عماد الخطيب - السعودية

المصطلح العروضي عند ابن رشيق القيرواني (*)

المصطلح العروضي عند ابن رشيق القيرواني (*)
" قراءة في نقد النقد "

(*) بحث لمحمد شريف غانم: مجلة مؤتمر النقد، جامعة اليرموك، الأردن، كتاب المؤتمر، 2010م، ص 425 – 460.

عماد الخطيبهذا بحث اخترته بناءً على منهج كتابنا، في نقد النقد، وقد لفت انتباهي في البحث عنوانه من حيث فكرة (المصطلح العروضي) ومنهجية الباحث في (التأصيل والمحاورة) وسأعرض سبب اختياري لهذا البحث وملخص ما جاء فيه والآفاق التي فتحها لي.
أما سبب اختياري لهذا البحث فهو اهتمامي على الصعيد الشخصي بعلم العروض وتطبيقاته ثم منهجية التأصيل والمحاورة التي أظنها ستفتح لي مجالاً لدراسة علم العروض ومصطلحاته من جوانب أخرى .

ويقوم بحث محمد غانم على مدخلٍ تحدث فيه عن نشأة المصطلح العروضي ثم تحدث عن مفهوم التأصيل والمحاورة ومصطلحات ابن رشيق القيرواني ** المجترحة المؤصلة وهي (الفرق والقواديسي والمداخل أو المدمج) ثم حاور الباحث مصطلحات ابن رشيق التي سبق إليها محاورا وتلك المصطلحات هي (الإجازة والإقواء والتسميط والتصريع والتقفية والرجز والقافية والقصيد) ثم سرد الباحث في نهاية عمله مجموعة المصطلحات العروضية التي وردت في بحثه.
ومما يلفت الانتباه في هذا البحث أنه أمكن القارئ من الوقوف على أهم المصطلحات التي تشكل رؤيا في علم العروض. وبظني أن تلك المصطلحات هي التي دارت حولها دائرة وزن الشعر وأهمية الوزن للشعر وهي التي تطورت وصولاً لعروض الشعر الحر الآن لأن ابن رشيق القيرواني ابن القرن الخامس الهجري يعي ما قيل قبله عن أن الشعر كلام موزون مقفى وأنه سيمس (تابو) من (تابوهات) الشعر وحدوده عند العرب خصوصاً وأنه يكتب عن العمدة في صناعة الشعر. والباحث يشير إلى تسلسل كل مصطلح منذ الخليل لابن رشيق في إشارةٍ منه للتأثر وأثر اللاحق بالسابق ومن هو السابق؟

إنه المؤسس (عراب) العروض الذي لا ينطق إلا حقا فكيف له أن يحاور مسلمات عشعشت في العقول خمسة قرون مضت؟

هذا ما يثير القارئ ويدهشه في بحث محمد غانم شريف، وقبل ذلك نراه يعرض للمسألة ويوصل لها ويحاور ما وصل ابن رشيق إليه، ثم إن ابن رشيق لا يشير إلى أوليته في إظهار هذا المصطلح أو استحداثه لكنه يقول عنه (ومعنى قوله) والإشارة إلى أنه سُبق إليه وقاله قبله أحدهم في حين يذكر الباحث أنه (لم يجد له ذكراً عند العروضيين القدامى). ولا أظن ذلك صحيحاً، ولعل الأصوب أن نقول: إن زاوية تطبيق ابن رشيق للمسألة اتخذت زاوية جديدة ولا أدل على ذلك من افتراض الباحث لمسألة (الفرق) في العروض أنها من صنع ابن رشيق والأمر في العروض معروف وليست التسمية (التي سمّاها مصطلحاً) هي الجديدة فالمعروف أن الخليل ألف التفعيلات من متناظراتها ونقل أسبابها وأوتادها لأن (فاعلن) هي صورة لنقل (فعولن) وهو ما صنعه عندما قال إن (مستفعلن) بتقديم النون تصبح (مستفعنل) ومن هنا فإن بحر (المنسرح) هو صورة عن بحر (الرجز)؛ لأن الأول مفتاحه من (مستفعلن / مفعولات / مستفعلن)، والثاني مفتاحه من ( مستفعلن / مستفعلن / مستفعلن )، فيكون الفرق في (ضرب) البحرين فقط. وقد سمى ابن رشيق ذلك التشابه بالتمييز بين البحرين بـ (الفرق) بين التفعيلتين، في حين لا ينظر الخليل للمسألة من زاوية ما سماه ابن رشيق (الفرق 2/238)؛ بل هما بحران منفصلان ولكل دائرته.

ويمكن أن تفتح هذه القاعدة أداة بحث جديدة لدراسة فكرة توليد التفعيلات العروضية من بعضها البعض، بعد التأكيد على أن كل تفعيلتين هما مرآة من بعضهما، وتصنع التفعيلة أختها بـ (الزحاف) كما في الشكل التالي:

الجدول الأول

موضوع عماد الخطيب

بينما يمكن استثمار فكرة "تناظر البحور" التي تؤكد اشتقاق البحور من بعضها، كما قال ابن رشيق في فكرة " الفرق" بين بحري (الرجز والهزج) في استثمار الجدول السابق للتأكيد على تلك الفكرة على النحو التالي:

فاعلن (من) فعولن، و مستفعلن (من) مفاعيلن.

إذن بحر(البسيط) من بحر ( الطويل)؛لأن مفتاح البسيط من (مستفعلن / فاعلن / مستفعلن / فاعلن) وبحر الطويل من (فعولن / مفاعيلن / فعولن / مفاعيلن) وهما من دائرة واحدة، كما وضعها الخليل.. وكذلك هما بحرا الوافر والكامل، والهزج والرجز، والسريع والمقتضب والمتقارب والمتدارك.. أما بحر المنسرح فأراه – بظني – ناتج عن حركة ( مفعولات ) في بحر السريع كما يلي :

مفتاح السريع من : مستفعلن / مستفعلن / مفعولات . ومفتاح بحر المنسرح من : مستفعلن / مفعولات / مستفعلن.

وهي قاعدة تسري على البحور التالية، كما في الجدول:

موضوع عماد الخطيب

وعرض البحث لمصطلحين جديدين عند ابن رشيق هما (الشعر القواديسيّ 1/ 188) و(البيت المداخل1/188) وسماه (البيت المدمج1/188). أما تعريفه للشعر القواديسيّ فهو ذاك الشعر الذي يجتمع فيه رفع القافية وخفضها أي"جرها"، وهو ما يعرف بعيب" الإقواء"، لكن ابن رشيق لم يعدّ هذه الحالة في الشعر عيبا! بل جعل الشعر القواديسي الذي يحوي الإقواء شعرًا جيدًا يولد مقصودًا لذاته، وعرفه بأ،ه : " نوع شعر مختلف المجرى وهي حركة الروي، وربما لو اتفقت هذه الحركة لأخرجته عن الوسط الذي هو فيه إلى وسط الشعر المتعارف عليه " . أما الإقواء – عنده – فهو ذهاب حرف أو ما يقوم مقامه من عروض البيت، وهو من باب الوزن لا من باب القافية ويسميه الخليل (المقعد)، وهو مثل قول زهير بن أبي سلمى[ من الكامل]:

كانت علالة يوم بطن حنين وغداة أوطاس ويوم الأبرقِ

وهذا يفتح لي أفقًا نحو العودة لأصل الشعر المرسل في تاريخ الأدب العربي، الذي كان أساسًا في صناعة عروض الشعر الحر، الذي تبين أن له إرهاصات استفاد المنظرون اليوم منها في صناعة ما يزعمون بجديته وابتكاره.

أما (البيت المداخل) فهو ما يسمى بـ (التدوير)، فقد أشار ابن رشيق إلى أنه أكثر ما يقع في عروض البحر(الخفيف) إلا أنه في غير الخفيف مستثقل عند المطبوعين وهم يستخفونه في الأعاريض القصار : كالهزج ومربوع الرمل. كما بين أنه يدخل البحور جميعها دون استثناء، ومثاله قول المتنبي [من الخفيف] :

أنا في أمة تداركها اللـ ـه غريب كصالح في ثمود

وهو تداخل في لفظ الجلالة (الله) الذي دخل قسمه الأكبر (اللـ) في عروض البيت، ووقعت (الهاء) فقط في بداية الشطر الثاني. وإلى هنا انتهى الباحث من المصطلحات المجترحة عند ابن رشيق القيرواني.

وربما إن أهم ما نستنتجه مما عرضه الباحث سابقا أن الأوزان والبحور العروضية تتوالد من بعضها نتيجة لتناظر أو تنافر أو انسجام التفعيلات بطريقة يصعب فصل المولد فيها عن الأصيل لشدة ما يتماسكان، وهذا يقود بدهيًا إلى فكرة الدائرة العروضية التي هي ترتيب منظم لأوزان تتفرع عنها البحور حسب طريقة قراءتها عكس أو ربما تكون – بفعل جديد- مع عقارب الساعة، وبتناوب الابتداء في قراءة الوزن تنتج الدائرة البحور – حسب فهمي – من بعضها. فلو أخذنا مثلا بحري " الطويل والبسيط " لأمكننا استنباط بحور عديدة منهما.

أما محاورة المصطلحات فقد استعرض الباحث أولا: مصطلح (الإجازة 2/89)؛ وسماها (الإجارة 1/175) ويجمعهما مصطلح "السناد" والمعنى يصب في تباعد مخارج حروف القافية، وقد تعني اجتماع الفتح مع الضم أو الكسر في قافية أبيات لقصيدة واحدة، أو هي اختلاف حرف الـ"ردف" في القافية المقيدة. والمصطلح متداخل المفهوم، ومعقد، ولا حدّ له واضح، وهذا يدعونا للقول بأن تفكير العروضيين في تحديد عروض شعر اليوم هو امتداد لسلفهم في تغيير حرف الروي وتعدد القافية، وليس اختراع عروض الشعر الحديث (الحر) اختراعًا وليد الصدفة ولا تأصيل له، بل هو امتداد لآرائهم.

وابن رشيق له منهج محدد في استقراء رأي من سبقه فهو يحاوره، ويسرد ما قاله، مبينا مواطن القوة والضعف للرأي الذي سبقه، وكان يدلي بدلوه، ويبين الاختلاف، وقليلا ما يرجح رأيا على آخر، وتارة يخطئ العلماء كلهم في حديثه عن "الإقواء". وإنّ أغلب آرائه صبت في الاختلاف على حد "القافية" وأهميتها وتطورها وفي ذلك جاءت مصطلحاته "التسميط، والتصريع، والتقفية، والرجز ، والقافية، والقصيد".

ويعد ابن رشيق أفضل من بين مفهوم (التسميط 1/189) من القدماء –برأي الباحث- وكان متعصب الرأي للمتقدمين من الشعراء على المحدثين منهم، وقال عنهم بأنهم جاؤوا بالوزن والقافية التي لم يأت بها أقرانهم من المحدثين. والتسميط نمط من القصائد متفرق القوافي ومتعقبًا بقافية تضمه، مثل قول امرئ القيس [من الطويل]:

توهمت من هند معالم أطــلال غفاهن طول الدهر في الزمن الخالي
مرابع من هند خلت ومصـايف يصيح بمغناها صدى وعـــوازف
وغيرها هوج الرياح والعواصف وكل مســـف ثم آخـــر رادف
بأسحم من نور السماكين هطّال

وهذا الشكل يقترب كثيرا من شكل الموشحة، وهو بداية – إن صح نسبته لامرئ القيس – لنظرة العربي نحو تعدد القوافيّ.

وتحدث ابن رشيق عن (التصريع1/185) الذي هو اعتماد قافيتين في بيت واحد، تتساويان بزيادة أحدهما أو نقص من آخر[ يعني العروض والضرب] فيتساويان. وهذا يصنع تأثيرًا على السامع. ومنه قول امرئ القيس [من الطويل]:

موضوع عماد الخطيب

فتساوى في البيت العروض مع الضرب، في حين كان فيما تبقي من القصيدة على وزن
(مفاعلن). وكذلك ناقش ابن رشيق (التقفية1/183) التي تعني تساوي العروض والضرب دون زيادة أو نقص كقول امرئ القيس [من الطويل ]:

موضوع عماد الخطيب

فتساوت العروض مع الضرب مع سائر الأبيات وجاءت القصيدة مقفاة كلها.

أما مناقشته للـ (الرجز1/195) و(القصيد1/195) فجاءت من خلال إجابته عن سؤال أو شعر أم ليس شعرا؟ وهل ما قاله النبي الكريم –صلى الله عليه وسلم– منه يعد شعرا؟ وكيف يستوي ذاك مع قوله تعالى: "وما علمناه الشعر وما ينبغي له". وخلص ابن رشيق إلى أن "القصيد مطلق على كل الرجز، وليس الرجز مطلقا على كل قصيد أشبه الرجز في الشعر.. ألا ترى أن كل مقصد يستطيع أن يرجز، وإن صعب عليه بعض الصعوبة وليس كل راجز يستطيع أن يقصد". فهناك من الرجز ما دخل في القصيد، وليس بممتنع أن يسمى ما كثرت أبياته من مشطور الرجز أو منهوكه قصيدة؛ لأن اشتقاق القصيد من "قصد" إلى شيء، كأن الشاعر قصد إلى عملها على تلك الهيئة، والرجز مقصود أيضا إلى عمله كذلك. فأي بيت من الشعر من أي بحر كان –عند ابن رشيق– يعد قصيدا شرط أن يكون القصد فيه محققا". ثم ناقش ابن رشيق (القافية1/159) وأقوال العلماء في حدها، وتبنى رأي الخليل، ورفض رأي الأخفش، دون مواربة الذي يقول بأن القافية لا تكون كما قال آخر كلمة في البيت. وبمناقشات ابن رشيق نفتح بشكل أرحب باب أن آراء عروض الشعر العربي الحديث تعود –في مجملها– إلى ما تقدم من آراء علماء العروض والنقد القدماء رحمهم الله.

موضوع عماد الخطيب

فتساوت العروض مع الضرب مع سائر الأبيات وجاءت القصيدة مقفاة كلها.

أما مناقشته للـ (الرجز1/195) و(القصيد1/195) فجاءت من خلال إجابته عن سؤال أو شعر أم ليس شعرا؟ وهل ما قاله النبي الكريم –صلى الله عليه وسلم– منه يعد شعرا؟ وكيف يستوي ذاك مع قوله تعالى: "وما علمناه الشعر وما ينبغي له". وخلص ابن رشيق إلى أن "القصيد مطلق على كل الرجز، وليس الرجز مطلقا على كل قصيد أشبه الرجز في الشعر.. ألا ترى أن كل مقصد يستطيع أن يرجز، وإن صعب عليه بعض الصعوبة وليس كل راجز يستطيع أن يقصد". فهناك من الرجز ما دخل في القصيد، وليس بممتنع أن يسمى ما كثرت أبياته من مشطور الرجز أو منهوكه قصيدة؛ لأن اشتقاق القصيد من "قصد" إلى شيء، كأن الشاعر قصد إلى عملها على تلك الهيئة، والرجز مقصود أيضا إلى عمله كذلك. فأي بيت من الشعر من أي بحر كان –عند ابن رشيق– يعد قصيدا شرط أن يكون القصد فيه محققا". ثم ناقش ابن رشيق (القافية1/159) وأقوال العلماء في حدها، وتبنى رأي الخليل، ورفض رأي الأخفش، دون مواربة الذي يقول بأن القافية لا تكون كما قال آخر كلمة في البيت. وبمناقشات ابن رشيق نفتح بشكل أرحب باب أن آراء عروض الشعر العربي الحديث تعود –في مجملها– إلى ما تقدم من آراء علماء العروض والنقد القدماء رحمهم الله.


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 1285534

موقع صمم بنظام SPIP 3.0.16 + AHUNTSIC

Visits since 18 Sept. 2014::page counter