عبد النبي فرج - مصر

رواية صورة يوسف لنجم والي

إذا كان العزل الجبري، الاعتقال، السجن، القتل، الاقتلاع، والتدمير الرمزي والفعلي هي ساحة السرد الروائي، فلا يمكن أن تلتقط هذه العين الساردة سوى شخوص مأساوية ساقطة في بحيرة من الوحدة والجنون والهذيانات التي لا تنقطع.

وهذا بالفعل مدار رواية القاص العراقي نجم والى "صورة يوسف" الصادرة عن دار ميريت للنشر والتوزيع، والتي تدور في العراق في الفترة بعد احتلال العراق وسقوط صدام، حيث يقوم الراوي برحلة فعلية ومتخيلة عبر شوارع بغداد وأزقتها والأماكن الموبوءة بالمأساة مثل الشوارع، حيث التوقع في كل خطوة أنك رقم في سلسلة الموتى، وتطاردك العبوات الناسفة والسيارات المفخخة والمسدسات بكل أنواعها بعيونها المظلمة. وتشمل الرحلة أيضا البيوت التي عاش فيها حاملة المأساة التاريخية، والمشرحة والمستشفى.

بل إن الراوي لا يستعيد الوعي إلا في أتون هذه الأماكن وهو المستشفى، حيث يقوم برحلة لاستعادة حياته الماضية بين عدة حيوات وهويات مزورة لا يعرف من هو بالضبط. ومن الأصل ومن الصورة: هل هو يوسف ماني، أم يونس الأخ الأكبر ليوسف، أم هارون والي.

ولكن كان به حنين جارف للعودة إلى الاسم القديم يوسف ماني، اسم سنوات الطفولة، رغم اقتران هذا الاسم بمأساة الراوي وهو قتل يونس الأخ الأكبر الفتاه الصغيرة ذات الجدائل الشقراء والعينين الخضراوين والفانلية الزرقاء بكعكة ممتلئة بالمسامير، وهي الفتاة التي كان يحبها يوسف ويتهم بقتلها ويدخل الإصلاحية.

هذه الأسطورة التي تتخايل أمامه باعتبارها رمز الفطرة والحب الخالص الذي يشعر بأنه مدين لها يسعى لاستعادتها بدون الخطايا المرتبط بها أن يكفر عن ذنب لم يرتكبه.

هده الرحلة التي تتوزع بين الماضي والحاضر، ويلتقط فيه شخوص موسومة بالجنون أو تتخذ الجنون كقناع يخفي معرفة محتومة وأكيدة، كمعرفة بالإرث مثل العم عاصم الذي يهذى حول الماضي/ ولكن وسط هذا الهذيان يكشف عن بصيرة كاشفه وسخرية مريرة مما جرى ويجرى، ولذلك يكون دليل الراوي والمتفهم لحاله، ولم يأبه لكذب الراوي عليه، بل يحلم بأن يكون تغيير الاسم حقا للمواطن التركماني والآشوري والشيعي والسني باعتبار هذه هي الطريقة الوحيدة لتحقيق العدالة. هذه الفكرة الفانتازية لا يمكن أن تتخلق إلا في بلد يتم القتل فيه على الهوية.

يخرج الراوي حاملا الحقيبة وحده لاستعادة حياته الضائعة. ومن خلال هذه الرحلة الواقعية والمتخيلة تتخلق ملامح البشر الساقط في المتاهة، مثل زوجة أخ الراوي التي تتصور يوسف هو يونس أو أنها ارتدت قناع الجنون لكي تخرج من وحدتها القاتلة وتسحب يوسف إلى عالمها بالإغواء تارة وتارة بالشفقة، ويدخل اللعبة سكرانا، ويمارسها حتى تحولت لطقس يلعب الكل فيه الدور المتفق عليه ضمنيا.

أما الجنرالات الواقفون أمام المشرحة فقد أختلط عليهم الأمر ولم يعودوا قادريين على التمييز بين الماضي والحاضر، أو هل هم في حالة حرب أم إن الحرب قد انتهت، وإذ كانت انتهت فمن المنتصر ومن المهزوم؟ وأي حرب هي؟ فالحروب كثرت.

إن هذه الشخوص الهاملتية التي صرعتها الحوادث المرعبة الأخيرة والتي فاقت كل خيال والتي تهرب من الواقع الإنساني إلى الجنون هي الشخصيات الأكثر نبلا وكشفا عن مدى الجريمة التي ارتكبت في حق هذا الإنسان، سواء من الخارج أو من أبنائه الذين تولوا السلطة في السابق أو الآن، فبدلا من بناء دولة مدنية حديثة خاصة في ظل كم هائل من الثروة، تفرغوا لمعارك كارثية نهبت فيها ثروة البلد، وإن كانوا نجحوا في تفريغ الإنسان من إنسانيته بعد أن تم استنزافه روحيا وأخلاقيا.

ولا يعلم مدى قسوة وعنف السلطة الجائرة ومدى قدرتها على تشويه الفرد وضربه في الصميم سوى المطارد الذي لا يتم زرع الخوف بداخله فقط ولكن التذكير الدائم بأنه خائف وعاجز وضعيف، وأن وراء كل خطوة مخبرا يتجسس عليه، ووراء كل حائط دورية، ووراء كل بوابة فخ وعقاب. حتى في لحظات النوم الخاطف تهاجمه الكوابيس والأحلام المزعجة بعد أن تحولت هي الأخرى إلى أداة طيعة في يد الطاغية.

هذا العالم الكابوس الذي تحولت فيه الحقيقة إلى كابوس رازح والخيال إلى واقع مؤلم اقتربت المسافة فيه بين الضحية والجلاد، ولم نعد نعلم من يستحق الإدانة بعد أن تبدلت الأسماء والأقنعة، وضاع التمايز والفرادة التي تميز الإنسان، حتى تحولت المدينة إلى مدينة أشباح يرتع فيها القتلة واللصوص وقاطعو الطريق والقتل المجاني.

في وسط هذا العالم كيف يستطيع الراوي إن يستعيد شيئا في ظل فقدان عام للذاكرة الإرادية؟ ولا هو سدد ديونه باعتباره قاتلا، ليس لأنه لم يقتل بالفعل ولكن لأن الكل سدد الديون، سواء أكان الضحية أم الجلاد.

بل إن الإنهاك وصل إلى أقصى مدى. ولذلك كل محاولة لاستعادة حياته السابقة هي استعادة المعاناة التي لا تطاق. ولذلك عندما تغلق سراب شريط التسجيل وتقول له يجب أن توقف شريط الألم هذا، تعلم أن الألم ضروري في تلك الحالة وحتمي للتطهير الذاتي والمجتمعي لكي يخرج من آتون هذا العالم أكثر طهرا ونقاوة: قصه يرويها معتوه مليئة بالصخب والعنف والقتل والخيانة المهم اسمعه يقول شفيت. إن الحكي في المبتدأ هو الشفاء، شفاء الفرد، شفاء الوطن. ولأنها تعلم ذلك تقوم بالمغامرة نفسها الذي سار فيها يوسف، وهو استعادة شريط ألمها الخاص سواء علاقتها بالاسم سراب أو علاقتها بالمجتمع.

ولذلك وصل إلى نتيجة واحدة: أن عليه البدء من جديد ليس وحده كما قرر في رحلته، ولكن من البيت مع سراب الزوجة لأن الألم وحدهما، وهي الأقدر على تفهم قصصه وخيالاته، وأكثر قدرة علي الانفتاح واحتمال البدايات الجديدة

بقيت الإشارة إلى أن فكرة القناع، الاسم، وهو ما ركز عليهم النص الروائي في الكشف عن مدى التشوه في الشخصية العراقية، ودور الاستبداد والقمع الذى مورس على الشخوص في العصور المختلفة.

وقد نجح المؤلف بالفعل في استخدام هذا الرمز في التعبير عن تحول المدينة إلى مدينة أشباح عندما ارتدت القناع والمشاعر المتضاربة.

هذا الرمز الواضح له ميراث ضخم في المعرفة والمخيلة أغرى الكاتب باستنزافه حتى أعاق سير الأحداث بركام من تحليلات وتفاسير لم يكن النص في حاجة إليها، بل إن مقاطع طويلة لو تم حذفها لم يتغير شيء.

إن معارف الكاتب كانت معوقا أساسيا لتحرير السرد، حتى أنها حذفت المتخيل لدى القارئ، وأصابت النص بالترهل.

غلاف رواية صورة يوسف


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 2902254

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC