فريال مقلالي - الجزائر

غرق سعيد ونصوص أخرى

غرق سعيد

على شاطئ البحر أسير وأداعب المياه الحالمة. أجلس ولا أسبح، فدائما ما كنت أخشى السباحة، وهذا ما جعلني في كل مرة أغرق في محيط من الأفكار المتناقضة، التي تنقلني من أقصى الحزن إلى أقصى السعادة، تأخذني وترجع بي، لأجد نفسي فجأة خالية الفكر إلا من شيء واحد: فكرة الغرق السعيد.

بصمة لقاء

يوم جئت تستلم جواز سفرك، وجدتني في الجهة المقابلة أنتظر بدوري استلام بطاقة هويتي وسط طابور عريض يوحي بالانتظار الطويل والسأم.

ولأن الانتظار هو أكثر شيء يزعجني في الحياة فقد بدأت أتمتم بكلمات غريبة لم أفهمها حتى أنا، وشعرت بتواطؤ قدمي معي، عندما أخذت ترسل ضربات متتالية. كلما هوت ضربة على الأرض انبعثت معها دقة من قلبك، وحين انهالت ضربات قدمي، تسارعت دقات قلبك، وهنا لمحتك. لقد كنت قلقا مثلي. تكره الانتظار مثلي.

وحين نفذ صبرك، بصمت على قلبي بقلبك، فصرت أنت هويتي وصرت أنا وطنك.

عيد ميلاد

اليوم عيد ميلادي. سيمر عاديا كما مر دائما. وككل سنة لن احتفل به، فأنا لا أؤمن بهذه الأشياء الصغيرة التي طالما اهتم بها الناس العاديون، ولا أعير لها اهتماما.

فقط هناك شيء استثنائي هذه السنة. لقد اكتشفت أن عيد ميلادي هو نفسه عيد رحيل رجل من الرجال العظماء: جمال عبد الناصر، الرجل الفذ ورئيس مصر في زمنها المزدهر.

ليس هذا هو المهم في الأمر، بل ما يهم هو أنه ورغم التقاء يوم إشراقي بيوم غروبه، إلا أن هذا ليس أمرا سيئا، فأنا ولدت بعد سنوات عديدة من وفاة عبد الناصر. وهنا يكمن سر العلاقة بيني وبينه.

نعم، توجد بيننا علاقة، علاقة خفية لكنها راقية جدا ومليئة بالمعاني السامية. ربما سأحمل شعلته يوما ما، في زمن لا يشبه زمنه الماضي، وفي مكان ليس مكانه أيضا. ربما سأحمل شعلته، أنا التي أسفت دوما للفراق الفظيع بين العظمة ورجال اليوم. بين هذا الالتقاء وهذا الفراق توجد معادلة صعبة ليس بوسع الأشخاص العاديين حل لغزها.

أما أنا، فأحمد الله، فقد فهمت أخيرا رسالتي في الحياة.

لا تظنوا أن هذا غرور، وإلا فأنتم أشخاص عاديون. ثم، ألا يحق لمن لها صلة بزعيم أن ينتابها الغرور؟

قضية كونية

في بلادي يحمي القانون المرأة بشروط: أن يسيل دمها، أو أن يكسر ضلعها، أو أن يشوه وجهها، ولا بأس ببعض الكدمات على جسدها، فهذا أيضا دليل مقبول، وبرهان على أنها اضطهدت فعلا، أما إن أهينت فقط، حرمت من حقوقها فقط، تعرضت للترهيب فقط، فتلك أمور بسيطة، عليها أن تتجاوزها بقليل من الصبر فقط، ولا داعي لإزعاج فخامة القانون.

يا صانع القانون في بلادي، أليس القانون عدلا؟ أيعقل أن يكون صانع العدل دمويا هكذا؟ ألا يرويك إلا دم أريق من امرأة؟ ألا يجبر خاطرك إلا كسر ضلوعها؟ وكيف صنعت من جروحها بلسما لجراحك؟

إن كنت قد خدعت قبلا من امرأة يا شهريار، وذقت منها من الويلات ما جعلك تنفث سمك على كل النساء ، وتسعى للانتقام لنفسك، بتقديمهن قرابين لكل غول في ثوب رجل، وأنت تلبس ثوب العدالة، إن كان ذاك هو السبب، فدعني أخبرك أن تلك التي أوجعتك لا تمثل كل النساء، لم توجعهن بها إذا؟

وإن كان في الأمر شيء آخر ، ليس لهن فيه ناقة ولا جمل، فرفقا بالقوارير يا سيدي، رفقا بالقوارير.

باسم الحق وباسم العدل، سأشتكيك يا صانع القانون إلى قانونك، ولتسخر من كلامي هذا إن شئت ، لكن أنصحك ألا تضحك كثيرا لأنني أعلم جيدا أنه مثلك، لا يقتنع إلا بدليل ، رغم أن جرمك واضح، كوضوح القهر على وجه زوجة تعودت على الضرب آخر كل ليلة من زوجها السكير، حارق كحرقة دمعة في عين أم تبكي طفلها الذي شق جسده وحش بشوكة أذبلت كل زهوره، صارخ كاستغاثة عذراء شريفة وهي تطلب إنقاذها من مجموعة منحرفين يقودونها غصبا إلى وكر الشياطين.

أخبرني بالله عليك، هل هناك جرم أبشع من هذا؟ أوليس هذا برهانا قاطعا يدينك؟ ورغم ذلك لا زلت تشترط الدليل. سآتي بالدليل، بل إني أملك الحجة البالغة؛ في قلبي هذا يا سيدي -إن كان لديك قلب- أحمل كل آهات نساء الكون على مر العصور، كل أوجاعهن، والأهم كل جروحهن، لأن الجروح هي الدليل، وها هو قلبي داميا أمامك؛ لا يا هذا، إن هذا ليس سرابا، بل هو أصدق جرح عرفته روح امرأة قبل أن يعرفه جسدها، عبر كل تلك الأزمان.

أجل، ستكون هذه حجتي، وسأجعل منها قضية، قضية كونية. سأقاضيك بها أمام الملأ، بتهمة اغتيال كرامتي وجعلها من قانونك مادة ملغية، ولن أرضى إلا بحكم يلقيك أنت وكل الغيلان، الذين تغذوا ونموا في حديقتك القاحلة، في بحيرة منسية.

أليس قانونك قاحلا وهو يغرس في كل تربة خصبة أشواكا تشوهها، وطفيليات تتسلق أشجارها فتكسر أغصانها، ثم تطلق عليها الديدان لتترك برهانا قاطعا يشي باعتدائهم على ثمراتها؟

لن أرضى إذا إلا باقتلاعكم من تلك الأرض ولن أهدأ حتى تصير قضيتي أسطورة أبدية.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3043943

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC