نورة عبد المهدي صلاح - فلسطين

بين الممكن والمستحيل

نورة صلاحممكن ومستحيل

أكتب فأصنع قدرا غير ذلك المتربع على جبهتي، أهرب حيث أبتدع الأكاذيب.

ما المسلمات؟ ما الحقائق؟ كل ما بيدي أحلامٌ جميلة، وخيباتٌ طويلة، أكتب لأحترق وأذوب وأنصهر برحم الخطيئة، أدوس التاريخ الذي كتبوه، أرمي المستقبل الذي رسموه، فكل ما بيدي حبر، وورق، وسراب.

أهرب، أفلت خصلات شعري على جسد البلد، أسير على أرصفة من العثرات، أسافر مع أوراق التين. أشبك يدي بالشوك، وعيون تباغتها أسنان الخوف. أقبل الموت، فيدفعني لأعيش حيث لا أعيش ولا أموت.

أتواطأ مع جسدي، وأمسك ممحاة أمحو ما كتب على جبيني، أتوغل في الثورة على نفسي، وقسوة قدري، أشعل الكلمات فأنطفئ مع فراشة تقترب من النور.

ما المسلمات؟ ما الحقائق؟ لا ممكنات، لا مستحيلات، فكل ما لدي أحلام وقدر مكتوب قبل ألف ألف عام.

تهمة

اتهمني بالجنون وكثرة الحنين، وشوق يلمع على الجبين، اتهمني بترداد أغنيات العشق وكتابة الأشعار على جدار قلبه، وأني ملئت دقائقه وثوانيه وساعاته وأيامه وعمره بكلماتي، اتهمني باحتلال قلبه حبا، إلا أنه لم يدرك أنه يعيش أرقى أنواع الاستقلال. وبعد هذا الكيل من التهم أقفلت على ذاكرتي ومنعت عنها شمسه وهواءه، حبه وشوقه وإحساسه، ظننتها تموت وتنساه، لكنها فعليا كانت تتحضر وتتهيأ لأجل أن تلقاه بعد قضاء مدة الحبس والتنفيذ. تلا القاضي حكمة قائلا: في الحب فقدت الأهلية القانونية التي كفلها لك القانون، كان الحكم صادقا بينما التهمة باطلة.

وهم

زرقة البحر تنام خلف عينيك، تمضي الأيام بلا ألوان، وحدك تمنحين الحياة بهجتها، عنفوانها، تبعدين الشيخوخة عن مسالكها، وحدك أيضا تمنحين القلب سماء للطيران، والهبوط في يديك بخفة وأمان، وحدك تملكين الماء بالحياة، تسقيه للبساتين والجنان، وحدك تشتاقين وتغنين، تغردين مثل العصافير، هكذا كان يقول؛ وبعينيه بحر أسود يغرق كل ما بي من شوق وحنين وحب لا يلين.

أوهمني حبه أنه يطالعني من بعيد، يقرأ صفحة أفكاري، يوحي لي بكلماتي، أوهمني حبه أنه يقيم في روحي، يحث نبض قلبي على الاشتعال، يهز أكتافي لأصحو من نومي وسباتي، أوهمني حبه أنه هنا بين عيني ورمشي يقيم، وفوق حاجبي هو حارس أمين، وصدق "غيابه" بما أوحاه لي أني أعيش حبا باهتا وحزينا.

مقارنة

(1)

لا وجه مقارنة بين حبين؛ كل حب له صيغة وشكل ولون وعنوان ودروب ومسافات وذكريات وأحلام وأسماء ومسميات وكنيات، والتشابه الوحيد هو حرقة الدمعة بالعين، ونمنمة الحزن بالحنجرة.

(2)

الأسباب التي تدعونا للحياة أهمها حبيب أتى به الغيم وأمطره على الروح أمنا وسلاما. الأسباب التي تدعونا للملل من الحياة أهمها غياب حبيب رحل مع غيوم الشتاء لأرض أخرى فيها سوانا. تعددت أسباب الموت، والموت واحد، غدا نموت أطمئنوا. لن تستوقفكم الأسباب إلا أياما قليلة وتستمر الحياة كأن لا أسباب أدت إلى الموت. هذه الحياة.

(3)

بحث عن طبيب يستأصل له ذاكرته القديمة. شكى للطبيب: ذاكرتي مليئة بالأتربة والغبار، أصبحت كلما رجعت لذكرى أصاب بقحة شديدة، وحساسية مفرطة، أثير زوبعة من الغبار من حولي إذا مشيت، حاولت غسلها ذات مرة إلا أني غرقت بوحل وطين، انزلقت للقاع، حيث لا أريد أن أكون، جففتها بإحراق كل ما في طريق العودة للسطح، خنقني دخانها الأسود، ولفتني العتمة من كل مكان. شفاؤه شبه مستحيل؛ هكذا قال الطبيب. قرر أن يرحل للفضاء لينفجر بعيدا ويتحد مع غبار يلف الكون بسكون جميل.

(4)

وقت مستقطع؛ تحاول أن تحقق أهدافك بالتعادل مع الآخرين أو التفوق عليهم، إلا أنه الوقت الذي تهبه للطرف الآخر حتى يستمر في خذلانك وإتعابك أكثر. لتكن الحياة شوطا واحدا دون وقت مستقطع وكفى.

(5)

الفتاة العاشقة تكتب بكائيتها عن الحبيب فتبدو أكثر تمردا وحبا في خضم القسوة، والعاشق عندما يكتب يبدو أكثر صدقا وإحساسا في هلوساته الجنونية عن الحبيبة.

(6)

وفرت الكثير من النقود لشراء حقائب سفر، ادخرت رغباتها، حتى انحنت الطرق، وشاخت الدروب، وسقط ورق الشجر، تخلت عنها الجوازات وممرات العبور، ترهلت مفكرتها المتكدسة بأسماء المناطق السياحية التي كانت تنوي زيارتها، اختفت وارتفع مكانها ناطحات سحاب، أو حدائق ألعاب يعلو فيها صراخ مخيف. اليوم تعاني أزمة من الحقائب المتعددة الأحجام، ضائقة بحلمها وسائرة فيه إلى الظلام.

ما بين الممكن والوهم والمستحيل، وكثير من المقارنات تعطينا الحياة درسها الأخير

أن تشرح تركيب دمعك، لمن لا يراها، أن تصف عمق جرحك لمن لا يفهم الأبعاد، أن تصرخ الآه لمن لا يسمع النداء، مضيعة لك ولدمعك ولصوتك. فلم تعد فيزياء روحي تجد التجاذب الذي تحققه العلاقات، إما شيءٌ بالروح اختلف، أو إن قوانين الأشياء تبدلت، ما يخفف عن روحي الآن، أن أوفر في حصالة أفكاري "كلمات"، ألجأ إليها عندما أفلس من الحياة، لأكتب عني وعنك وعن الحياة.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3105387

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC