زهرة يبرم - الجزائر

على حافة الحلم

أقصى ما كان يتمنى وهو يرسل خامس طلب له إلى شركة البتروكيمياء المعتصمة على إحدى شواطئ مدينته، هو أن يحصل على عمل ضمن برنامج وطني لتشغيل الشباب براتب زهيد لا يتعدى خمسة عشر ألف دينار جزائري (*) في الشهر. لكن المفاجأة كانت كبيرة، وكأن أبواب السماء قد انفتحت له فجأة على مصراعيها في ليلة القدر، فكانت المكافأة بحجم الصبر وطول الانتظار. أجابته الشركة بالإيجاب، وفوق ذلك عينته موظفا في القاعدة النفطية الرئيسية لها، "تيقنتورين"، المتواجدة بالجنوب الشرقي على خارطة البلاد، وقلوب الشباب متعلقة بالصحراء، بمثل هذه الشركات الكبرى التي تدفع جيدا لمستخدميها.

* * *
تخرج منذ سنين مهندسا في الكيمياء، لكن شهادته لم تشفع له لدى مكاتب التوظيف والشركات. طرق كل الأبواب فوجدها كلها موصدة في وجهه. مل الإدارات ودفع الملفات مع كل بارقة أمل جديد. كل همه في وظيفة محترمة تحفظ ماء الوجه وإن لم تكن في مجال تخصصه. لم يكن كسولا في سعيه، فقد امتهن عدة مهن وضيعة تحت وطأة الاضطرار والحاجة.

لفحته قسوة الواقع بمرارتها فبددت أمنياته العذاب ومرغتها بأوحال الحال. ضاعت خطاه على دروب الأحلام والأوهام، وصار يومه يلقاه كأمسه مغلولا مصفدا إلى جدار الانتظار. شمله التصنيف المبتكر الذي يطلق تندرا على كل من يعاني البطالة وينفق وقته مستندا إلى حيطان المدينة، "حيطيست".

لم يعد أمامه من سبيل غير الاتكاء على الجدران يلوك الحديث مع صحبة من أمثاله تجمعهم شراكة في صفة البطالة، ولا جرم أن نضب معين الكلام بينهم وأفرغت معانيه لكثرة ما اجتروه. كانت أيامه تذوي وهو قابع في رصيف الانتظار، وما الحياة إلا أياما وساعات، دقائق وثوان.

تشوه جمال شبابه بالقلق. يقتله الواقع من حوله، واقع ضبابي مغيب التفاصيل بشكل غريب. تسكنه الحيرة ويلفه التيه والضياع. ينتظر ويأمل، فيَخيبُ أمله مع كل انتظار. صبر وصابر حتى تشوه جمال الصبر، رغم ذلك تمسك به ولم يضيعه.

يهرب من البيت فرارا من نظرات الانكسار في عيني أمه. هي تشفق كثيرا على حاله. لسانها لا ينفك يلهج له بالدعاء، وقلبها يتحرك نحوه بالرحمة والعطف. أما هو فيشعر بالانهزام أمامها وباللاجدوى من وجوده بحياتها.عاجز عن حمايتها من الفاقة وجور الزمان. ظله وظل الحائط سواسية، بل ظل الحائط أوفر مساحة للتفيؤ. أصبح لحياته طعم الرماد حين يكون الرماد بقية أحلام تحطمت على صخر الواقع وأحرقتها الخيبة والإخفاق.

* * *
لعن كل الحيطان والمتكآت وشد الرحال إلى الصحراء. طلق البطالة وعالمها المضطرب واستقبل حياة العمل والاستقرار بتفاؤل سرى في دمه كخلايا تحمل الأكسجين لكل أطرافه.

علامة على الطريق في الجزائرالحياة في "تيقنتورين" صعبة، إنما لن تكون أصعب من حياة الفراغ والضياع والتهميش التي طبعت حياته لسنين.

اعتاد مع الأيام على الظروف المناخية القاسية، وتأقلم مع العمل بالليل وفق طريقة "الثلاثة في ثمانية" في تقسيم أوقات العمل. تعلم أساليب الحيطة من العقارب و الأفاعي، وألف نمطا آخر من المعيشة بعيدا عن خبز أمه وقهوتها ودفء صدرها، وأصبح يعيش الحلم الذي راوده لسنين وتحقق.

لكن أتت الرياح بما لم يكن في حسبان ربابين السفن.

في إحدى الصباحات، وفيما كان على سطح أحد صهاريج النفط العملاقة في مهمة روتينية يقتضيها عمله، أحس بشيء غير عادي يحدث على الأرض. أصوات غريبة تتعالى واضطراب غير معهود في حركة العمال. جرى إلى حافة الصهريج صوب الأصوات ليستجلي الأمر. وقبل أن يصل دوت طلقات نارية فانبطح على السطح في حركة لا إرادية. لا شك شيء خطير يحدث! استدرك ناهضا مستديرا نحو السلم. نزل الدرج بخفة المرتبك. في آخر السلم تقاطع مع أحد العمال وهو يجري لاهثا يبحث عن مخبأ فوق الصهريج. أخبره عن عجل باقتحام جماعة إرهابية مسلحة قاعدة الحياة.

ملئت نفسه رعبا وتساءل معها: أين المفر أيتها الروح؟ والخائف يتضاعف نشاط تفكيره فلا يعدم حيلة في إيجاد مخبأ.

عند عتبة السلم وعلى بعد خطوات منه انتبه لوجود حفرة مغطاة بقالب حجري، كتلك المخصصة لصرف المياه. بلا جهد كبير رفع الغطاء و تسلل إلى داخلها وسحب الغطاء فوقه.

أجال ناظريه في الظلام كالذي يغشى عليه من الموت خوفا ورهبة، ودعا ربه جزعا: "يا مدبر كل أمر عسير، دبر لي فإني لا أحسن التدبير"، واستعاذ به من شر خلقه.

هدأت نفسه بعض الشيء وهو مستقر في جوف الحفرة في أمان إلى أن يحدث الله أمرا. لا أحد يعلم بوجوده فيها إلا الله.

كان مدركا بكل ما يحدث في العالم الخارجي. أقوام وأجناس يطؤون غطاء حفرته ركضا في كل الاتجاهات ويرطنون بشتى اللغات. وَلوَلَة الرصاص وأزيز الطائرات تنبؤه بخطورة ما يحدث على الأرض. كان يسبح بحمد الله على أن هداه إلى مكمنه الارتجالي ذاك.

رن هاتفه فجأة في وقت نسي فيه تلك الوسيلة الظريفة للاتصال، والتي تمكن أهل القبور من مكالمة أهل الأرض. كان المتصل قلب أم انخلع خوفا على مصير وحيدها وقرة عينها وقد علمت بالخبر عبر وسائل الإعلام والقنوات الفضائية. طمأنها على نفسه وأنه يحتمي بحفرة آمنة. وتوالت عليه الاتصالات من الأهل والأصحاب.

يا صبر أيوب! هل من فرج بعد هذه الشدة؟ كأن الزمن كان متوقفا في الحفرة. كلما اجتاحه بصيص أمل في توقف المعركة، عادت بوادر الحرب من جديد. تقتله الوحدة، ويقتله القلق والجوع خاصة.

لبث في مخبئه ذاك ثلاثة أيام عددا بلياليها. ألف وحشة المكان وضيقه وعتمته، لكنه صار يخشى أن يصير له قبرا.

في إحدى الأماسي سكن كل شيء، فتسلل على وهن من مكمنه إلى العالم الخارجي، وما أن استنشق الهواء حتى انتابه سعال حاد كاد يمزق رئتيه، وتهالك للمرض.

انهارت نفسيته وهو يرى ما حوله من جثث وجرحى ودماء ودمار إثر الاشتباكات التي دارت بين قوات الأمن والجماعات الإرهابية، جوا وأرضا، وأتلفت أجزاء كبيرة من المصنع.

حمل إلى أقرب مشفى بالمنطقة مع الجرحى والمصدومين والمنهارين لتلقي الإسعافات، ثم نقل إلى مستشفى مدينته ليكون تحت أعين أهله وأقاربه.

اعتلت صحته، واستفحل به داء غامض مبهم في الرئتين.أكد الأطباء أن إصابته ناجمة عن غاز مستنشق، لكن أي نوع من الغازات هو؟ ذلك هو اللغز. هل كان هواء الحفرة ملوثا ببعض الغازات المتسربة من الجزء التحت أرضي للمصنع؟ هل خانته الحفرة وتآمرت عليه مع الإرهابيين وتحالفت معهم ضده بعد أن ظنها مكمن نجاة؟ أم تراه قدر الموت المحتوم، الذي لا يَعصم منه عاصم، يتبعه؟

= = =

(*) المبلغ يعادل 150 دولارا تقريبا.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3256044

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC