نورة عبد المهدي صلاح - فلسطين

الحب والحرب والوطن

نصوص قصيرة عن الحب والحرب و الوطن والحياة

نورة صلاحعن السلم والحرب والحب

ملبدة الأجواء بغبار يثير الحساسية، سحب شاحبة وصفرة تلون السماء، يرتدي الكون ثوب السواد والدماء، وهذا الدمار والركام والأنقاض التي محت كل قافية كتبت، وكل قصيدة ولدت، وصوت طبول حرب تفزع منها القلوب خوفاً من أن تشتت الحرب الأحبة، إلا أن حالة السلم والحرب التي تسود الحياة لا تعنيني كثيراً لأن درباً من السلام والأمان تعبد ما بيني وبينك.

وإن بدأت الحرب؛ سأختبئ في ملجئك، وأعيش أيامي معك، لن ترهبني ضوضاء الصواريخ وظلمة المكان. تُلبسني الأمان بنظراتك، تخلع عني القلق السخيف، أشحن رسائلي في الحرب لأفجرها في صناديق البريد شوقاً وحنيناً لكل قريب وبعيد، أترك بنهاية الرسالة وصية للحب الذي بيننا؛ أن لا يقف بالصفوف الأمامية في الحرب، فهو أول الشهداء والأسرى، وأخر المحتفلين بالنصر، وأن يتذكر أن قلبي متعطش لثلاثة أشياء: وطن بلا هم، وطن بلا أعداء، وغناء يطفئ جذوة الحرب، ويرتل السلام على مسامع الأحباب.

عن الرصاصة

أطلقها جندي من برج المراقبة من بندقية عدائية الصُنع، تابعت كسر الصمت المحيط وهي تبحث عن جسد تستقر فيه لتطفئ حرارتها، اخترقت بيتاً هادئاً؛ ينام ساكنوه ونوافذهم تعانق السماء، تختبئُ في عيونهم النجوم، يُحيكون من خيوط الشمس ملاذاً من غدر البرد القادم، وبالمحبة يتدفئون وينعمون بالأمان، إلا أن الغدر أتى برصاصة أنهت الزمن، واستقرت بروح أحدهم، وأبدلت المكان من بيت آمن لخراب ينعق فيه الحزن الأليم، برج المراقبة والجندي والكثير من العتاد المعادي الصنع ما زال يتكاثر حول البرج بشكل مريب.

عن عيد الوطن والحب

(1)

أطل على وطني الحبيب صباح العيد، أتفقد جراحه أرشها بالملح وبعض التراب الأحمر، مازال لليوم يتأوه حزناً على وريده المبتور، ويلعن من قسموا حجراته، ونصبوا أنفسهم حماة الضريح والشهيد. ما أقبح الأعياد إذاً!

(2)

كتبت إليه في العيد الأول لهما تسأله كيف عيدك؟

أجاب: وكيف يعيش من قطعوا وريده ؟

كتبت إليه؛ أنتَ حلوى عيدي، وزينتي وخاتمي وثيابي الجديدة، أنتَ قلم كحلتي، وجديلتي وجمالي، أنتَ على الجبين قُبلةُ الزمن الجميل، وقصيدة المشتاق. ما أجمل الأعياد إذاً!

(3)

كانت الأعياد في الطفولة تأتي لنا بكل جديد وجميل، بالونات وورود وكعك، ملابس جديدة، أحذية لامعة، شرائط بيضاء وحمراء تلتف حول الجدائل المسدلة، كانت الأعياد تأتي إلينا بكل زينتها، ترقص معنا، تشدو لنا، وتحمل بأيامها قٌبلاً وبهجة، أصبحت الأعياد تأتي بباقة ورد على ضريح شهيد أو حبيب غاب عنا، وكعكة جاهزة ملفوفة بأوراق فائقة الجمال، طعمها معجون بالذل والهوان. هذه هي الأعياد الآن.

عن الرقص والحرب

(1)

ارغب بالرقص، وتدوين الحكايات الهاربة مع الأغنية، وتورط القدمين بعشق الفوضى وارتعاش الأفئدة، أرغب بالرقص لتهتز السماء من بعيد كأنها فيلم يتحرك، أرغب بالرقص لرفض الثبات والمقدمات الجامدة، يأتي الرقص بلا عناوين أو اتجاهات، بلا مقامات ولا حسابات. الرقص رغبة الملائكة بالنهوض من كتابة الخطايا، ورغبة الأفكار في التحرر من الألم.

(2)

عندما تدق الحرب طبولها، يمارس الكل هواية الرقص.

عن الحلم والأمنيات

حلمي العزيز؛ إذا استيقظت صباحا ولم تجدني، فقد ذهبت للعمل متأخرة كالعادة، التزم الفراش بدلا عني، حتى يبقى دافئا لآخر الليل، إن رغبت بتناول فطورك، سأترك كوب الحليب دافئا، ورجاءً عدل مزاجك السيئ بقليل من القهوة، لا تنس أيضا أن تطفئ جرة الغاز بعد أن تفوّر الحليب وأنت سارح، أو تدلق القهوة لتطشطش بقوة على النار الزرقاء. افعل ما تشاء وتمتع بيومك، شاهد التلفاز، تنقل بين القنوات الستمئة، كل ما أتمناه منك، أن تدعني وشأني لأنام بهدوء هذه الليلة.

إلا أن قليلا من الأمنيات سليم، بعضها عرجاء، وأخرى مصابة بشلل دائم. تجلس على مائدة الغربة، وعندما يطول جلوسها تتغذى على الانتظار، وإن طال الانتظار حزمت حقائبها للرحيل، وإن رحلت ترجع خالية من كل أمل وصبر وفرح، ودورة الحلم مؤلمة ففي الطفولة يكون ملوناً موشحاً مورداً وشبه طائر.

في الشباب يكون مشعاً براقاً لامعاً وشبه أملس.

في الشيخوخة يكون باهتاً له ظل ثقيل وخشن الملامح والحضور.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3031734

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC