هدى الكناني - العراق

ذات العقال

تفتحت ورود صباها في كنف أمها وخالتها، كونها يتيمة الأب، لذا كانتا دوما تبالغان في حمايتها ويمنعانها من ابسط حقوق من هن في مثل سنها.

لم تنس توبيخ والدتها لها حين حاولت اختزال شعرة من حاجبيها، أو تأنيب خالتها لأنها أرادت أن تلون شفتيها ذات مرة بلون الدرّاق.

ولأنها طالما قرأت الأسى في عيونهما بسبب الرجال، أسقطت الحب والزواج من حساباتها.

آخر عهدها بارتداء فستان عندما كانت طفلة. غالبا ما كانت تتسلحّ حين مغادرتها المنزل بملابس اقرب للصبية منها للصبايا: سروال الجينز وتي شيرت، وتحصّن نفسها بعقص غدائر شعرها أو تجعلها على شكل جديلتين لتلملّم تلك الغدائر الغجرية المتناثرة بكل ثورة على وجهها، كي لا يلتفت أحدهم إلى تمرد شعرها، وذلك الجمال الغافي في تينك العينين الواسعتين بلون العسل، اللتين أرادت مرة أن تغطيهما بنظارة طبية فمنعتها والدتها.

كانت سريعة الحركة رشيقة، ومن هنا أطلق عليها اسم الغزال الشارد و"ذات العقال" لأنها غالبا ما تجدل غرتها إلى جديلتين، كل جديلة على جانب وتربطهما معا بشريط صغير كالعقال.

وظلت غزالا شاردا حتى ملّ كل من كان يود التقرب منها. وإن أراد أحدهم التقرّب، يتطوع الكثير لتحذيره منها: "إنها عصية على الحب".

قيل عنها قاسية، متكبّرة إلى غير ذلك من الصفات التي كانت ابعد ما تكون عنها. كل ما هنالك أنها كانت تخشى الرجال.

بعد أن أكملت دراستها الجامعية وانخرطت في الوظيفة، كانت إذا ألقت تحية الصباح على الزملاء الزميلات يسمعون الصاد في بداية الرواق والحاء وهي تدلف مكتبها في نهايته. كان داخلها هشا كالمحارة، بيد إن صدفتها الخارجية قاسية كالفولاذ.

وحين تسمع ما يطلق عليها من مسميات، تضحك في سرها وتقول: "الحمد لله نجحت في تنكري ولذت بصدفتي". حتى التقت به.

كانت عيناه ثاقبتين كعيني نسر، تنظر إلى ما وراء ذلك القناع الذي تضعه. أينما تذهب، ترى تلك النظرات الحانيّة التي تود أن ترفعها من الأرض وتحّط بها على رمشيه. يقترب منها، يلقي تحيته بكل احترام وحذر، كجوهريّ عثر على قطعة ماس نادرة فأراد صقلها بتأن، لتكون كنزه الأبدي. وقد أحست بكل ما أرادت عيناه الإفصاح عنه، فاشتعل قلبها خوفا. وتذكّرت الأسى الذي طالما سكن عيني أعز امرأتين في حياتها.

كلما أراد أن يكلمها في مجال عملها، انسحبت بهدوء متذرّعة بعمل ما، وتتركه لزميلة، وظل هو على هذا المنوال مترددا خائفا من أن يبادر بعمل أي شيء، ما جعلها على يقين بأنه غير جاد كباقي الرجال.

ومرت الأيام والحال على هذا المنوال، وظلت تراقبه عن بعد، ولما لم يبد أي خطوة أو مبادرة تجاهها، ازداد يقينها بما أضمره قلبها من مخاوف، حتى فتر سلامه وتباعدت زياراته، وبدأ تجهم وجهه يزداد.

أحست بتأنيب الضمير ولكنها لم تغيّر نهجها معه، حتى انقطعت زيارته.

وبدأت تحس بذلك الفراغ الذي خلفّه وتفتقد تلك الابتسامة المترددة، الخجلة، التي ترغب بالمزيد ولا تفصح. غادرها بصمت، كما دخل حياتها بصمت.

أتراه خطّط لذلك أم لا؟ ظل سؤالا بلا جواب.

ولأول مرة، حين أرادت أن تلوذ بصدفتها، خذلتها، فلم يعد باستطاعتها أن تهرب من التفكير به، فلقد سكنها ظله الفارع ولم يغادرها البتّة. واعتادت بعد رحيله وبعد إنجاز عملها أن تريح وجهها على كفيها مستندة إلى مرفقيها وأكثر كلمة كانت ترددها "لو".

آه لو كان قلبي يحاكي قلب أميرة أندلسية بعشقه.

ولطالما تذكرت الغموض والحيرة في عينيه والتردد الذي يغفو على شفتيه، وذلك الصراخ الذي يهيج في صدره ولا يتنفس في نبرات صوته، بل يرقد متوثّبا كأسد متربّص. لماذا؟ لا تدري ما الذي يتربص به. هكذا كان آخر مرة وقعت عيناها عليه، قبل أن يغادر.

تردّد في مكان عملها أنه رحل خارج البلاد؛ ما الذي يمنعه فهو غنيّ، وحيد أهله وبلا ارتباط؟
تأوهت ورددت في أعماقها: "ليت باستطاعتنا أن نقطف أحلامنا من بساتين نومها، لتغفو مرتاحة في قوارير عطرنا، نشمها متى أردنا ذلك".

ولطالما تساءلت لم رحل؟ لم لم يكلمني ويصرّح لي بحبه؟ بل انسحب بهدوء. وتذّكرت شعر نزار قباني ولحن كاظم الساهر وبدأت تدندن:

إني لا أؤمن في حب لا يحمل نزق الثوار

لا يضرب مثل الإعصار لا يكسر كل الأسوار

انتظرت موسما تلو آخر. في كل موسم تزين أرجوحة أمنياتها بلقائه بأزاهير تختلف عن سابقاتها، حتى تقطعت أرجوحتها وذبلت زهورها وحملت توقها وجرحها وقفلت راجعة إلى صومعتها.

وفي أحد الأيام قالت لها زميلة في العمل: "سمعت أن فلانا قد رجع من خارج البلاد".

غاص قلبها في الأعماق وأرتفع مرة أخرى. لجأت إلى صدفتها وأغلقتها على أحاسيسها وفي قلبها لوعة وشجن. خذلتها كل أدوات هروبها: كتابها المفضّل، أقلامها، أوراقها، موسيقاها. وغفت تلك الليلة ودموعها تبلل وسادتها.

كانت تحلم إن تراه وقد افرد لها يديه، فتركض نحوه متخليّة عن حذرها، كطفل أعماه شوقه لأبيه، فيرمي بكل ثقله عليه، لأنه يعلم يقينا أن ساعديّ والده ستتلقفانه. حينها ستهمس في أذنه "احبك" فيأخذ نفسا عميقا كمختنق أمدّوه بقنينة أوكسجين.

وفي أحد الأيام بعد تلك المحادثة مع زميلتها، وبينما هي تسير مطرقة وبسرعة كعادتها، سمعت صوتا يقول: "مرحبا".

هذه المرحبا لها نفس نبرة صوته المذابة بقطعة سكر في فنجان حنان. أغمضت عينيها علّها تحتفظ بتلك اللقطة الفوتوغرافية في ذهنها. ظلت مطرقة للحظات خالتها كسنوات، وأفاقت من لحظة الذهول التي اعترتها.

رفعت عينيها متطلّعة إلى مصدر الصوت، فإذا به أمامها بطوله الفارع وحضوره الذي يذيب جليد القارتين القطبيتين معا في لحظات. ودّت لو ترتمي في أحضانه كما تعهدّت بذلك في خيالاتها، أن تتكوّر كجنين في رحم أمه لتختبئ في دفء عينيه. ولكثرة ما اعتمل في داخلها والفرحة التي غمرتها، وضعت يديها على قلبها وكأنها تمنعه من الوثوب من بين ضلوعها ليستقر بين ضلوعه وهو ينبض كدقات طبول طقس أفريقيّ سمع في أرجاء الأدغال كافة.

وضعت يديها على صدرها كمن يكمّم فم طفل كي لا يصرخ. تطلّعت إليه بنظرة تحمل في طياتها الف سؤال وسؤال.

بادر إلى القول: "فررت منك إلى أقصى بقاع الأرض لعلي أنسى بلورتيّ العسل المذابة في عينيك، فلم تستطع أنثى في أيّ مكان قصدته أن تنسيني إياهما أو تنسيني أيّ تفصيل ولو صغير في ملامح وجهك يا ذات العقال".


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3253806

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC