظل واستأثرت بأضواء القيادة وحدك تعويضا عن انكسار الحلم .

حدجتني بنظرة عاتبة قائلة:

أنت والزمن علي؟

قلت لو أعدت النظر في التجربة على ضوء معاناته من النفي والتهميش لبدوت إنسانة مكتملة الأنوثة.

وبعد برهة صمت، همست: كم أغبط الشمس!


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3373154

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC