عدلي الهواري

كلمة العدد 88: القول الفصل للسلطة التي تمثل الشعب: مجلس العموم البريطاني مثالا

د. عدلي الهواريكانت الإمبراطورية البريطانية توصف بأنها الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس لاتساع المساحة الجغرافية التابعة لها. وحصل لها ما حصل للإمبراطوريات قبلها، وظلت تتقلص إلى أن تحولت إلى دولة كغيرها من الدول الغربية، ويشار إليها كثيرا بأنها الشريك الصغير في التحالف مع الولايات المتحدة، وهي معرضة هذه الأيام لانفصال اسكتلندا عنها.

هناك حديث في كل من بريطانيا والولايات المتحدة عن علاقة خاصة بين البلدين، وهي تعود إلى ما قبل ظهور الولايات المتحدة كدولة مستقلة، فقد أقامت بريطانيا مستعمرات لها على الشاطئ الشرقي لما أصبح لاحقا الولايات المتحدة الأميركية. وكان المستوطنون من بريطانيا والدول الأوروبية يذهبون للاستيطان هناك. وهذه العلاقة الخاصة أسفرت عن اعتماد الولايات المتحدة اللغة الانجليزية كلغة رسمية للدولة الوليدة.

ومن أسباب العلاقات الخاصة أيضا وقوف الولايات المتحدة مع بريطانيا في الحربين العالميتين الأولى والثانية. وورثت الولايات المتحدة نفوذ بريطانيا في الشرق الأوسط، وخاصة بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، الذي كان أحد مرات الخلاف النادرة بين البلدين، فعندها طلب الرئيس الأميركي ايزنهاور، قائد قوات الحلفاء في أوروبا أثناء الحرب العالمية الثانية، سحب القوات المعتدية. وتحدث في تلك الأيام عن أهمية دور الأمم المتحدة في إيجاد حل للأزمة المفتعلة في ذلك الحين.

كشريك صغير في التحالف بين البلدين، تقف بريطانيا مع الولايات المتحدة في كثير من المواقف، وخاصة في حالات النزاع، مثل الحرب الباردة قبل انهيار الاتحاد السوفييتي، وغيرها من حروب ساخنة.

وهناك أوجه اختلاف كبيرة بين نظامي الحكم في بريطانيا والولايات المتحدة، فالأولى ملكية، وليس لديها دستور مكتوب، ومن يحكم فيها فعليا رئيس/ة الوزراء. ولا يوجد موعد دوري لانتخاب رئيس الوزراء، بل هو من يقرر تحديد الموعد خلال خمس سنوات من آخر انتخابات عامة. كما أن رئيس الوزراء لا ينتخب مباشرة من الشعب، بل يتولى رئاسة الوزراء زعيم الحزب الذي يفوز بأغلبية المقاعد في مجلس العموم. وبهذه الطريقة انتقلت رئاسة الوزراء من توني بلير إلى غوردون براون دون انتخابات عامة.

أما الولايات المتحدة فنظامها جمهوري رئاسي، ولها دستور مكتوب نص على مجموعة من الحريات الأساسية، وموعد الانتخابات الرئاسية فيها معروف، فهو يتم كل أربع سنوات، وفي أول يوم ثلاثاء في شهر تشرين الثاني/نوفمبر. ولا يجوز أن يحكم رئيس أكثر من مرتين متتاليتين، ولا يوجد قيد مماثل على عدد مرات حكم رئيس/ة الوزراء في بريطانيا، فمارغريت ثاتشر (حزب المحافظين) وتوني بلير (حزب العمال) كانا رئيسي وزراء ثلاث مرات متتالية، وما منعهما من الاستمرار التنافس على زعامة الحزبين الذين ينتميان إليهما.

والتشريع في بريطانيا يمر عبر مجلسين: الأول مجلس العموم، وأعضاؤه منتخبون، ومجلس اللوردات، وأعضاؤه معينون. والتشريع في الولايات يمر أيضا عبر مجلسين: مجلس النواب، وتجري انتخابات أعضائه كل سنتين، ومجلس الشيوخ، الذي ينتخب العضو فيه لفترة ست سنوات. في بريطانيا يجوز الجمع بين المنصب الوزاري والعضوية في مجلس العموم، أما في الولايات المتحدة، فلا يجوز ذلك.

ورغم أن كل النظم السياسية تقول إن هناك فصلا بين السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية، إلا أن تنافر السلطات وصراعها على صلاحياتها لا يحدث كثيرا، والسلطة التنفيذية لها وسائل للضغط على التشريعية والعكس صحيح. وفي كثير من الأحيان، "تبصم" البرلمانات في الدول الديمقراطية على ما تريده الحكومة، مثلما تبصم البرلمانات في الدول غير الديمقراطية.

ولكن السياسة لا تخلو من المفاجآت رغم كل المحاولات التي تتم لجعلها منضبطة كمسرحية كتب لها السيناريو والحوار وتسلسل الأحداث.

مجلس العموم البريطانيرئيس وزراء بريطانيا، ديفيد كاميرون (حزب المحافظين)، كان متحمسا لتوجيه ضربة لسورية بعد استخدام سلاح كيماوي في النزاع الدائر في سورية، ودعا مجلس العموم لجلسة استثنائية لبحث الموضوع. ليس من المعقول أن كاميرون دعا مجلس العموم للانعقاد وهو غير متأكد من أنه سيحصل من المجلس على ما يريد.

ولكن حصلت المفاجأة، ولم يحصل كاميرون على ما يريد، فأغلبية أعضاء مجلس العموم عارضت تسرعه. وساهم في ذلك أن تركيبة مجلس العموم الحالية لا أغلبية مطلقة فيها لأي من الأحزاب الثلاثة (المحافظين والعمال والأحرار). وسارع إلى الإعلان عن احترام رغبة البرلمان، وذهب إلى حد أكثر من المتوقع عندما أعلن عدم مشاركة بريطانيا في الضربة التي كثر الحديث عنها.

لن ينتهي الجدل في بريطانيا حول هذه القضية، وستكون محل اهتمام المحللين السياسيين والأكاديميين المختصين بالعلوم السياسية. الشيء الأهم أن هذا التصرف من مجلس العموم أعاد تأكيد أهمية المجالس التشريعية، ففي هذه الحالة كبح مجلس العموم جماح السلطة التنفيذية المتشوقة لحرب أخرى تؤدي إلى قتل المزيد من البشر بذريعة حمايتهم.

في عالمنا العربي هناك دول لا برلمان فيها، أو يحل فيها دون إبداء أسباب، أو بأمر قضائي مسيّس. وحيث يوجد برلمان يكون دوره شكليا أو محدود الصلاحيات. لو كان في الدول العربية نظم ديمقراطية فيها شعوب تنتخب حكامها وممثليها في البرلمان، وفيها مجالس تشريعية تحاسب السلطة التنفيذية، لزادت احتمالات تجنيب الدول العربية الويلات والدمار الذي شهدته منذ عقدين من الزمن على الأقل. كانت الفرصة المواتية للتغيير الداخلي السلمي الطوعي عندما هبت رياح التغيير على دول أوروبا الشرقية، وتكررت الفرصة عندما نجح الشعب التونسي في إزاحة الرئيس بجهود ذاتية سلمية. ولكن من اعتاد على الحكم بأسلوب دكتاتوري يظن أنه حالة خاصة مختلفة عن غيرها ولا يتعلم من التاريخ.

مع أطيب التحيات

عدلي الهوراي


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3035610

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC