إبراهيم قاسم يوسف - لبنان

رحلة في ست ساعات ج2

قبل بلوغنا زحلة، عروس البقاع "وجارة الوادي"، زحلة التي كرَّمها شوقي ذات يوم في قصيدة مشهورة بهذا العنوان، وغنَّاها عبد الوهاب فزادها تكريماً على تكريم، مررنا بالقرب من مرصد كسارة للأحوال الجوية، وكروم العنب وأقبية الخمر المعتقة فيها، وبعضه يعود إلى عقود طويلة من الزمن، ويبلغ أسعارا خيالية لا تصدق. تمت رشوة أحد رجال السياسة، لشراء صوته في بعض القضايا بقنينة معتَّقة من نبيذ كسارة، فتحوها على شرفه فكسبوا صوته وكان لهم ما يريدون. لا تعجب يا صاحبي، فلو عرفت كم يبلغ سعرها، لزال العجب.

زحلة تمثال أفروديتها نحن في أول الجادة المؤدية إلى وادي العرائش ونهر البردوني، حيث ينتصبُ تمثال أفروديت، ابنة زيوس وربة الحب والخصب والجمال عند اليونان، عارية الصدر مشرئبة النهدين، يجذبان بلا حياء أنظار المارة وفضولَهم على قارعة الطريق. لا تستر عورتها هذه المرة ورقة تين أو توت، بل ورقة من عنقود عنب رفعته بيمناها إلى الأعلى.

أما بعلبك فتعود آثارها إلى الألف الثالث قبل الميلاد، ويشوب تاريخها بعض الغموض، فتقع إلى الشمال من مدينة زحلة، لا تفصلها عنها إلاّ بعض عشرات الكيلو مترات، وتبعد 85 كيلومترا إلى الشرق الشمالي من بيروت. تعلو ألفاً ومئتي متر عن سطح البحر. مثلت عبر التاريخ أهمية كبرى بسبب موقعها على مفترق تجاري للقوافل القديمة، لاتصالها بالبر الشامي وشمال سورية بفلسطين.

قلعة بعلبكوكانت محطة تجارية بارزة وموقعاً اقتصادياً مميزاً بالإضافة إلى وجودها وسط سهل البقاع الخصيب. وفيها قلعة بناها الرومان، تشير معالمها الباقية أنها كانت ذات أهمية قلَّ نظيرُها، ولها في التاريخ شأن عظيم. لم يبقَ من أعمدتها الأربعة والخمسين إلاّ ستة أعمدة فحسب. لا يلتصق الواحد منها ببعضه بمادة لاصقة كالإسمنت أو الرصاص أو أي مادة أخرى، بل ما يجمع مكونات الأعمدة هو الفراغ.. ليس إلا الفراغ (Vide et étanchéité parfaite). وفيها معبد باخوس، إله الخمر، ومعبد فينوس وجوبيتير، والبهو الكبير بأروقته وأحواضه ومذابحه.

رغم الخيالات الكثيرة حول رواية كليوبترا وأنطونيوس، وكيف اختارت الملكة أن تنتحر على أن تدخل روما في موكب النصر، ففي معالم القلعة ما يشير بوضوح إلى كليو بترا وثعبان الكوبرا في صدرها.

بعلبك أنا شمعة على دراجك

وردة على سياجك

أنا نقطة زيت بسراجك

بعلبك يا قصة عز علياني بالبال حلياني

يا معمرة بقلوب وغناني

(الأخوان رحباني) غناء فيروز

بعلبك حجر الحبلىعلى يمين مدخل المدينة، يقوم حجر منحوت، هو حجر الحُبلى. كتلة هائلة بالغة الحجم والوزن، تعجز عن إزاحته من مكانه أضخم وأحدث آلات "الإيدروليك". بنى أحد طلاب الآثار أطروحته للدكتوراه حول الحجر، فافترض أن رواداً أتوا إلى الأرض يحملون الحجر من كوكب آخر، أو أنهم قدّوا الحجر ونحتوه ثم تركوه معجزة لأهل الأرض كي يجربوا وينقلوه إلى القلعة أو إلى أي مكان آخر.

أول مهرجان جرى في ظل هياكل بعلبك، يعود إلى عهد الرئيس الراحل كميل شمعون في العام 1956. والحق أن هذه الفترة كانت تتصف بالكثير من سعة العيش والرخاء. ولكن قبل انتهاء ولاية الرئيس شمعون، اندلعت اضطرابات عُرِفت يومها بثورة 1958 بين محورين: محور يساري أو "وطني" ينادي بالقومية العربية ويؤيد الرئيس المصري جمال عبد الناصر، المتحالف مع الاتحاد السوفييتي، الذي تصدى للعدوان الثلاثي على مصر من قبل فرنسا وبريطانيا وإسرائيل. والمحور الآخر يميني يدافع عن امتيازاته ويتحالف مع الغرب، ومن يناوئ عبد الناصر من العرب كما كانت الحال مع حلف بغداد.

أسَرَّ في أذني مهندس فرنسي إبان وجودي في دورة دراسية، أن الفرنسيين كانوا يرسمون علم إسرائيل على طائراتٍ يُذَخِّرونها ويرسلونها مباشرة إلى إسرائيل، لتشارك في العدوان على السويس.

توالت المهرجانات في بعلبك تستقطب فرق الرقص والغناء والأوبرا والتمثيل. وأبرز هؤلاء الرحابنة، وزكي ناصيف، ومعهم فيروز ووديع الصافي ونصري شمس الدين وصباح وفيليمون وهبة وصباح فخري، وأخيراً مرسيل خليفة وعاصي الحلاني، وغيرهم الكثير من المغنين والفرق المحلية والأجنبية.

ممن شاركوا في افتتاح أحد المهرجانات في الخمسينات 1957، ثريا زوجة شاه إيران، محمد رضا بهلوي، وهي سيدة فاتنة بحق. أوصلتها إلى المهرجان سيارة بويك سوداء من طراز ذلك العصر. ثم توقفت المهرجانات لاحقاً لعقدين من الزمن إبان الحرب الأهلية منذ بداية العام 1975.

تميزت المدينة ببأسِ رجالها وشهرة علمائها وشعرائها، وأبرزهم الإمام الأوزاعي خصمُ من أوقعَ ظلماً بمعاهدٍ أو جار، وخليل مطران، وبعض آل حرفوش، وملحم قاسم، وهو ثائر شجاع ممن تصدوا للاحتلال الفرنسي ولم ينصفهم التاريخ. في المدينة نبع رأس العين وتحاذيه مساحة واسعة من "الغازون الأخضر" تُعْرفُ "بمرجة" رأس العين، يستخدمها أبناء المدينة والجوار للاحتفالات، وبعض المقاهي تنتشر هنا وهناك.

فندق بالميرا الأكثر شهرة، ويحتوي على متحف عن آثار المدينة ويعود تاريخ بنائه لأكثر من مئة عام. ليس بعيدا عن القلعة يقع مقام السيدة خولة ابنة الإمام الحسين، وعربة السبايا من آل بيت الرسول الكريم، مرت في هذه المدينة في طريقها إلى الشام زمن حكم الخليفة يزيد.

الفراعنة أكلوا فاكهة من بعلبك عندما أطلقوا الحمام الزاجل في الصباح الباكر من مصر، وعاد إليهم عند العصر تحمل كل حمامة في رجليها حبتين من الكرز أو المشمش.

أما ما حدث لزحلة من الدمار بفعل الزلازل، فقد حدث في بعلبك على شكل زلزال دَمَّرَ الأعمدة والقلعة، وفيضان أغرق المدينة في وقت مختلف، وحمل إليها الصخور فدمر بيوتها، ولم ينج من سكانها إلاّ القليل.

مطعم العجمي من المطاعم المتواضعة، لكنه الأكثر شهرة في المدينة، ويعود تاريخه لعقود طويلة من الزمن. له خبرة واسعة في الأكل البلدي التقليدي، ومن منفعة الزائر الإشارة إلى هذا المطعم، ليتذوق فيه الحمص وفَتَّة المقادم والخضار والشواء، وشطائر لحم الغنم بالبندورة، المشهورة على مساحة البلاد ويطلقون عليها "الصْفِيْحَة البعلبكيَّة".

أبعد من بعلبك "مدينة الشمس" وعلى الحدود مع سورية شمالاً، تقع بلدة الهرمل، مسقط رأس المغفور له صبري حمادة أول رئيس للمجلس النيابي، وأحد أبرز رجالات الاستقلال. انتخب نائبا لخمسين عاما على التوالي دون انقطاع. أصلح ذات البين مع الاتحاد السوفييتي، زمن ولاية الرئيس فؤاد شهاب الذي انتخب رئيساً للجمهورية خلفا للرئيس كميل شمعون قبل انتهاء ولايته لتهدأ اضطرابات ما سمِّيَ ثورة الـ 1958.

انتشرت إشاعةٌ مُدَبَّرَة خطط لها يومئذٍ "المكتب الثاني" (*) تقضي بخطف طائرة "ميراج" من لبنان لصالح الاتحاد السوفييتي للتجسس على أسرارها، كما أشيع يومذاك. جرى ذلك بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة، التي قام بها بعض ضباط الجيش من الحزب السوري القومي الاجتماعي، الحزب الذي أسّسَه أنطون سعادة، وذلك ليلة رأس السنة من بداية العام 1962 للإطاحة بحكم الرئيس فؤاد شهاب. ومحاولة الانقلاب هذه لا ترتبط بخطف طائرة "الميراج، بل كانت نوعاً من التخريب على الاتحاد السوفييتي لخدمة الغرب.

ينبع نهر العاصي من "شواغير" الهرمل "وعين الزرقا" ومجموعة ينابيع أخرى في بلدة اللبوة وتغذِّيه بعض الروافد الأخرى، وتنمو على ضفتيه أشجار الصفصاف، ومنه الصفصاف "المسْتَحي" أو الخجول، الذي يتميز بالظل الظليل.

ولا يخالف نهر العاصي الذي يوحي اسمه بالعصيان، مبدأ فيزياء الجاذبية من الأعلى إلى الأسفل كما يشاع، لكن مجراه يختلف عن مسيرة الأنهار المعتادة الأخرى التي تختار الطريق الأقصر إلى البحر. أما العاصي فيلتف في طريقه على الجبال، ويمضي باتجاه سورية يروي سهولها ويحرك النواعير العملاقة في حماة، بعد أن يروي القليل من أراضي لبنان، ليقطع مسافة أربعمئة كيلو متر في طريقه إلى تركيا في رحلة طويلة تتجاوز أربعة أضعاف رحلته إلى البحر الأبيض المتوسط على شواطئ لبنا، ويصب أخيراً في لواء الإسكندرون، توأم فلسطين بفاصل زمنيّ لا يتعدى عشرة أعوام.

ومن أبناء الهرمل ونجومه ليلى الصلح حمادة، ابنة المغفور له رياض الصلح أول رئيس لمجلس الوزراء، ومن رجالات الاستقلال أيضاً. قتل عن طريق الاغتيال عام 1951 في الأردن، ودفن في مقام الإمام الأوزاعي في بيروت. والسيدة ليلى زوجة ماجد حمادة نجل رئيس مجلس النواب صبري حمادة، وخالة الأمير الوليد بن طلال لأمه، ترعى الكثير من المشاريع الخيرية للأمير، وكانت قد شغلت منصبا وزارياً في إحدى الحكومات.

أما إلى الغرب من مدينة بعلبك وعلى بعد 30 كيلومترا منها، فتقع بلدة اليَمُّونة المشهورة بالينابيع، ومنها نبع اليمونة وينابيع أخرى كنبع التفاحة ونبع البرج والعروس وغيرها من الينابيع التي تروي معظم قرى وبلدات البقاع الغربي، وتروي الكثير من المزروعات، حتى حدود مدينة زحلة.

في البلدة بقايا أسوار وأعمدة تعود إلى عصر الرومان، ومن أبنائها مُعِيْن شْرَيْف، أحد أجمل الأصوات في دنيا الطرب والغناء، وخليفة وديع الصافي (رحمه الله). يحد البلدة من الشمال عيناتا فالأرز. أما من ناحية الغرب فتحدها تنورين والعاقورة، وتتفوق البلدتان على أعذب مياه في العالم. يذهب البعض إلى القول إنها مياه تشفي الكثير من الأمراض. وتفاح العاقورة من أطيب التفاح على الإطلاق.

إبان الحرب الأهلية دفنوا في هذه الجبال النظيفة مخلفات بعض المعادن الثقيلة والمواد السامة الأخرى، التي استقدمتها بعض ميليشيات "الثوار" من الخارج ليُخَلِّصوا بلدانها منها، وتتسرب سمومها إلى مياهنا الجوفية لقاء المال.

= = =

(*) المكتب الثاني: جهاز أمني (مخابرات) في لبنان.

الجزء الثالث في العدد القادم.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3102483

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC