عبد الحفيظ بن جلولي - الجزائر

موت التّاريخ واستفاقة الجسد

بين الملاحة والمناحة: موت التّاريخ واستفاقة الجسد

تمثل الأرض العربيّة بالنّسبة للوعي المختلف أرضا للسّراح والليالي الملاح، وأعجوبة من حيث إنّها تنطبق عليها مواصفات السّرد في "ألف ليلة وليلة"، وبالتّالي فليس لها في كل ما يُدار حولها من تحاليل وقراءات سوى تلك الرّغبة في فضّ مكنونها المتعوي وترسيم حدود انتشارها المخيالية.

فوق هذا لا تطمع هذه الجغرافيا في أن تكون ذات وزن أو ذات هدف إيجابي داخل أقبية السياسة الدّولية أو ضمن مصطلحات الفعل اليومي الذي ينشد ترسيخ القدم وتمكين الهيمنة، ومن هنا يجوز أن نشرب النَّخب على عافية المتاهة العربية التي تغطس في هوّة الملاحة، وتخرج إلى الشوارع لتدس فيضها المغمور من المناحة.

كان بالأمس واقع الرّبيع العربي، الذي أسال الكثير من الحبر، كما سالت على جوانبه الكثير من الدّماء، كان عنوانا للحرّية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وإذا بـريما تعود أدراجها نحو العادة القديمة، وتحيل خضار الرّبيع إلى لون باهت من ألوان الخريف، ليس لأنّ الانكفاء كان حليف المحاولة العربيّة للخروج من مغاليق الظلمة والضّيق، ولكن لأنّ الوعي العربي ما زال سجين السّجال العقيم والارتجال في التّعاطي مع القضايا الإستراتيجية، ولهذا تضرب المناحة أطنابها ليُستعاض عن الخسائر بمعول الملاحة، فالجمال العربي فتّان، ولهذا على الشواطئ أن تجهّز رمالها للأجساد العطشى، فكيف يعقل أن يكون عمود الوجود الكياني للدولة، وهو الاقتصاد، معتمدا أساسا إمّا على الثروة الناضبة أو على السياحة القابضة، دون أن يكون هناك تخطيط استراتيجي يبني معطيات الحركة الاقتصادية على التّوازن بين المجالات الحيوية التي تغذي عصب الاقتصاد.

الملاحة أصبحت سلعة رائجة بعدما منحها الظّرف العربي الزّئبقي كل الفرص لتكون مجالا فسيحا للتأويل، فالجسد العربي، شبق الأنعومة ومرح العين حين تكتحل برماد الجمال الصّحراوي، أضحى فتنة الفضائيات العالمية، فهو وعلى المباشر تُراق من شرايينه عهدة الحياة المقدّسة، ويفقد حرّيته المعهود بها إلى القوانين التي تحرّم المساس بسلامة الجسد، ولعل لأجل ذلك تصرف الفضائيات من أموالها وأحيانا من دماء وحرّيات مراسليها كي تكون مادّة الجسد العربي عنوانا لنشرات السّبق الإعلامي فيها، فالملاحة العربية عنوان للسياسة وفقه الأولويات.

لا يمكن أن نفهم مآلات الوضع السياسي العربي في خضم مشهد يربكه الدّم، والتّعاطي السّطحي مع مقتضيات المصير الوجودي للإنسان العربي، ففي الوقت الذي يتناحر فيه الإخوة الأعداء، سواء داخل بعض الأقطار أو بين بعضها البعض أيضا، تسجّل السياسة الإيرانية إنجازات سياسية وحضارية وإستراتيجية على سياسة وحيد القرن. يخلي أحمدي نجاد المتشدّد المشهد السياسي ليعقبه روحاني المعتدل، وينكشف الوجه الوديع للّيونة الإيرانية في مواجهة سياسة "الشيطان الأكبر".

استنكار روحاني للجرائم التي ترتكب ضد الإنسانية، بما في ذلك التي تعرّض لها اليهود وغيرهم على أيدي النازيين، قابله استنكار أميركي لمقتل الجنود الإيرانيين بالسلاح الكيماوي العراقي في الحرب بين العراق وإيران. ثم تلا ذلك اللقاء الذي جمع وزيري الخارجية الأميركي والإيراني.

وهكذا تحرز السياسة الإيرانية تقدّما بخطوات متأنّية، بطيئة ولكنّها أكيدة، طبقا للمثال الغربي نفسه، فما أمضته من شدٍّ وجذب مع الطرف الأمريكي خلال المفاوضات حول امتلاك الأسلحة النووية والمفاعلات التي كانت تناضل من أجل إثبات استخدامها للأغراض السّلمية لم يمر هباء، ولم يكن لأجل اللقاء وأخذ الصّور التّذكارية، ولكنّه كان لأجل التّحاور والتّفاوض وفق المعايير التي درجت عليها الأدبيات السياسية الكونية، وبالتالي فهي تنفي جانب الملاحة ولا تحبّ كثيرا جانب المناحة، حين تفشل إيران في احتواء المواقف وتقترب أمريكا من تحقيق الضّربة الاستباقية الخاطفة والرّادعة لمفاعلات إيران النّووية، بل إنّها تستخدم حكمة الإشراق الفارسي في ترويض العقل الجامح.

"وينكم يا عرب؟"، الصباحات العربية ليست لنا، متفجّرات هناك، وشوارع تدك، وقلاقل لا نهاية لها تضرب الاستقرار العربي، مظاهرات بالجملة، وربيع يتقهقر، وآراء تتغيّر صباح مساء، وإعلام لم يعد له من صفة المحايد ولو النّسبية سوى شكل الكلمة.

لم يعد للصّوت العربي الحكيم سوى الصّمت والتفرّج من بعيد على مآلات الوضع الحزين، فالشارع انقسم على ذاته، بين مؤيّد ومخالف، بين طامع وزاهد، بين محتال يتصيّد الفرص وبين مغلوب على أمره يمجّ الإنغطاس في لعنة السياسة.
والعجيب أن الجميع يتكلم عن التوافق الوطني، والفرص الثّمينة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولكن الجميع أيضا يدخل صالات الحوار متمسّكا ومتشبّثا بآرائه وأفكاره التي لا يمكن أن تتزحزح قيد أنملة، فكيف يمكن أن تنجح جولات حوار جامدة جمود الثلج؟

حينما تفتح السّجون، وتغلق المنابر الإعلامية، وتمتحن المدن العريقة في معمارها الحضاري، ويغتال صوت العقل، وتغيب كل معايير الأخذ بالنّماذج ذات التّجربة في مجالات المحن الوطنية كما عاشتها الجزائر مثلا، حينها نقول إن هناك تغييبا للنّيات الصادقة في الخروج من مضايق الأزمة، لأنّ المناحة استفحلت وغطّت على المناخ العام الذي يمكن أن يكون في عمقه صادقا لأن يجد المخرج من عنق الزّجاجة.

أوروبا والولايات المتحدة والعالم كله لا يمكن أن يكون سوى القشّة التي يمسك بها الغريق راغبا في النّجاة فقط، فهل ستنقذه؟

لا يمكن أن نتخيّل أن يكون هناك تصوّر جدّي يطبخ في أروقة السياسة الغربية أو الشّرقية لتفعيل أسس النّجاة والخروج من الضّائقة السياسية أو المالية، لأنّ الفكر الإستراتيجي الوطني والقومي وحده هو القادر على ذلك، كما تثبت التّجربة الإيرانية.

أسس التّوافق تنبني على آلية التّنازل، ولا أحد مستعد لتقديم ذلك. العقل العربي غارق في ترتيب بداهات الفعل السياسي على طريقة ضرب الوَدَع، فكيف يُعقل أن تُدار عملية سياسية بفكر يمتثل لمواجهة التّماثيل والفنون والآداب، وترسيم الآفاق الاستعلائية؟

وبذات المعايير كيف يمكن لسياسة أن تنهض دون مقوّمات تاريخية وجدانية تستلهم حركة الأمّة التاريخية في نضالها الوجودي؟

وكيف لنهضة تقوم على الاستفراد بالرّأي والقرار في تذبيج المحصّلة السياسية النّهائية التي توجّه حركة الفاعل السياسي، وتنظم فعاليات المجتمع المدني الرّاغب في تحقيق النمو والازدهار والرّخاء الاقتصادي.

ما زال في الوطن العربي ذلك المشهد الذي تتعالى فيه المزايدات على الوطنية، والوطنية مطلوبة حدّ النّخاع، لأنّها صنو المواطنة، فالحقّ الدستوري ينبني على ركائز المواطنة لأنّ الوطنية مفترضة ولا أحد يشكك فيها عند المواجهة السياسية، فليست حكرا لأحد، إنّها للجميع، لأنّ عناصر المواجهة السياسية تتحكم فيها البرامج، ولغياب ذلك وانتشار موجات التّخوين والتّهوين، تنتشر أيضا المناحة والملاحة كإواليتين (أولوية؟ آلية؟) تعويضيتين عن الهزائم المتكرّرة التي يشهدها الشّارع الجماهيري أو السياسي على السّواء، لأنه يبدو أنّ الجميع فقد بوصلة الحركة والاتجاه.

ويدفع المواطن العربي جرّاء ذلك أوردة جسده ووقته الذي تراهن عليهما السياسات المنهكة على وقع الحراك، الذي يفقد أيّ توصيف له في الوقت الرّاهن أو هكذا بدا لي، وبالتالي ينهض الدّيك العربي فجر كل صباح سياسي ينوح معلنا الاستفاقات المريرة على الموت الشّارعي بشقيه السّياسي والجماهيري.

وبعد صياح الدّيكة، تستفيق الرّاقصة على معبد الزّمن، لتعلن موت التّاريخ واستفاقة الجسد.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3222776

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC